مختارات من تويتر

جاري التحميل ...

على مدار الساعة

رايتس ووتش: موريتانيا: عقبات إدارية تحرم الأطفال من الدراسة

29 مارس, 2018 - 09:14

الإجراءات الشاقة لضبط الحالة المدنية تُحبط التسجيل المدرسي

قالت "هيومن رايتس ووتش" اليوم إن العملية الوطنية لتسجيل الحالة المدنية للسكان في موريتانيا تمنع بعض الأطفال من ولوج المدارس العامة واجتياز الامتحانات الوطنية الإلزامية. على الحكومة تغيير سياساتها لضمان عدم حرمان أي طفل في سن الدراسة من الحق في التعليم بسبب الافتقار إلى وثائق الهوية الصحيحة.

 

لم يتمكن العديد من الموريتانيين من استكمال عملية التسجيل المدني البيومتري التي بدأت عام 2011. المواطنون والمُقيمون من غير المواطنين مُطالبون بتوفير مجموعة من الأوراق الرسمية، لكن العديد من الناس يفتقرون إلى الوثائق اللازمة، ويجدون عملية استبدالها شاقة. قالت عائلات لهيومن رايتس ووتش إن بعض المدارس رفضت التلاميذ الذين يفتقرون إلى ضبط الحالة المدنية، رغم أن ولوج المدارس إلزامي من سن 6 إلى 14. والذين وجدوا طريقة أخرى للتسجيل، غالبا بفضل تساهل مسؤول في إحدى المدارس، لا يمكنهم اجتياز الامتحانات الوطنية، وهي إلزامية للتخرج من المدرسة الابتدائية، والإعدادية، والثانوية.

 

قالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش: "على الحكومة الموريتانية ضمان ألا يضيع حق الطفل في التعليم بسبب إجراءات التسجيل المدني".

 

قابلت هيومن رايتس ووتش 15 عائلة في أحياء فقيرة نسبيا من نواكشوط الكبرى، عاصمة موريتانيا، أطفالها غير قادرين على الالتحاق بالمدارس العامة أو مُنعوا من إجراء الامتحانات بسبب عدم توفرهم على وثائق التسجيل المدني المطلوبة.

 

قدرت وزارة التعليم أن 80.4 بالمئة من الأطفال في سن التعليم الابتدائي التحقوا إما بالمدارس العامة أو الخاصة خلال العام الدراسي 2016 - 2017، لكن 35 بالمائة فقط من الأطفال الذين أنهوا السنة الأخيرة من دراستهم الابتدائية التحقوا بالمدرسة الإعدادية في ذلك العام.

 

يحصل المواطنون والمقيمون الذين أنهوا التقييد في السجل الوطني للسكان في إطار البرنامج، الذي بدأ في مايو / أيار 2011، على رقم وطني للتعريف، وهو مطلوب للحصول على مُعظم الخدمات الصحية والاجتماعية.

 

لتقييد طفل، على ولي أمره القانوني تقديم، كحد أدنى، شهادة ميلاد الطفل، ونسخة بطاقة التعريف الوطنية أو شهادة الوفاة للوالدين أو الكفيل، ونسخة من عقد زواج الوالدين. للحصول على شهادة الميلاد، ينبغي تسجيل المواليد الجُدد في أقرب مركز لسجل السكان خلال شهرين. بعد هذا الأجل، يجب على والديه طلب حكم المحكمة بدلا من شهادة الميلاد.

 

على البالغين والأطفال التقييد في مركز لسجل السكان يكون الأقرب إلى مكان ميلادهم، وهذا يعني أن على بعض البالغين أن يُسافروا لإكمال العملية. وتعتبر الإدارة شهادات الميلاد والزواج وغيرها من أدلة الحالة المدنية الصادرة قبل عام 1998، عندما تم إجراء آخر إحصاء وطني للسكان، غير صالحة في عملية التسجيل المدني الحالية.

 

رغم محاولة موريتانيا توحيد إجراءات التقييد، فقد تغيّرت منذ عام 2011. وجد أنثروبولوجي موريتاني، درس الإجراءات، أن القواعد المحلية التي تحكم تُنظم التقييد غالبا ما يتم نقلها شفويا. وقالت منظمات غير حكومية محلية تساعد المُتقدمين للتسجيل، قابلتها هيومن رايتس ووتش، إن القواعد لا تُطبق باستمرار في مراكز سجل السكان.

