بسم الله الرحمن الرحيم
لقد تابعنا في الأيام الماضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي جريمة مؤلمة كان ضحيتها طفل بريء في مقتبل العمر، أرسلته أسرته للتعلم والدراسة في محظرة من محاظر القرآن الكريم، ليعود محتضرا بعد أسابيع من التكتم على مرضه من لدن القائمين على المحظرة، ويبدو أن الجريمة على بشاعتها واستهجان الرأي العام لها تجد للأسف الشديد من يتضامن مع مرتكبها الذي حُظي بتضامن غريب من بعض الأئمة، بالرغم من أنه صواحب سوابق في هذا المضمار، فقد سبق الجريمة البشعة وفاة طفل قبل أشهر في نفس المحظرة سيئة الصيت متأثر بالضرب المبرح والإهمال الشديد، وبدل أن يلقى الفاعل العقاب المناسب تدخلت العشيرة لحل القضية وطي الملف في تدخل يعكس الجانب السيء للقبيلة التي أصبحت بانتهاجها الدائم لسياسات التسوية عائقا أمام تطبيق القانون في بلادنا. مما جعل الرهان على التسويات القبلية يطمئن مرتكبي جرائم كبيرة، فمن أمن العقوبة أساء الأدب.
إن هذه الحادثة الفاجعة تثير تساؤلات جوهرية عن كيفية التدريس في المحاظر الموريتانية، التي نعتز بها، وما إذا كانت تواكب العصر في أساليبها ومناهجها.
وتستدعي إعادة النظر في مدى نجاعة بعض الأساليب التدريس غير المجدية إذ لا يزال غالبية المدرسين في المحاظر يتبعون أساليب قديمة وغير بيداغوجية في تعليم الطلاب، ويعتمدون على التعنيف والضرب كوسيلة لتأديبهم، وهو ما يتنافى مع أبسط قواعد التربية والتعليم.
بعض هؤلاء المدرسين ينشدون مقولات في هذا السياق يشرعون بها عنفهم، كمقولة: الضرب ينفعهم والعلم يرفعهم، مع أن الضرب والتعنيف في حقيقة الأمر لا يعكسان سوى عجز المعلم عن إيجاد أساليب فعّالة ومناسبة للطلاب تمكنهم من فهم العلم. وعندما يعجز المعلم عن إيصال المعلومة بشكل صحيح، يلجأ إلى الضرب كبديل غير مجدٍ. ومن المؤسف أن هذه الظاهرة كانت تحدث في العديد من المحاظر والمدارس، ولا تظهر بشكل علني بسبب غياب وسائل الاتصال في الماضي، مما جعلها غير مرئية للكثيرين.
والحق الذي تشهد له تجارب عديدة من داخل المحاظر وخارجها أن المُدرس كلما اقترب من طلبته اقترابا لا يفقده وقاره نشأ لدى التلميذ تعلق بالدرس عليه والبقاء ضمن المؤسسة، ثم إن مخاطر بث الخوف دون ضرب تُولِّدُ لدى الطالب ارتباكا واضطرابا يصرفانه عن التحصيل، ويجعلانه يفكر في الخروج من الورطة النفسية التي خلَّفها الخوف، فكيف إذا كان هذا الخوف ناتجا عن تعذيب شديد، فهو إلى جانب أثره السيء على نفسية التلميذ يشوه محاظرنا المعطاءة ويرسم صورة سيئة عنها، ويجعل الصورة المرسومة لدى البعض أن إرسال الأولاد المحاظر يعني احتمال تعريضهم للتعنيف الشديد، ومساوئ أخلاقية أخرى.
من هنا، لا بد من تسجيل المقترحات والتوصيات التالية:
- على الدولة أن تتدخل لتنظيم التعليم العتيق، والرقابة عليه، لأنه من واجب الدولة أن تضمن تقديم التعليم بشكل آمن وفعّال.
- يتعين على إدارة المحاظر التابعة لوزارة الشؤون الإسلامية أن تقوم بدورها في تنظيم هذا القطاع، وتقديم الرخص للمحاظر التي تتوفر على بنية تحتية ملائمة، ويعمل فيها معلمون مؤهلون، من أهل العلم والصلاح، المشهود لهم بالعدالة.
- تخصيص ميزانيات ورواتب للمحاظر، وأن يتم تعيين مفتش لكل مقاطعة، يقوم بزيارة المحاظر التابعة لمقاطعته، ويعدّ تقارير أسبوعية عن حالة المحظرة، بما في ذلك البرامج التعليمية، والكتب التي تدرس، وسلوكيات المعلمين، وظروف الطلاب المعيشية والسكنية.
- رقابة صارمة على الوافدين من خارج البلاد، بما في ذلك تسجيل أسمائهم، وإلزامهم بالإقامة وفقًا للإجراءات الأمنية اللازمة، لضمان الاستقرار ومتابعة العملية التربوية بالشكل الصحيح.
- إنهاء الحالة الفوضية: فلا يعقل أن يتم فتح محظرة في أي مكان، بعيدا عن رقابة الدولة وسلطتها. مثل هذه المحاظر قد تكون مقبولة في العصور السابقة، حينما كانت السلطة المركزية ضعيفة، وكان الشعب يعيش حياة بدوية، ولكن مع التطور الذي شهدته بلادنا، أصبح التنظيم والرقابة ضرورة تقتضيها المرحلة الحالية.

.gif)
















.png)