قراءة تحليلية في خلفيات المادة: 93 وإشكالية المأمورية الثالثة
تشهد الساحة السياسية الموريتانية حديثاً متصاعداً عن حوار وطني مرتقب، يُقدَّم رسمياً باعتباره فرصة لتعزيز التهدئة السياسية، وترسيخ المسار الديمقراطي، وفتح نقاش حول إصلاحات مؤسسية ودستورية. غير أن جزءاً من الطيف السياسي والإعلامي يطرح قراءة مغايرة، مفادها أن للحوار أهدافاً غير معلنة، تتصل بإيجاد مخرج سياسي آمن للرئيس الحالي، سواء عبر إعادة صياغة السردية السياسية حول مسألة المأمورية الثالثة، أو من خلال تعديل أو توضيح بعض المواد الدستورية، وفي مقدمتها المادة: 93 المتعلقة بمسؤولية رئيس الجمهورية.
في هذا المقال نحاول تحليل هذه الفرضية من زاوية دستورية وسياسية، بعيداً عن منطق الاتهام أو التزكية.
أولاً: السياق السياسي ومسألة المأمورية الثالثة
ينص الدستور الموريتاني صراحة على تحديد عدد المأموريات الرئاسية، وقد شكّل هذا المبدأ أحد أعمدة الإصلاح الدستوري في البلاد. تاريخياً، كان موضوع تحديد المأموريات حساساً في المنطقة عموماً، لما له من صلة مباشرة بمبدأ التداول السلمي على السلطة.
في هذا الإطار، يُثار تساؤل:
هل يمكن أن يشكل الحوار منصة لإعادة تفسير أو تعديل النصوص المتعلقة بالمأموريات؟
من الناحية الدستورية، أي تعديل للمواد المحصنة (إن وُجدت ضمن باب التحصين الدستوري) يطرح إشكاليتين:
1. إشكالية الشرعية الشكلية: هل يسمح الدستور أصلاً بمراجعة تلك المواد؟
2. إشكالية الشرعية السياسية: هل سيُنظر إلى التعديل كاستجابة لإرادة وطنية عامة أم كترتيب ظرفي يخدم شخصاً بعينه؟
إذا طُرحت فكرة "الخروج الطوعي" للرئيس رغم مطالبة بعض أنصاره بمأمورية ثالثة، فقد يُقدَّم ذلك في الخطاب السياسي كدليل احترام للدستور، وفي الوقت نفسه قد يُستخدم لترميم الصورة داخلياً وخارجياً.
ثانياً: المادة: 93 وإشكالية المسؤولية الرئاسية
تنص المادة: 93 من الدستور الموريتاني على أن رئيس الجمهورية لا يكون مسؤولاً عن الأفعال التي يقوم بها في ممارسة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى، وتتم متابعته أمام محكمة العدل السامية وفق إجراءات خاصة.
هذه المادة تكرّس مبدأً معروفاً في الأنظمة الدستورية، وهو الحصانة الوظيفية للرئيس أثناء ممارسته لمهامه، حمايةً لاستقرار الدولة ومنع تسييس المتابعات القضائية.
غير أن النقاش يتركز عادة حول نقطتين:
1. مفهوم "الأفعال المرتبطة بممارسة المهام"
هل يشمل فقط القرارات السياسية؟ أم قد يمتد ليشمل أفعالاً ذات طابع إداري أو مالي؟
توضيح هذا المفهوم يمكن أن يوسّع أو يضيّق نطاق الحصانة.
2. مرحلة ما بعد انتهاء المأمورية
هل تبقى الحصانة مطلقة عن الأفعال المرتبطة بالوظيفة، أم يمكن متابعته بعد مغادرة المنصب عن أفعال لا تدخل في إطار المهام الدستورية؟
أي محاولة لـ"توضيح" المادة: 93 عبر الحوار قد تُفهم بطريقتين:
- إما باعتبارها سعياً لتأطير دستوري أدق يزيل الغموض.
- أو باعتبارها خطوة استباقية لتحصين الرئيس من أي مساءلة مستقبلية.
الفرق بين القراءتين يتوقف على طبيعة الصياغة المقترحة، وسياقها السياسي، ومدى شمولها أو تخصيصها.
ثالثاً: بين الإصلاح الدستوري والهندسة السياسية
الحوارات الوطنية غالباً ما تؤدي إلى:
- مراجعات دستورية،
- إعادة توزيع للصلاحيات،
- إصلاحات انتخابية،
- أو ترتيبات انتقال سياسي.
لكن عندما يتزامن الحوار مع نهاية مأمورية رئاسية، ومع نقاشات حول الحصانة أو المتابعة، يصبح التأويل السياسي حاضراً بقوة.
في العلوم السياسية، يُطلق أحياناً على مثل هذه الحالات مفهوم "الهندسة الدستورية الانتقالية"، أي استخدام التعديلات الدستورية لضمان انتقال آمن للسلطة، سواء عبر:
- ضمانات بعدم المتابعة،
- أو اتفاقات سياسية ضمنية،
- أو إعادة تعريف المسؤوليات.
غير أن نجاح مثل هذه المقاربات يعتمد على:
1. مدى توافقها مع النصوص الدستورية.
2. درجة قبولها شعبياً.
3. مستوى الشفافية في النقاش.
رابعاً: التحدي الأساسي — الثقة العامة
سواء كان الهدف من الحوار إصلاحياً بحتاً أو يتضمن حسابات سياسية مرتبطة بالمرحلة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في الثقة.
إذا شعر الرأي العام بأن:
- النصوص تُعدّل لخدمة ظرف سياسي مؤقت،
- أو أن الحصانات تُوسَّع لتقييد المساءلة،
فقد يؤدي ذلك إلى اهتزاز الثقة بالمؤسسات.
أما إذا جاء الحوار:
- ضمن إطار شفاف،
- وبمشاركة واسعة من الطيف السياسي،
- مع ضمانات واضحة لاستقلال القضاء،
فقد يُنظر إليه كخطوة نحو ترسيخ دولة القانون.
خاتمة
إن فرضية أن الحوار المزمع في موريتانيا يهدف إلى إيجاد مخرج سياسي للرئيس الحالي عبر تلميع الصورة أو تعديل المواد المحصنة أو توضيح المادة: 93، تبقى قراءة سياسية ممكنة ضمن تعدد القراءات.
غير أن الحسم في طبيعة هذا الحوار يتوقف على:
- مضمون التعديلات المقترحة فعلياً،
- آليات اعتمادها،
- ومدى احترامها لروح الدستور ومبدأ التداول الديمقراطي.
في النهاية، تبقى قوة أي نظام دستوري رهينة بقدرته على تحقيق توازن دقيق بين استقرار الدولة ومبدأ المساءلة، وبين الحصانة الوظيفية وسيادة القانون.

.gif)
















.png)