مختارات من تويتر

جاري التحميل ...

على مدار الساعة

نص تقرير المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان الخاص بموريتانيا 2017

1 أبريل, 2018 - 00:33
مسؤولو المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان خلال المؤتمر الصحفي الذي أعلن عن التقرير فيه (الأخبار)

مدخل

تتأثر وضعية حقوق الإنسان والحريات العامة في موريتانيا بشكل كبير بطبيعة السلطة التنفيذية، إرادة وأداءً، دون غيرها من بقية السلطات. وتتسم الحالة العامة في موريتانيا بوجود نظام حكم شديد المركزية، في ظل قضاء ضعيف ومؤسسة تشريعية هامشية. ومن أبرز ما شهده العام 2017 في مجال نظام الحكم، قيام الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بتعديل دستوري لتوسيع صلاحياته، في أغسطس 2017. ألغى بموجبه الغرفة البرلمانية الوحيدة التي لا يمتلك رئيس الدولة صلاحية حلها دستوريا، مجلس الشيوخ. 

 

وقد استمرت موريتانيا في التراجع، للعام السادس على التوالي، على مؤشر الديموقراطية (EIU Democracy Index). بعد أن صُنّفت قبل ذلك لعدة سنوات إحدى الديموقراطيات الهجينة على مستوى العالم، حسب نفس المؤشر. فعلى الرغم من وجود برلمان يعمل من الناحية الشكلية إلا أنه ضعيفُ الأداء في علاقته بالسلطة التنفيذية. وهي نفس المشكلة التي تعاني منها المؤسسة القضائية. فلاتزال هناك اختلالات بنيوية، متعلقة بفصل السلطات وفعاليتها، لابد أن تُصحح أولا من أجل التأسيس لبيئة أكثر احتراما للحريات العامة ولرعاية حقوق الإنسان.

 

هذا التصنيف كأحد الدول الاستبدادية، رافقه تراجع على المؤشرات العالمية لحرية التعبير والصحافة، والشفافية، وجودة التعليم، وغيرها.. بل الأهم من ذلك، رافقه تراجع على مستوى الواقع: ضعفاً في السياسات المتبعة للقضاء على الرق ومخلفاته؛ واستمراراً للتعذيب والعنف البوليسي؛ وتزايداً في الاعتقالات التعسفية وعمالة الأطفال.. فالصورة القاتمة لوضعية موريتانيا على مستوى المؤشرات الدولية إنما هي انعكاس لهذا الواقع الحقوقي على الأرض. وقد سجل العام 2017 في موريتانيا أكبر عدد سنوي من حالات تدخل السلطة التنفيذية في مساطر القضاء، خلال النظام الحالي. مما جعل المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان يعتبره سنة الاستغلال السياسي للقضاء.

 

وعلى الرغم من أهمية توفير خدمات الحياة الضرورية كحق إنساني لكل المواطنين، لا يزال مئات الآلاف من الموريتانيين يعانون من نقص مياه الشرب وضعف التغطية الصحية وانهيار شبه شامل لمؤسسات التعليم، مع ما تتحدث عنه السلطات من تحسن على مستوى هذه الخدمات. هذا فيما استمر النظام الحاكم بإجراء بعض الإصلاحات النظرية للمدونة القانونية الموريتانية، لتتلائم مع متطلبات المنظومة الدولية.

 

ورغم الجهود المهمة التي تبذلها المنظمات الحقوقية من أجل نشر ثقافة المواطنة وحقوق الإنسان، بما فيها هذه المنظمة، فقد ظلت مقصِّرة لكثرة المظالم وتشعبها. ولذلك يجب العمل على تطوير خطط وآليات للعمل في هذا المجال، من قبل المنظمات الحقوقية الرئيسية، حتى نتمكن من  بلورة خطة وطنية للنهوض بحقوق الإنسان وإعداد ميثاق للمواطنة، يتيح دمج البعد الديموقراطي وحقوق الإنسان في آن واحد. وذلك في إطار التزام البلاد بتطبيق التوصية الصادرة عن الندوة الدولية حول حقوق الإنسان التي انعقدت بفيينا سنة 1993. ومن أجل إعادة الاعتبار إلى الدور الفعال الذي تؤديه حقوق الإنسان في التنمية الوطنية، وتحسين وضعية المجموعات الهشة بالبلاد.

 

ولمناقشة وضعية حقوق الإنسان في موريتانيا خلال عام 2017 سنتوقف عند المحاور التالية: 

 

على المستوى القانوني والمؤسساتي

القوانين والتشريعات المتعلقة بحقوق الإنسان

على الرغم من أن أزمة الحريات العامة وحقوق الإنسان في موريتانيا هي أزمة تطبيق القوانين على أرض الواقع، أكثر من كونها أزمة غياب للنص التشريعي. إلا أن وجود هذا السند القانوني -في جانبه الإيجابي- يعتبر داعما أساسيا لأي نضال حقوقي على الأرض، ومؤسِّساً مهما للعدالة المستقبلية المنشودة، متى ما وُجدت الإرادة الصادقة لتنفيذ القانون ووضع متطلبات حقوق الإنسان موضع التنفيذ. كما أن جانبه السلبي -هو الآخر- عاملٌ مساعدٌ على الحد من الحريات العامة وانتهاك حقوق الإنسان.

 

وقد تم خلال هذه السنة، في الجانب القانوني والتشريعي:

- مصادقة الحكومة الموريتانية على قانون يجرم التمييز في مارس 2017، أقره البرلمان في يناير 2018. ومن أبرز المآخذ على هذا القانون: إمكانية استخدامه للحد من حرية الرأي والتعبير. حيث تنص المادة (10) منه على أنه "يعاقب بالسجن من سنة إلى خمس سنوات كل من يشجع خطابا تحريضيا ضد المذهب الرسمي للجمهورية الإسلامية الموريتانية". وكذلك تشديده العقوبة على الصحفيين في قضايا النشر؛ بمضاعفة العقوبات الواردة فيه في حال تعلقها بالصحفيين، سواء منها المتعلقة بالسجن أو بالغرامة المالية، كما في المواد (12)، (13)، (21). كما صادق البرلمان في يونيو 2017 على مدونة لحماية حقوق الطفل، لتنسجم مع المواثيق والقوانين الدولية.

- استحداث جائزة وطنية لحقوق الإنسان، في 19 يناير 2017، قالت الحكومة بأنها ستمنح للمتميزين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان في البلد. ولكن، وعلى الرغم من مرور أكثر من عام على هذا الإعلان، إلا أن هذا القرار لم ينفذ بعد، ولم تُمنح هذه الجائزة لأي أحد حتى الآن. 

 

ولا تزال مشاريع قوانين أخرى تنتظر مصادقة البرلمان، مثل القانون المتعلق بالعنف القائم على النوع، الذي أجازه مجلس الشيخ في 22 دجمبر 2016، بينما لا تزال الجمعية الوطنية تؤجل المصادقة عليه أو على تعديل له حتى الآن. كما يدخل مشروع القانون رقم 073-2015، المتعلق بالجمعيات، عامه الثالث بعد أن أُجل نقاشه من قبل الجمعية الوطنية في دجمبر 2015. حيث لا تزال الجمعيات في موريتانيا تخضع للقانون 098-64، الصادر بتاريخ 09 يونيو 1964، الذي تم بطلان جل مقتضياته ولم يعد يلائم الوضع الحالي لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني. ويعتبر الوسيلة القانونية الأبرز لقمع الأفراد وحبسهم وحل الجمعيات على امتداد العقود الماضية. ومن ناحية أخرى، يبدو قانون الجمعيات المنتظر معيقاً لعمل الجمعيات في بعض جوانبه، بسبب كثرة القيود التي يضعها على عمل المنظمات غير الحكومية، واستحداثه لإمكانية حل الجمعيات بتهمة الأنشطة السياسية، وهو ما لم يكن موجوداً في القانون القديم.