 

أفادت كل الأسر التي تمت مُقابلتها أنها بذلت مجهودا بحسن نية لتسجيل نفسها والحصول على وثائق هوية جديدة، لكنها فشلت في ذلك. وتشمل الأسباب فقدان شهادة ميلاد الطفل، أو عدم وجود شهادة زواج الوالدين، أو جنسية الأب الأجنبية، أو كون الطفل وُلد خارج الزواج. تمكنت بعض العائلات من العثور على مدارس خاصة أو قرآنية لتسجيل أطفالها دون وثائق الهوية المطلوبة، لكنها تعي أنها ستواجه عقبات عندما يحين وقت إجراء الامتحانات الوطنية الإلزامية.

 

جميع الأسر التي تمت مُقابلتها ذات إمكانيات متواضعة وتنتمي إما إلى الحراطين (عبيد سابقون أو أحفاد العبيد ناطقون بالحسانية) أو الأفارقة الموريتانيين. تُؤكد بعض الجماعات الموريتانية أن عملية تقييد السكان تمييزية في حق هذه الجماعات. تعرض النتائج التي توصلت إليها هيومن رايتس ووتش فقط تجارب من تمت مُقابلتهم.

 

ترى العديد من المنظمات غير الحكومية الموريتانية أن عملية تقييد السكان عائق رئيسي أمام التقدم الأكاديمي. قالت أميناتو إيلي، التي تُدير منظمة وطنية غير حكومية تمنح التعليم الابتدائي لأطفال مُنحدرين من العبيد: "عندما نُحاول مساعدة الأطفال على الانتقال إلى المدرسة الإعدادية، يُقال لنا إن على المرشحين أن يقدموا دليلا على تقييدهم في سجل السكان".

 

عام 2015، قدرت "اليونيسف" أن ثلث الأطفال الموريتانيين الذين تقل أعمارهم عن 5 سنوات غير مُسجلين في سجل السكان، وأن 40 بالمائة فقط من أطفال الأسر الفقيرة مُسجلون، مقارنة مع 85 بالمائة من أطفال الأسر الأكثر ثراء.

 

قالت ويتسن: "من الواضح أن عملية التقييد البيومتري في سجل السكان في موريتانيا تضع بعض الأطفال خارج الفصول الدراسية. على الحكومة ضمان ألا تستبعد المدارس العامة الأطفال على أساس تقييدهم في السجل الوطني للسكان".

 

عملية التقييد في السجل الوطني للسكان

موريتانيا طرف في معاهدات حقوق الإنسان الدولية التي تحمي حق الأطفال في التعليم. بموجب المادة 28 من "اتفاقية حقوق الطفل" التي وضعتها "الأمم المتحدة" (تم التصديق عليها عام 1991) والمادة 11 من "الميثاق الأفريقي لحقوق ورفاهية الطفل" (تم التصديق عليها عام 2005)، تعترف موريتانيا بحق الطفل في التعليم وحاجتها إلى "اتخاذ الإجراءات التي تشجع على الحضور المنتظم في المدارس، وتقليل معدلات الانقطاع".

 

عام 2016، اعتمدت وزارتا الداخلية والتعليم مُذكرة مُشتركة مُوجهة إلى جميع الولاة، تنص على أنه "لا يسمح بتسجيل أي تلميذ في مؤسسات التعليم العمومية أو الخصوصية إلا إذا كان قد أتم عملية التقييد بالطريقة التي ينص عليها القانون". كما نصت المذكرة أيضا على أنه "لا يسمح بالترشح للامتحانات والمسابقات الوطنية إلا لمن استكمل إجراءات تسجيله البيومتري ويتوفر على بطاقة التعريف الوطنية".

 

وصف أولياء الأمور الذين تمت مقابلتهم عملية التقييد في سجل السكان بأنها "مُربكة" ​​و"تستغرق وقتا طويلا"، وانتقدوا ما اعتبروه غياب التوجيه السليم من قبل الإدارة، وتكاليف الحصول على الوثائق العديدة المطلوبة. لم يُكشف عن الأسماء الكاملة لأولياء الأمور والأطفال حماية لخصوصيتهم.

 

عندما لا يستطيع الكبار التسجيل، لا يستطيع أطفالهم التسجيل. على البالغين الذين لا يتوفرون على الأوراق المطلوبة التقدم بطلب للحصول على وثائق بديلة مثل شهادات الميلاد أو الزواج في مركز التسجيل الأقرب إلى مكان ولادتهم.

 

قال مامادو آن، مدير "مركز استقبال المواطنين" (حيث يجري التسجيل) في مُقاطعة السبخة في نواكشوط، لـهيومن رايتس ووتش إن أي شخص لا يتوفر على الوثائق المطلوبة، يمكن لمجموعة من "أعيان" مدينته الأصلية أن يُثبتوا هويته وهوية والديه وحالتهما العائلية. بالنسبة للأشخاص الذين وُلدوا في مناطق نائية، فالسفر إلى أماكن ميلادهم يكون مُكلفا، وعسيرا، ويستغرق وقتا طويلا.