 

المحاكم الخاصة بقضايا الاسترقاق

قامت السلطات الحاكمة بتفعيل قرارها لعام 2015 بإنشاء ثلاث محاكم جنائية خاصة بقضايا الاسترقاق، فافتتحت أولى تلك المحاكم رسمياً في مايو 2016، في ولاية الحوض الشرقي. لتُتبعها بعد ذلك باثنتين، في انواكشوط (24-06-2016)، وانواذيبو (24-11-2016). مع أن الموقف الرسمي، وعلى لسان رئيس الدولة، ينفي وجود العبودية في موريتانيا بشكل نهائي. ولا يزال دور هذه المحاكم هزيلاً، حيث أريد لها ذلك على ما يبدو، بسبب ضعف بنيتها المادية والبشرية. فهي لا تمتلك قضاة تحقيق ولا شرطة مختصة، على غرار نظيراتها المعنية بقضايا القصر والفساد والإرهاب والمخدرات مثلا. في ظل ميزانيات عمل زهيدة، وطاقم قضائي لم يخضع لأي تكوين في مجال هذا النوع من القضايا الجنائية.

 

وكنا، في المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، قد وجهنا نداءً إلى السلطات الحاكمة منذ حوالي ثلاث سنوات، في مايو 2015، للمطالبة بجهاز أمني خاص بتعقب ممارسي هذه الجريمة. وقلنا إن الدولة بامتلاكها لمصادر المعلومات، وبتعاون أجهزتها الإدارية والأمنية يمكنها، بوجود هذا الجهاز، أن تُسرع من القضاء على هذه الظاهرة بشكل أكثر فعالية. وهو النداء الذي أكدته مشكورة هذا العام اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان (رسمية)، فقالت في تقريرها الأخير 2017:"وستكون المحاكم الجنائية المتخصصة في محاربة العبودية أكثر فعالية إذا ما قيم بحملات للتوعية والتحسيس وتم إنشاء شرطة مختصة فقط بملاحقة الممارسات الاسترقاقية".

 

الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب

تم إنشاء الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب بموجب القانون 0034 /2015 الصادر بتاريخ 10 سبتمبر 2015، تطبيقا للاتفاقية الدولية للوقاية من التعذيب، التي صادقت عليها موريتانيا سنة 2012. وقد قامت السلطات الحاكمة بتعيين أعضائها بموجب مرسوم صادر في 20 إبريل 2016. وحسب الفقرة (3) من المادة (3) من القانون المنشئ لهذه الآلية فإنها تختص ب: "تلقي شكاوى  ومزاعم التعذيب وغيره من أنواع العقوبة أو المعاملات القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة التي تقع في أماكن الاحتجاز، وتتولى التحقيق في هذه الحالات وإحالتها إلى السلطات الإدارية والقضائية المختصة". ومع ذلك فقد تقدم عدة مواطنين بشكايات من التعذيب والإهانة من قبل قوات الأمن والشرطة، مصحوبة بشهادات طبية توثق تعرضهم لهذه الجريمة، ونوقش انتشار تلك الممارسات تحت قبة البرلمان، إلا أن السلطات الرسمية تجاهلت كل ذلك حتى الآن. ولم تقم الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب حتى نهاية العام 2017 بالتوصية بفتح أي تحقيق بخصوص الاستمرار في ممارسة هذه الجريمة.ولم تقم بذلك السلطات القضائية، على الرغم من أن  المادة (9) من الفصل الثالث من قانون مناهضة التعذيب 033-2015 تقول إنه: "تقوم السلطات المختصة فورا ببحث حيادي كلما كانت هناك أسباب معقولة تفيد بأن عمل تعذيب أو سوء معاملة ارتُكب أو تمت محاولة ارتكابه، وذلك حتى في غياب شكاية". 

 

ومع أن من أبرز اختصاصات الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب أن تقوم  بزيارات منتظمة إلى كافة الأماكن التي يوجد، أو يمكن أن يوجد، بها أشخاص محرومون من الحرية، بغية الاطلاع على ظروف المعتقلين والتأكد من أنهم لم يتعرضوا للتعذيب، وغيره من أنواع العقوبة أو المعاملات القاسية أو اللا إنسانسة، في استقصاءات يتسم أصحابها بالموضوعية والاستقلالية. إلا أن هذا الهدف لا يبدو ذا جدوائية في ظل رضا هذه المؤسسة المسبق عن حال السجون ومراكز الحرمان من الحرية، حتى قبل إكمال زايارة جميعها حتى الآن. حيث علقت في بيان لها في 31 مايو 2017، على تدهور الحالة الإنسانية لمجموعة من السجناء السلفيين المحكوم عليهم بالإعدام، بسبب سوء الظروف الصحية والعيشية والإضراب عن الطعام، بالقول: "تعتبر بلادنا رائدة بخصوص ضمان حقوق السجناء عموما، بما فيها السجناء الخاضعون لمحكوميات مؤبدة أو لأحكام بالإعدام لم تنفذ". وهكذا جاءت جميع بيانات هذه المؤسسة، حتى نهاية عام 2017، لتوضيح وجهة النظر الرسمية ولتبرئتها من التقصير في حق نزلاء هذه المنشآت. في الوقت الذي اعترفت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان (رسمية) في تقريرها 2014-2015 ب "اكتظاظ السجون وقذارتها". فقد أصدرت الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب بيانيْن، في 23 أغسطس 2017 و 27 أغسطس 2017، للقول بأن السيناتور محمد ولد غده لم يتعرض "لأي تعذيب أو أية ممارسة غير لائقة".

 

وكالة التضامن

أُنشئت الوكالة الوطنية التضامن لمحاربة الرق وللدمج ولمكافحة الفقر بموجب المرسوم رقم 048-2013، الصادر بتاريخ 28 مارس 2013. كجهاز حكومي يُعهد إليه العمل على محاربة آثار الاسترقاق ومكافحة الفقر ودمج اللاجئين. وبحسب المتابعين لوضعية مشاريع هذه المؤسسة، فإن جمع كل هذه المجالات المتشعبة تحت إدارة واحدة أثر سلبا على الأداء الفعلي والاستجابة الواقعية لمجمل التحديات التي يعاني منها السكان في مناطق البلاد المختلفة. مما يعني أن ذلك كان يتطلب وجود مؤسسات متخصصة في كل من المجالات الثلاثة المذكورة. كما يؤخد على هذه الوكالة إسناد المهام إلى مَن هم مِن خارج الأطر الاجتماعية المستهدفة. وما يترتب عليه من عدم استيعاب لكل تعقيدات المشاكل المطروحة، وعدم جوهرية الحلول والمقاربات. ومع ذلك فإن هذه المؤسسة، وحسب حصيلة عملها التي قدمت للبرلمان في 10 يناير 2017، قامت بتشخيص مقبول لإشكالية الفقر، وبلورت خطة لاستهداف عشرات آلاف السكان في مناطق مختلفة. ويعتبر مشروعها "السجل الاجتماعي الموحد للأسر الفقيرة" إضافة مهمة ستمكن من إطلاق برنامج التحويلات النقدية للأسر التي سيتم فرزها لوصول مساعدات عينية إليها. كما أنها أسست أيضا، وإن بشكل غير كاف، مدارس وبنت مستشفيات، وساهمت في العمل الحكومي في ما يخص مكافحة الفقر بشكل أفضل نسبيا مما كان حاصلا من قبل.