 

أفاد عالم أنثروبولوجيا موريتاني درس عملية التقييد في سجل السكان عام 2016 أن المُتقدمين يواجهون صعوبات ناتجة عن إغلاق العديد من مراكز التسجيل خارج العاصمة، بالإضافة إلى "عدم الكفاءة، والتغيب، ونقص التدريب، والمواقف القريبة من العنصرية" من جانب الموظفين. قال آن، مدير مركز السبخة، إن السلطات لم تُغلق هذه المراكز بل تقوم بتجديدها.

 

في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2017، أثارت هيومن رايتس ووتش مع وزير الداخلية، أحمدو ولد عبد الله، الصعوبات التي يُمكن أن يخلقها عدم التقييد في سجل السكان للحصول على التعليم. وقال ولد عبد الله إن الإدارة تُوفر حلولا بديلة عندما لا تستطيع العائلات الوفاء ببعض الشكليات، وأكد أنه "لم يتم منع أي طالب من اجتياز امتحان وطني بسبب الحاجة إلى التقييد في سجل السكان".

 

لكن النتائج التي توصلت إليها هيومن رايتس ووتش تتناقض مع هذا التأكيد. وبينما وجدت بعض العائلات حلولا بديلة، ذكر آخرون أن أطفالهم إما أُبعدوا عن المدارس أو مُنعوا من اجتياز الامتحانات الوطنية. قالت جميع العائلات إنها حاولت مرارا الحصول على وثائق تقييد أطفالها في سجل السكان.

 

الأطفال الذين حُرموا من القبول في المدارس العامة انتهى بهم المطاف إلى الانقطاع فعلا عن الدراسة ما لم يُقبلوا في مدرسة خاصة. قال 5 ممن تمت مقابلتهم إنهم أو أحد أفراد عائلتهم المباشرة انقطعوا عن المدارس العامة لأنهم لا يتوفرون على التقييد في سجل السكان.

 

في ديسمبر / كانون الأول، أرسلت هيومن رايتس ووتش أسئلة استنادا إلى النتائج الأولية التي توصلت إليها إلى وزيري الداخلية والتعليم. لم ترُد السلطات. ولم يتم الرد على طلب من هيومن رايتس ووتش للقاء هذين الوزيرين لمناقشة المسألة خلال زيارة لموريتانيا استغرقت 3 أسابيع في يناير / كانون الثاني وفبراير / شباط 2018.

 

لمعالجة نقص البيانات حول هذا الموضوع، يجري "ائتلاف المنظمات الموريتانية من أجل التعليم" دراسة كمية لتقييم العلاقة بين معدلات الالتحاق بالمدارس والتقييد في سجل السكان في ولايات الترارزة، وغيديماغا، والحوض الشرقي.

 

شهادات العائلات

مريما (47 عاما) تعيش في كوخ مع أطفالها العشرة في نواكشوط. وهي في الأصل من منطقة كوركول في الجنوب. انتقلت إلى نواكشوط عام 2016، وتفاقم فقرها عندما رحل أب أبنائها.

 

ولأنها تفتقر إلى شهادة الزواج، يُعتبر أطفالها مولودين خارج إطار الزواج (أبناء طبيعيين في مُقابل أبناء شرعيين). ورغم أنها وأب أولادها قد تم تسجيلهما ويحملان بطاقة تعريف وطنية صالحة، لم تتمكن مريما من تسجيل أي من أطفالها.

 

عندما يتزوج شخصان أمام موظف في البلدية، يحصلان على شهادة الزواج كدليل على زواجهما المدني. لكن يبقى من المعتاد أن يتزوج البعض فقط أمام رجل دين. يمكن للزوجين في وقت لاحق التقدم بطلب إلى المحكمة للحصول على شهادة زواج صالحة للإجراءات الإدارية.

 

قالت مريما: "عندما كنا نعيش في ولاية كوركول، حاولت تسجيل أطفالي في المدارس العامة، لكن رفضت طلباتهم لأنهم غير مقيدين في سجل السكان". لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد الخطوات الإجرائية التي اتخذتها في كوركول لتسجيل أطفالها.

 

عندما انتقلت العائلة إلى نواكشوط، رتبت "رابطة النساء معيلات الأسر"، وهي جمعية غير حكومية، لتسجيل أطفال مريما في مدرسة ابتدائية عامة محلية.

 

التقت هيومن رايتس ووتش أيضا خيرة واثنين من أطفالها، توراد (7 أعوام) وفاطماتا (10 أعوام)، في مركز للدعم في نواكشوط.