 

غير أن هذه الخدمات المقدمة لحد الساعة تجري بشكل متباطئ وتتسم بالبيروقراطية التي تطبع الأداء الحكومي العام. فضلا عن تبنيها لأسلوب انتقائي يخضع لتوظيف الولاء وتحكم الوجهاء، ولا تعتمد معايير دقيقة لفرز المواطنين الأكثر فقرا. كما أن مقاربتها لا تندرج ضمن خطة الحقوق والمواطنة؛ فما يُقدَّم للساكنة من قبل هذه الوكالة تحوطه سياقات بعيدة كل البعد عن شعور المواطنين في المناطق المستهدفة بأنهم يحصلون على حقوقهم طبقا لعمل حكومتهم. بل يشعرون بأن ما يصلهم هو مِنن رئاسية وحكومية تُعطى لهم بموجب ولائهم للسلطة وشخصياتها. أكثر من كونهم يحصلون على حقوقهم المقررة لهم بموجب القانون الوطني والدولي لحقوق الإنسان. فلا تزال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالنسبة للحكومة وللسكان المحليين يعتريها الكثير من الغموض وآليات الالتفاف والتوظيف السياسي.

 

وقد ظلت هناك على الدوام فجوة كبيرة بين ما تنص عليه القوانين وما تقوم الحكومة بعمله على أرض الواقع. وهذا ما لاحظه مقرر الأمم المتحدة الخاص بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، فيليب ألستون، من خلال زيارته لموريتانيا في مايو 2016، بدعوة من نظامها الحاكم. فقد قال في تقريره بأن هناك غيابا للتطبيقات القانونية لما ورد النص عليه في الدستور من حقوق اقتصادية واجتماعية، وخلُص إلى أنه عوض أن تقوم السياسات الوطنية للبلاد على الحقوق، يبدو أنها تركز أكثر على منطق الأعمال الخيرية المقدمة لمواطنيها. وقلل آلستون من أهمية "إستراتجية النمو المتسارع والرفاه والمشترك" قائلا: "في حين رسم وزير الاقتصاد والمالية رؤية إنسانية مثيرة للإعجاب، لا تزال هناك فجوة هائلة بين هذه الرؤية والحقائق على أرض الواقع .. وستواصل استراتجيات على غرار إستراتجية النمو المتسارع، وهي الآن قيد العمل، إحداث فارق ضئيل إلى أن يتم الاعتراف بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية على أنها حقوق إنسانية، وحتى يتم استهداف الأشخاص الأفقر من بين الأشخاص القابعين في الفقر المدقع".       

 

اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان

أُنشئت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان سنة 2010، بالقانون 031-2010، على أساس مبادئ باريس، وتمت دسترتها بموجب القانون الدستوري 015-2012. ولكنها لا تستخدم كل الصلاحيات المخولة لها قانونياً، لمتابعة ورصد الانتهاكات المستمرة في مجال الحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية. ولم يسجل لها موقف قوي وحازم، لاسيما في مواجهة الاعتداءات والاعتقالات والمحاكمات المسيّسة، التي ما انفك المعارضون وناشطو حقوق الإنسان يتعرضون لها.

 

بل ويلاحَظ عليها في أحيان كثيرة التماهي مع خطاب السلطة وعدم جدية تعاطيها مع الساحة الحقوقية. وضعف التفاعل مع أصحاب المظالم والانتهاكات المسجلة في المجال الحقوقي، خصوصا قضايا التعذيب والرق والإرث الإنساني. ومع أن اللجنة شُكلت في الأصل، كالتزام بمبادئ باريس، لتكون جهازا شبه مستقل عن الحكومة، رغم أنها حكومية النشأة والتمويل، وهي مطالبة بإصدار التقارير الموضوعية لإطلاع السلطة على مواطن الخلل والانحراف في مجال حقوق الإنسان، إلا أنها لم تضطلع بدورها كما ينبغي حتى الآن، ولا تزال شبه غائبة على مستوى المناطق الداخلية.

 

وقد اعتبرت منظمة الكرامة السويسرية في تقريرها الموازي، بالتعاون مع تسع منظمات موريتانية غير حكومية، في إطار تقييم اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان من قبل اللجنة الفرعية المعنية بالاعتماد التابعة للتحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، في جنيف في نوفمبر 2016 (ودعمته بتقرير آخر، أكتوبر 2017)، أن هذه اللجنة لا تمتثل تماماً لمبادئ باريس، ولا تقوم بالتالي، بالدور المتوقع منها كمؤسسة مصنّفة في الفئة (أ) منذ 2011. حيث رأت منظمة الكرامة أن استقلالية اللجنة عن السلطة التنفيذية لاتزال غير كافية. وأن "عملية تعيين أعضاء اللجنة تفتقر إلى الشفافية وتبقى ‘الكلمة الفصل‘ في نهاية المطاف فيه للسلطة التنفيذية".

 

وهي النتيجة التي خلصت إليها اللجنة الفرعية المعنية بالاعتماد (SCA)، بعد استعراضها، في تشرين الثاني / نوفمبر 2017، للجنة الوطنية لحقوق الإنسان في موريتانيا. حيث أوصت إثر ذلك بتصنيفها في الفئة "ب" بدل الفئة "أ"، لعدم امتثالها لمبادئ باريس. وقد بررت اللجنة الفرعية المعنية بالاعتماد في تقريرها الصادر في 26 يناير / كانون الثاني 2018 تلك التوصية بوجود خروقات واختلالات كثيرة، منها غياب الشفافية في اختيار أعضاء المؤسسة وعدم استقلاليتها عن السلطة التنفيذية.

 

الحريات والحقوق الفردية

 التعذيب والمعاملات غير الإنسانية

أقرت الحكومة الموريتانية، في 09 سبتمبر 2015، القانون 033-2015 الذي يهدف إلى مناهضة التعذيب. وقد ألغى وحل محل القانون 011-2013، القاضي بمعاقبة جرائم الاسترقاق والتعذيب بوصفها جرائم ضد الإنسانية. كما تبنت معه في نفس الوقت قانوناً ينشئ "آلية وطنية للوقاية من التعذيب"، وفاءً بالتزاماتها بموجب البروتوكول الاختياري للاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب. ويقضي القانون المنشئ لهذه الآلية أن تراقب بشكل أساسي الأماكن التي تعتبر مظنة لممارسة التعذيب، كمراكز الاحتجاز والسجون ومراكز إعادة تأهيل الأطفال المتنازعين مع القانون ونقاط الحجز الحدودية.. إلا أن التعذيب لا يزال ممارساً بشكل متكرر، على امتداد التراب الوطني. وقد قال عضو الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب نفسها بوبكر ولد مسعود، في حديث تلفزيوني على قناة الموريتانية (رسمية)، 19 مارس 2017، في رد على سؤال عن وجود التعذيب في موريتانيا: "نعم، التعذيب لا يزال موجوداً كما كان لم يتغير فيه أي شيء. في معتقلات مراكز الدرك ومفوضيات الشرطة وغيرها.. وأنا بنفسي مُنعت من الدخول لبعض مفوضيات الشرطة للتحقق من دعاوى تعذيب".

 

وقد تقدم عدة مواطنين بشكايات من التعذيب والإهانة من قبل قوات الأمن والشرطة، مصحوبة بشهادات طبية توثق تعرضهم لهذه الجريمة، ونوقش انتشار تلك الممارسات تحت قبة البرلمان، إلا أن السلطات الرسمية تجاهلت كل ذلك حتى الآن. ولم تقم الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب حتى نهاية العام 2017 بالتوصية بفتح أي تحقيق بخصوص الاستمرار في ممارسة هذه الجريمة.ولم تقم بذلك السلطات القضائية، على الرغم من أن  المادة (9) من الفصل الثالث من قانون مناهضة التعذيب 033-2015 تقول إنه: "تقوم السلطات المختصة فورا ببحث حيادي كلما كانت هناك أسباب معقولة تفيد بأن عمل تعذيب أو سوء معاملة ارتكب أو تمت محاولة ارتكابه، وذلك حتى في غياب شكاية".

 

وعلى خلفية أحداث "كزرت ولد بوعماتو"، 29 يونيو 2016، تم احتجاز المعتقلين بمعزل عن العالم الخارجي، ومنعوا من الاتصال بذويهم ومحاميهم لمدة تقارب الأسبوعين. وقد وَثقوا شهادات عن أصناف التعذيب التي تعرضوا لها، من ضرب وإهانة ومنع من تناول الإفطار في الوقت المناسب أيام رمضان. وتحدثوا عن أسماء بعض رجال الأمن الذين قاموا بذلك. وتوجد لدى السيدين عبد الله آبو جوب و جمال ولد صمبَ (من حركة إيرا) تقارير طبية توثق تعرضهم للتعذيب على خلفية نفس الأحداث، حسب تقرير للجزيرة نت 25 فبرايز 2017. وقد تم إبلاغ السلطات الحاكمة والآلية الوطنية للوقاية من التعذيب عدة مرات بدعاوى التعذيب هذه، ولكن بدون أية ردة فعل من الآلية، أو من إدارة السجون، أو من النيابة العامة.

 

وفي 12 مايو 2017، أوقفت السلطات الموريتانية السيناتور السابق محمد ولد غده، عقب تعرضه لحادث سير توفي خلاله شخصان وجُرح آخر. وهو التوقيف الذي تم فيه انتهاك حصانة السيد ولد غده وخصوصيته. مع أن الدستور الموريتاني في مادته (13) يقول: "تضمن الدولة شرف المواطن وحياته الخاصة وحرمة شخصه ومسكنه ومراسلاته".

 

وعلى الرغم من أن النيابة العامة في موريتانيا أصدرت بيانا في 18 مايو 2017 قالت فيه بأن السيناتور لم يتعرض لأي إجراء غير قانوني ولم تُفتش أغراضه الشخصية. إلا أنه تمت بالفعل مصادرة هواتف السيد ولد غده ومذكرة كانت بحوزته منذ يوم الحادث، ورفضت النيابة العامة لولاية اترارزه تسليمها له إلى الآن، حتى بعد حكم المحكمة الجزائية في انواكشوط 21 – 06 – 2017 بتسليمها له. وهو الحكم الذي أكدت به أمراً كانت محكمة روصو قد أصدرته حول هذا الموضوع.

 

وفي إطار التعذيب، سجل المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان انتشار العديد من أنماط الانتهاكات القانونية الجسدية والمعنوية. من بينها على الخصوص: الضرب والتعليق وسجن الحقوقيين والسياسيين مع عتاة مجرمي الحق العام ليتولوا التعذيب والإهانة والابتزاز نيابة عن عناصر الأمن، وعلى مرآى ومسمع من حرس السجون. ويقول الناشطون الحقوقيون والسياسيون إنهم يتعرضون لإهدار الكرامة بهذه الصيغة التي يتولى فيها سجناء الحق العام من المجرمين الخطرين وظيفة تعذيب النزلاء الجدد وفقا لصيغ متفاهم عليها ضمنيا بين رجال الأمن ومجرمي الحق العام. وهو ما جعلنا في المرصد نؤكد في مراحل سابقة من متابعتنا لهذا الملف أن التعذيب  داخل المعتقلات والسجون الموريتانية استحال إلى ثقافة راسخة للأجهزة الأمنية عبر عقود، ومن المستحيل أن تتخلص منه إلا بجهود مكثفة. ولا تزال الإهانة اللفظية والجسدية للمحتجزين داخل المخافر مستمرة؛ حيث تعود أفراد الشرطة والدرك على العنف، الذي يصل أحيانا حد التنكيل بالسجناء والتحرش بهم بأساليب مختلفة.

 

وقد اتهم عدد من نزلاء السجن المركزي بانواكشوط حراس السجن بسوء المعاملة. من بينهم السجين سيدي محمد ولد هيدالة الذي شكى في شريط فيديو، نشرته وكالة الأخبار المستقلة، من اقتحام غرفته من قبل حراس السجن 28 – 03 – 2017 والقيام بتكسير أغراضه وأخذ بعضها، على حد قوله. فيما اعتبره استهدافا له ولإخوته المسجونين معه. وقد صرحت السلطات الموريتانية عقب هذه الحادثة، 29 – 03 – 2017، بأن القضاء فتح تحقيقا حول تهم التعذيب في السجن المركزي بانواكشوط، أسندت مهمته إلى الدرك، دون أن تقوم بنشر نتائج ذلك التحقيق أو توجه تهمة التعذيب أو سوء المعاملة إلى أي من الحراس. وكانت احتجاجات عنيفة قد اندلعت في جناح القصر داخل السجن المدني في 31 أغسطس 2016، تم فيها احراق بعض الأمتعة واستخدمت في إخمادها سيارات الإطفاء والقنابل المدمعة. وهي أحداث قال السجناء إنهم قاموا بها احتجاجا على "سوء المعاملة والتعذيب".

 

 وفي مارس 2017 قدم مقرر الأمم المتحدة الخاص بقضايا التعذيب، اخوان أرنست منديز Juan E. Méndez، تقريراً للمنظمة الدولية، حول زيارته لموريتانيا في 26 يناير 2016، والتي استمرت عشرة أيام واطلع خلالها ميدانياعلى وضعية السجون ونزلائها. وانتقد على وجه الخصوص: "ممارسة الأمن الموريتاني لأنواع فظيعة من التعذيب المفرط في القسوة"، وهي الممارسة التي نقل منديز شكاوى منها، عن ضحايا التعذيب وعن المنظمات الحقوقية المحلية. وأوضح المفوض في تقريره أن ممارسة التعذيب تجري في موريتانيا في حالات متعددة، من بينها: "فترات الاعتقال وأثناء الحبس الاحتياطي، وبخاصة أثناء التحقيقات في قضايا الإرهاب والأمن". وأكد حصوله على "شهادات عديدة وذات مصداقية تؤكد ممارسة بشعة للتعذيب والقيام بمعاملات سيئة غير إنسانية خلال فترات الاعتقال وفي بداية الاستجوابات".