 

لدى خيرة 3 أطفال أعمارهم بين 10 سنوات و18 سنة. زوجها غائب، ولا تتوفر خيرة على شهادة زواجهما. بدون معلومات حالية عن زوجها، لا يستطيع أطفال خيرة التقييد في سجل السكان. ولكي تحصل على شهادة بديلة عن شهادة زواجها، عليها أن تطلب الحصول على حكم قضائي وأن تجد شاهدين مستعدين للإدلاء بشهادتهما بأنها تزوجت من أب أطفالها.

 

قالت: "حاولت عدة مرات تسجيل أولادي في المدرسة العامة القريبة. أوضح لي مدير المدرسة أن عليه اتباع التعليمات التالية: الأطفال دون أوراق لا يمكن تسجيلهم. طلب مني الحصول على سجل الحالة المدنية، وعندها فقط يمكن لأطفالي حضور الدروس".

 

قال مامادو أحمد صوخو، وهو أب لأربعة أبناء عمره 38 عاما ويعيش في ضواحي نواكشوط: "لا أحد من أطفالي [ثلاثة منهم في سن المدرسة] يذهب إلى المدرسة. في كل عام، أحاول تسجيلهم في المدارس العامة، لكن المدرسة تطلب أوراقهم. لقد قمت بتسجيلهم في المدارس القرآنية الخاصة بدلا من ذلك".

 

شارك صوخو في الإحصاء الوطني لعام 1998 من خلال التمثيلية الدبلوماسية لموريتانيا في ساحل العاج، حيث كان يعيش آنذاك. عام 2011، حاول تسجيل نفسه وأولاده، لكن مركز استقبال المواطنين الذي تقدم إليه ذكر أن رقم التعريف الوطني المطبوع على بطاقة هويته لم يُمكنهم من استخراج بيانات إحصاء عام 1998 - وهو وضع شائع، حسب ما قاله نشطاء موريتانيون لـهيومن رايتس ووتش. منذ ذلك الحين، طلبت منه السلطات تقديم "رقم الإحصاء" الخاص به لعام 1998، ولم يتمكن من العثور عليه. نتيجة لذلك، لا يستطيع صوخو تسجيل نفسه أو أولاده، ولا يزالون غير قادرين على الالتحاق بالمدارس العامة.

 

تمكن عدد قليل من أولياء الأمور الذين تمت مُقابلتهم من اتخاذ ترتيبات خاصة مع مُدرّس أو مُدير مدرسة ليتمكن بعض أطفالهم من ارتياد المدارس العامة. ومع ذلك، فقط اثنان منهم وجدوا طريقة لاجتياز أطفالهم الامتحان الوطني في نهاية المدرسة الابتدائية (كونكور). ولم يُسمح لأي من الأطفال الذين كانوا في عمر اجتياز الامتحان الوطني لنهاية المرحلة الإعدادية (بروفيه)، أو الامتحان الوطني المطلوب اجتيازه للقبول في المرحلة الجامعية (بكالوريا).

 

قال بابكر (18 عاما) إنه فقد وثائق هويته ولم يتمكن من إكمال عملية التقييد في سجل السكان. نجح ببكر في الالتحاق بالمدرسة الابتدائية، وحتى أنه كرر العام الأخير في مؤسسة خاصة ساعدته على اجتياز امتحان الشهادة الابتدائية المطلوب للتسجيل في المدرسة الإعدادية. مع ذلك، وبعد 4 سنوات، قال إنه اصطدم بالجدار لأنه بدون أوراق لا يُمكنه اجتياز امتحان شهادة التعليم الإعدادي، المطلوبة للتسجيل في المدرسة الثانوية.

 

قال بابكر: "قالوا لي، لا أوراق، لا امتحان، لذلك انسحبت من المدرسة وحاولت إيجاد حل".

 

ذهب بابكر بنفسه إلى مركز استقبال المواطنين حاملا وثائق هوية والدته، وشهادة وفاة والده، ونسخة من شهادة ميلاده. رفض المركز طلبه لأنه لا يتوفر على نسخة رسمية من شهادة ميلاده.

 

للحصول على شهادة ميلاد جديدة، يتعين على بابكر أن يملأ طلبا إداريا، وأن يُقدم إلى مركز الشرطة القريب من مكان إقامته إفادة مُوثقة تُثبت ضياع الوثيقة، ودفع رسوم. لم يكن بابكر على علم بهذه الخطوات الإجرائية. وأفاد أن موظفي البلدية رفضوا طلبه كما هو، وأنه لم يستطع استكمال التسجيل.

 

وقال: "منذ ذلك الحين، أعمل صياد سمك. لا يُدر الصيد الكثير من المال، لكننا نتدبر أمورنا. أحب كثيرا أن أعود إلى المدرسة".