 

ووجه اخوان منديز في تقريره اتهامات مباشرة لعناصر "الشرطة والدرك الذين ما زالوا يتبنون في تعاملهم مع المعتقلين أساليب موروثة عن العهد العسكري حيث ينتشر التعذيب. كما أنهم لا يتوفرون على القدرات الفنية لإجراء تحقيقات جادة". مضيفاً "أن عناصر الشرطة والدرك تلجأ أحياناً لاستخدام أساليب فظيعة لانتزاع اعترافات من المعتقلين". واعتبر "أن تعامل قوات الأمن مع المعتقلين يخضع لاعتبارات كثيرة بينها وسطهم الاجتماعي والاقتصادي وأصولهم العرقية". وقال "إن تحليلات مخبرية أكدت تعرض ضحايا التعذيب لصدمات بدنية وتعرض أجساد بعضهم لحروق بسبب إطفاء السجائر على أجسامهم وبسبب الضرب بالهراوات. كما أثبتت قيام ممارسي التعذيب بصفع المعتقلين ورفسهم بالأحذية، وتعليقهم في وضعيات مؤلمة للغاية، لساعات طويلة. كما أن المعتقلين يتعرضون أحياناً للتهديد والسب والشتم".

 

العنف البوليسي

أما في ما يخص العنف البوليسي تجاه الاحتجاجات السلمية والإضرابات العمالية، فقد استمر على امتداد هذا العام. وتتولى القيام به بشكل بارز أجهزة الشرطة، وخصوصا جهاز شرطة مكافحة الشغب. وهو وحدة مدربة لهذا الغرض تأسست منتصف التسعينيات بهدف تعزيز قدرات الشرطة على مواجهة الاحتجاجات الشعبية حيث كان نظام الرئيس ولد الطائع في تلك الحقبة يعتمد في القمع على قوات الدرك والحرس الوطني بشكل أساسي. غير أن هذا الجهاز أصبح يتولى باستمرار قمع مختلف مظاهر الحراك الاحتجاجي، ويفرط في استخدام القوة بشكل غير مبرر في كثير من الأحيان. وقد سجل المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، في تقرير منفصل، عدداً كبيراً من حالات القمع والعنف البوليسي خلال عام 2017، يكتفي منه هنا بإيراد الأمثلة التالية:

- في 16 إبريل 2017، اعترضت قوات الشرطة مسيرة سلمية قرب ملتقى طرق BMD بالعاصمة انواكشوط، كان أصحابها يعتزمون الاتجاه إلى القصر الرئاسي لتسليم عريضة مطلبية، على حد قولهم، حيث منعتهم من التقدم، واعتقلت 10 منهم بتهمة "التجمع غير المرخص والاعتداء على قوات الأمن". وهم: أموو كان، ماريتو بام،  دمبا سيلي با، سيدو الحسن سار، با عمر، بيرنتي كامارا، اوسوفو كامارا، دمبا كامارا، عبد الله هارون لي، وعيسى مامادو ديالو. وقد قالت محامية المعتقلين، الناشطة الحقوقية فاتيماتا امباي، أنهم تعرضوا للعنف والإهانة، وأن عدداً منهم اعتقالوا في بيوتهم.

 

- في 10 – 05 – 2017، وبالتزامن مع العديد من احتجاجات المدرسين داخل بعض الولايات الداخلية (لم تسلم بدورها من القمع) فرقت الشرطة الموريتانية بالقوة وقفة احتجاجية سلمية نظتمها النقابة المستقلة لأساتذة التعليم الثانوي داخل مباني وزارة التهذيب بالعاصمة نواكشوط. واستخدمت الشرطة الهراوات والعصي لإخراج الأساتذة من مباني الوزارة، وتفريقهم، بعد وقت وجيز من بدء وقفتهم الاحتجاجية المطالبة بصرف علاوات الأساتذة المتأخرة.

 

- في 26 يوليو 2017 قامت قوات الشرطة بمنع تنظيم مسيرة راجلة في مقاطعة السبخة، ل "منتدى المعارضة الديموقراطية". وتعرض عدد من القادة المعارضين خلالها للضرب بالسياط والركل بالأرجل والأيدي من قبل قوات الأمن. وسقط رئيس حزب العهد الديمقراطي "عادل"، يحيى ولد أحمد الوقف، جراء ضرب الشرطة وتدافع الجمهور. كما جُرح عدد من المتظاهرين. وكان من بين المصابين كل من رئيس حزب "تواصل" محمد جميل ولد منصور ونائب رئيس حزب التكتل محمد محمود ولد أمات. كما أغمي على السيناتور محمد ولد غده، الذي أصيب في مظاهرة في مقاطعة عرفات في نفس اليوم. "حيث باغتت قوات الأمن والشرطة الوقفة الاحتجاجية السلمية، على الرغم من ترخيصها، وأمطرت المتظاهرين بوابل من مسيلات الدموع أدت إلى حالات إغماء واختناق عديدة. ثم انهالت بالضرب والاعتداء على عدد من قيادات المنتدى ومناضليه"، "كما تعرض بعض الصحفيين للضرب والمنع من التغطية والمصادرة"، حسب بيان للمرصد الموريتاني لحقوق الإنسان يومها، طالب فيه بمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وقال بأنه: من دون محاسبة المسؤولين عن جرائم العنف البوليسي، "ستظل كرامة المواطن مهدورة، وحقوقه منتهكَة، في الشوارع والأسواق وميادين الاحتجاج بشكل يومي".

 

- في 31 يوليو 2017، قال القيادي في حزب تكتل القوى الديمقراطية سيديا ولد سليمان ولد مسعود، خلال مؤتمر صحفي عقده في مقر حزبه، وبحضور رئيس الحزب أحمد ولد داداه، إن سيارة من نوع "تويوتا – آفنسيس" يستقلها عنصران من الشرطة أوقفته يوم 27 يوليو 2017، الساعة 11:30، على الطريق المعروف شعبيا بـ"طريق عزيز"، وطلبت منه تسليم هواتفه، وأن سيارة أخرى من نفس النوع لحقت بهم بعد وقت وجيز، وبها أربع عناصر. مردفا بأنهم أمروه بالسير بين السيارتين، قبل أن يوقفوه بعد حوالي 200 متر، وينقلوه إلى إحدى سيارات الشرطة، ويتولى أحد أفراد الشرطة قيادة سيارته الشخصية. وقاموا بتعصيب عينيه. وأخذوه إلى مكان مجهول، بعد أكثر من ساعة ونصف من السير بسرعة كبيرة. قائلا: "لا يمكنني معرفة ما إذا كانوا أخذوني إلى نواكشوط، أم إلى مكان آخر". وأشار ولد سليمان إلى أنه وجد نفسه في مكان لا يعرف فيه الليل من النهار، حيث بدأت التحقيقات معه حول خطة حزب التكتل لإفشال التعديلات الدستورية، قبل أن يعيدوه إلى نفس المكان، ويوقفوا سيارته بنفس الطريقة التي غادرها بها، ويتركوا مفاتيحها فيها، مضيفا أنه فقد مبلغ 2.6 مليون أوقية كانت داخل السيارة.

 

- تعرض العديد من الاحتجاجات السلمية المتعلقة بقضية ولد امخيطير لقمع عنيف من قبل قوات الشرطة، وخاصة خلال النصف الأخير من هذا العام. وفي 10 نوفمبر 2017، وأثناء فض محتجين قرب المسجد السعودي، قام عناصر من الأمن بتجريد أحد المتظاهرين، محمد يحيى ولد أحمد خليفه، من ملابسه. وقد تم توثيق ذلك من خلال شريط فيديو، ونوقش داخل البرلمان، واعترفت به السلطات الحاكمة، إلا أنها لم تجر فيه أي تحيقيق أو مساءلة. بل قلل من شأنه وزير الاقتصاد والمالية المختار ولد اجاي خلال نقاش داخل البرلمان، وقال بأنه ليست له قيمة تذكر "ماه أكبر من كَـدوا".

 

- وتزامنا مع ذكرى الاستقلال، 28 نوفمبر 2017، قامت قوات الشرطة والأمن في مدينة كيهيدي، عاصمة ولاية غورغول، بقمع مظاهرة سلمية لأهالي ضحايا الإرث الإنساني، رفعوا فيها لافتات تدعو للتحقيق في "عمليات القتل 1989-1991"، وتطالب ب"العدالة، وجبر الضرر". واعتقلت منهم 5 أشخاص (3 أرامل ويتيمين)، من ذوي ضحايا أحداث "1989-1991". هم: بوبكر غي، وموسى صار، ميمونة ألفا سي، عيشاتا آلاسان جالو، وسالاماتا دمبا. وحسب وكالة الأخبار المستقلة فإن اليتيمين، وهما بوبكر غي وموسى صار، تعرضا "للتعذيب بوحشية" لدى اعتقالهما.

 

يذكر أنه في سنة 2016، وحسب نقابة الحمالة، أدى قمع تظاهرات حمالة الميناء في 11 ابريل 2016 لوفاة العامل المختار ولد سيدي ولد احويمني، من مواليد عام 1945 في مدينة ألاك. وقالت الكونفدرالية العامة لعمال موريتانيا بأن ولد احويمني "توفي جراء معاناته من تبعات القمع الوحشي الذي تعرض له مع رفاقه المضربين، حيث أُغمي عليه في غمرة إطلاق قوات الأمن لوابل من مسيلات الدموع".

 

وتفاقمت خلال السنوات الأخيرة الوفيات بسبب القمع البوليسي جراء تسارع الاحتجاجات المطلبية وتنوعها. حيث تزايدت المطالبة بتوفير المياه الصالحة للشرب وتحسين وضعية الطرق المتهالكة أو المنعدمة أحيانا، فضلا عن الاحتجاجات السياسية والحقوقية والاجتماعية. كما أدى ضعف فاعلية البيرواقراطية الإدارية للحكومة وطبيعة نظام الحكم شديدة المركزية إلى جعل أصحاب مئات القضايا يتجمهرون أمام بوابة القصر الرئاسي للمطالبة بحل مشاكلهم واستقبال رسائلهم وتظلماتهم، بشكل يومي. وكثيرا ما يتم قمع هذه الوقفات الاحتجاجية بحجة أنها وقفات غير مرخصة. مع أن الترخيص هو الآخر طرأت عليه تعقيدات من حيث الإجراءات، جعلت مئات المبادرات تتجاوزه لتعقّد الإجراءات الإدارية المشروطة من قبل السلطات الحاكمة.

 

وتمارس الأجهزة البوليسية قمعا عنيفاً لبعض التظاهرات دون محاسبة أو رقابة قانونية. ونادرا ما يتقدم المواطنون الذين يتم قمعهم والتنكيل بهم بشكاوى من الأجهزة الأمنية لعدم جدوائية ذلك، حسب المتابعين. وهو ما جعل الظاهرة تتفاقم بشكل مستمر لغياب الرقيب القانوني الصارم المتمثل في الجهاز القضائي المستقل.

 

وضعية الشرطة وجهاز الأمن

يُعَدّ ما يمكن اعتباره، حسب المختصين، ضعفاً في رواتب منتسبي الشرطة والدرك، ونقصا في تدريبهم وتجهيزهم، من أسباب بعض الانتهاكات والاختلالات الحقوقية المرتبطة بهذه الأجهزة. حيث يؤدي إلى انتشار الفساد والاستغلال السيء للسلطة والإفلات من العقاب. فلا يزال ينتشر طلب الرشوة من قبل قوات الشرطة والدرك في نقاط التفتيش ليلا في انواكشوط وخلال التنقل بين المدن. و تؤكد التقارير والمعلومات حدوث الكثير من الاعتقالات التعسفية للأشخاص بسبب ذلك، خارج إطار القانون. ويستمر ذلك الاحتجاز عادة طوال الليل، و أحيانا لعدة ساعات.  

 

التصفية الجسدية

لا توجد هناك أي تقارير عن الاغتيالات السياسية أو غير القانونية. كما لم تصل المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان أي معلومات أو تقارير عن إخفاء متعمد لأشخاص. 

 

ظروف السجون ومراكز الاحتجاز

السجون في موريتانيا هي عبارة عن مخازن بشرية؛ يُجمع فيها كبار المجرمين مع السجناء الاحتياطيين الذين ينتظرون المحاكمة. لا توجد بها برامج استشفائية تعين متعاطيي المخدرات من المعتقلين على التخلص منها. بل إن تحوهلم إلى مدمنين داخل هذه السجون بات أسهل بسبب انتشار المخدرات داخل تلك المنشآت. هذا في ما باتت أغلب جرائم القتل والاغتصاب والسرقة في موريتانيا يتم ارتكابها من طرف الجناة تحت تأثير المخدرات، حسب المدعي العام لولاية انواكشوط الغربية. وليست ظروف السجون في موريتانيا سيئة من حيث تحولها من مراكز إعادة تأهيل وتربية إلى مدارس لتكوين المجرمين وانتشار المخدرات فحسب، وإنما أيضا في كون ظروفها مهدِّدة للحياة من الناحية المعيشية والصحية. فقد سجل سجن بئر أم اكرين في تيرس الزمور بالشمال الموريتاني، 03 فبراير 2017، سادس حالة وفاة بين نزلائه من المحكوم عليهم بالإعدام، والبالغ عددهم 120 سجينا، وذلك منذ إحالتهم إليه قبل حوالي سنتين، حسب وكالة الأخبار المستقلة. حيث توفي السجين أحمد بشير بعد فترة وجيزة من وفاة نزلاء آخرين محكوم عليهم بالإعدام، هم: موسى الحنفي، محمد الملقب آميه، تراوري (من جمهورية غينيا)، محمد محمد يحيى، وأحمد عبد الرحمن.

 

وقد صرّح الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية، محمد الأمين ولد الشيخ، في 29 مايو 2017، معلّقا على إضرابٍ للسجناء السلفيين عن الطعام احتجاجاً على الظروف السيئة في السجن، بأن مطالبة أصحاب محكوميات الإعدام بالحقوق "غير واردة". وهو ما يعني -بكل أسف- تبني حكومته لمنطقٍ يعتبر بأن حكم الإعدام يسلب الإنسان، حتى قبل تطبيق ذلك الحكم، جميع حقوق الحياة الإنسانية. وبالتالي تبرير تعرضه للإعدام البطيء، بواسطة الجوع ومنع الدواء والرعاية الصّحية اللازمة، في مخالفة صريحة للقوانين الوطنية والدولية. وهذا ما يفسر -ربما- ارتفاع الوفيات بين أصحاب محكوميات الإعدام مقارنة مع نظرائهم من السجناء.

 

وفي 17 أغسطس 2017، توفي السجين محسن ولد الحافظ، في السجن المدني في انواكشوط. وهو محاسب سابق لصناديق القرض والادخار (كابك)، كان يعاني بعض المشاكل الصحية.

 

وفي 13 نوفمبر 2017، وزعت حركة (إيرا) مقالا للقيادي بالحركة، موسى بيرام، المعتقل بسجن بئر أم اكرين. قال فيه بأنه هو وزميله عبد الله معطل، لم يسمح لهما بالقيام بأي اتصال بذويهم، وأنهما معزولان عن باقي السجناء. مضيفا، "نحن الآن نتكبد الثمن الباهظ الذي كلفنا إياه نضالنا السلمي في مواجهة العبودية والتمييز في موريتانيا". وأشار إلى أنه وزميله عبد الله دفعا ثمن "نضالهما" بعد ما حكم عليهما بالسجن لمدة 3 سنوات منذ 23 نوفمبر 2016. وقال إنهما تعرضا للتعذيب في الأيام الأولى من اعتقالهما في أحد سجون نواكشوط السرية.

 

وشَكلت السجون ومراكز الاحتجاز في موريتانيا -كما ذكرنا- مكانا لانتهاك حقوق النزلاء والتعذيب بشكل واسع، بالإضافة إلى انعدام التغذية وتغطية الحاجات الضرورية لبقاء الإنسان على قيد الحياة. وعرفت هذه السجون حالات متكررة من التمرد والعصيان من طرف السجناء، نتيجة الظروف السيئة ورد الفعل العنيف والمعاملة غير الإنسانية من طرف الإدارة والسجانين. وفي 15 مايو 2017، أعلن عدد من سجناء التيار السلفي بموريتانيا دخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام، احتجاجا على ما وصفوه بالتضييق الممارس بحقهم في الغذاء والدواء ووضع عقبات أمام الراغبين في زيارتهم من ذويهم. وهو الإضراب الذي تعرضوا بسببه لمضاعفات صحية سيئة، نُقل العديد منهم على إثرها إلى المستشفى. 

 

وكان حوالي 30 سجينا من نزلاء سجن دار النعيم، وصفوا بالخطرين، بعضهم محكوم عليه بالإعدام، قد تمكنوا من الفرار، في 19 فبراير 2017. وهي المسألة التي تؤشر ونظيراتها إلى الخلل داخل هذه السجون، حتى من حيث دورها في الحماية والأمن.

 

ويَطلب القانون الموريتاني من السلطات أن تبلغ الموقوف بلائحة التهم الموجة إليه فور سلبه حريته، إلا أن النظام الحاكم لا يلتزم بذلك، ولا يبلّغ الموقوف بلائحة تلك التهم إلا بعد انتهاء التحقيقات في كثير من الأحيان. وبالنسبة لمدد انتظار السجناء للمحاكمة فإنها طويلة في مجملها، وملفات المعتقلين غير مرتبة زمنيا ولا مضبوطة إدارياً. وعلى الرغم من أن القانون لا يجيز حبس القصر لأكثر من ستة أشهر في انتظار المحاكمة، إلا أن هذه الفترة الزمنية لا يتم احترامها في حالات كثيرة. 

 

أما فيما يتعلق بالرقابة المستقلة، وإن كانت التهيئة المسبقة للزيارات وتوجيه جدول أعمالها من طرف إدارة السجون يحد من فعالية ومصداقية ما يُقام به منها، فإن السلطات الحاكمة سمحت بزيارة السجون، من قبل بعض الدبلوماسيين والحقوقيين والمنظمات غير الحكومية الدولية، وخاصة منظمة الصليب الأحمر الدولي التي تعمل على مساعدة إدارة هذه السجون في توفير بعض الأغذية والأدوية والمياه الصالحة للشرب وتسهيل زيارات ذوي السجناء.

 

ويصل العدد الإجمالي للسجناء في موريتانيا، حسب إحصاءات وزارة العدل، 27 إبريل 2017، ما مجموعه 2232 سجينا. من بينهم 2111 من الرجال، و51 من النساء. بالإضافة إلى 70 من القُصر، يوجدون في مراكز إيواء للأطفال المتنازعين مع القانون. ومن بين هؤلاء السجناء 331 أجنبيا، و886 سجينا في حالة توقيف احتياطي.

 

تجدر الإشارة إلى تحسن حالة اكتظاظ السجون في موريتانيا نسبيا خلال الأعوام الماضية، ونقل بعض نزلاء سجون انواكشوط إلى سجنيْ ألاك وازويرات. ثم بعد ذلك من خلال تشييد سجن للنساء في عرفات، ومركز لإيواء الأطفال المتنازعين مع القانون في انواذيبو، ومركز لإيواء الأحداث الجانحين في مقاطعة الميناء. والعمل على تشييد سجن في مدينة النعمة بالحوض الشرقي وآخر في انبيكه. إلا أن الظروف العامة لهذه السجون تبقى في غاية السوء ما لم تتجه السلطات الموريتانية إلى إصلاح جذري لوضعيتها، وتفعيل قوانين وإجراءات احترام حقوق السجناء. حيث لا تزال الأجهزة الأمنية ومؤسسات تسيير السجون تدير هذه المرافق بعقلية العقاب، أكثر من فهم طبيعتها التأديبية والتأهيلية للسجناء بغية إعادة دمجهم في العضوية الاجتماعية بصورة سليمة، بعد استكمالهم لفترة العقوبة السجنية. (وللاطلاع على الحالة التفصيلية للسجون الرئيسية في موريتانيا يمكن العودة إلى تقريرنا لعام 2015).

 

 وقد أكدنا، في المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، باستمرار، وهو ما نذكّر به في هذا التقرير، أنه لابد، لإصلاح وضعية السجون الموريتانية، من:

- بناء سجون تتماشى مع المتطلبات المعمارية الدولية، حيث لا يزال ما يقارب نصف السجون في موريتانيا (8 سجون من أصل 18) عبارة عن منازل عادية مؤجرة من خواص، لم تُعد أصلاً كأماكن لسلب الحرية.

- فصل السجناء البالغين عن القصر بشكل صارم، وفصل الرجال عن النساء، وتأمين طاقم نسائي متكامل للإشراف المباشر على المعتقلات.

- فصل "عتاة المجرمين" عن السجناء حديثي العهد بالجريمة. وضبط سلوك السجناء بشكل يضمن قضاء فترة إصلاحهم وإعادة تأهيلهم المفترضة بنجاح.

- إنشاء هيئة مستقلة للإشراف على السجون.

- توفير مصحات استشفائية داخل السجون للإشراف على متعاطيي المخدرات، لمعالجتهم من الإدمان على هذه المواد السامة، ومساعدتهم في التخلص من آثرها.

-  إيقاف التعذيب والوضعية المكتظة غير الإنسانية في مراكز احتجاز الأمن والشرطة والدرك، وهي الانتهاكات التي لا تزال تقع بشكل منتظم.

ـ العمل على بناء رؤية جديدة لدى المؤسسة السجنية ترتكز على التأهيل، والتثقيف بمكانة حقوق السجناء بوصفها حقا أساسيا من حقوق الإنسان. فقد تحولت السجون الموريتانية في السنوات الأخيرة إلى مؤسسة تخريج للمجرمين ومتعاطيي المخدرات، بدل أن تكون مؤسسة تعليم وإعادة تأهيل وتربية تردع السجين وتنقذه من العودة إلى الجريمة، وتمارس نوعا من الوقاية للمجتمع من انتشارها. 

 

ملف السجناء السلفيين

تدخل المشكلة الأساسية لهذا الملف في إطار المعاناة الحقوقية للمتهمين في قضايا الإرهاب؛ حيث يتم عادة التفريط في الحرية وتُنتهك الكرامة الإنسانية بحجة الحفاظ على الأمن ومحاربة الإرهاب. وفي هذا الإطار قامت السلطات في يناير 2015 بالتغريب القسري لمجموعة من السجناء المدانين بقضايا من هذا النوع في سجن قاعدة صلاح الدين، قرب العين الصفرة بولاية آدرار شمال البلاد، بعيدا عن ذويهم وموكليهم. وألحقت السلطات بهم السجين السلفي السالك ولد الشيخ، بعد القبض عليه في غينيا بيساو 20 يناير 2016. وذلك في ظل عدم توفر خدمات صحية مناسبة، مما يحتم نقل السجناء إلى انواكشوط عندما تسوء حالتهم الصحية. وقد أعادت السلطات الموريتانية في 08 – 05 – 2017 السجينين السلفيين الخديم ولد السمان، والسالك ولد الشيخ، من سجن صلاح الدين إلى السجن المركزي بنواكشوط.

 

وقد ساءت الظروف الصحية للسجناء السلفيين بشكل كبير بعد إضراب 15 مايو 2017، احتجاجا على ما وصفوه بالتضييق الممارس بحقهم في الغذاء والدواء ووضع عقبات أمام الراغبين في زيارتهم من ذويهم. وخاصة السجناء الخديم ولد السمان ومحمد ولد اشبيه والشيخ ولد السالك و نور الدين محمد المختار، وبوبكر احميد الذين ساءت حالتهم، ونُقل عدد منهم للمستشفيات بسبب ذلك، وأطلق ذووهم عدة نداءات لإنقاذ حياتهم. فيما صرّح الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية، محمد الأمين ولد الشيخ، في 29 مايو 2017، معلّقا على إضراب السجناء السلفيين عن الطعام احتجاجاً على ظروفهم السيئة في السجن، بأن مطالبة أصحاب محكوميات الإعدام بالحقوق "غير واردة". وهو ما يعني -بكل أسف- تبني حكومته لمنطق يعتبر بأن حكم الإعدام يسلب الإنسان، حتى قبل تطبيق ذلك الحكم، جميع حقوق الحياة الإنسانية. وبالتالي تبرير تعرضه للإعدام البطيء، بواسطة الجوع ومنع الدواء والرعاية الصّحية اللازمة، في مخالفة صريحة للقوانين الوطنية والدولية.

 

كما تقوم السلطات أحيانا بالاستمرار في حبس بعض هؤلاء السجناء بعد انتهاء محكومياتهم، من دون مسوغات قانونية. وهو ما أدى إلى مايعرف بأحداث السجن المدني في يناير 2015. والتي قام فيها بعض السجناء السلفيين باحتجاز حرسييْن احتجاجا على مماطلة السلطات في إطلاق سراح أربعة منهم بعد انتهاء محكومياتهم. وهي المماطلة التي حدثت أيضا مع السجين صالح ولد محمد في نوفمبر 2015، حيث لم تطلق السلطات سراحه إلا بعد ضغط حقوقي، شارك فيه المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، وبعد أن أضرب زملاؤه عن الطعام احتجاجا على ذلك.

 

وبالإضافة إلى الانتهاكات في حق المتهمين في هذا الملف، على مستوى الآجال القانونية وعدم احترام المسطرة العدلية، يتعرض السجناء بشكل مستمر للإهانة والعقاب بالسجن الانفرادي والتعذيب الجسدي والنفسي داخل السجون، وأثناء الاعتقال في مراكز الأمن والشرطة. كما يقعون ضحية للعقاب الجماعي بسبب أفعال فرد واحد منهم أحيانا، كما حدث بعد فرار السجين الشيخ ولد السالك، وهو ما أدى إلى إضراب أكثر من 20 منهم في يناير 2016 عن الطعام لمدة تزيد على شهرين.

 

وقد وصلت إلى المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان شكايات من عدم تمكن بعض هؤلاء السجناء من إكمال الإحصاء والحصول على أوراق مدنية، مما حرم أبناءهم من حقوقهم في الملكية والتعليم والصحة. في حين قال آخرون منهم للمنظمة بأنهم أُحصوا من داخل السجن.

 

استقلالية القضاء

على الرغم من أن الدستور والقانون الموريتاني يتبنى هذا المبدأ الأساسي، إلا أن السلطة القضائية لا تعتبر مستقلة، ولا فعالة كذلك، بسبب ما تعانيه من ضعف أمام السلطة التنفيذية. كما تكاد تنعدم ثقة الأفراد في القضاء، مما يجعل الغالبية العظمى منهم تلجأ لطرق بديلة لحل النزاعات البينية. هذا بالإضافة إلى نقص الوسائل وضعف البنية التحتية. وقد شهد العام الحقوقي 2017 في موريتانيا أكبر عدد سنوي من حالات الاستغلال القضاء خلال النظام الحالي، مما جعل المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان يعتبره سنة الاستغلال السياسي للقضاء. ومن بين الحالات التي نسوقها هنا كمثال على ذلك:

- إطلاق سراح السجين الإيطالي اكريستيا بروفيسيونتو، في 12 مايو 2017، الذي كان معتقلا في موريتانيا منذ أغسطس 2015. وذلك بعد زيارة لنائب وزير الخارجية الإيطالي فينسينزو آمندو، التقى خلالها وزراء الخارجية والداخلية والعدل الموريتانيين. حيث سلمته السلطات هذا السجين الإيطالي في نفس اليوم، بعد أن احتُجز قرابة سنتين دون تقديمه للمحاكمة، وأُطلق بعدها سراحه دون علم من القضاء، وحتى دون إبلاغ محاميه بالأمر.

 

-  إقالة وكيل الجمهورية بولاية نواكشوط الغربية السيد الخليل ولد أحمد، 15 – 06 – 2017 ، على خلفية "عدم تجاوبه مع أوامر صادرة من بعض وكلاء أمن الطرق". دون احترام الإجراءات القانونية الخاصة بمتابعة القضاة وتحويلهم ومراقبة سير عملهم. وقد علق نادي القضاة في بيان له على ما حدث بالقول "لقد تم إعفاء القاضي المكلف بالسهر على تطبيق القانون على هذا النحو المهين للسلطة القضائية قبل التحقق من مجريات وملابسات الوقائع"، وأضاف أن القضاء "أصبح يدار بواسطة تعميمات تحمل الكثير من إهانة القضاء والإساءة للقضاة".

 

- الخروقات القانونية الكبيرة التي شهدها ملف السيناتور السابق السيد محمد ولد غده، وذلك عقب توقيفه على خلفية حادث سير تسبب في وفاة شخصين وجرح ثالث، والاستغلال السياسي للسلطة القضائية لهذا الملف بشكل واسع. بدءًا بانتهاك الحصانة البرلمانية المقررة بالمادة (50) من الدستور، حيث اعتقل السيناتور وهو لا يزال يتمتع بها، قبل إلغاء مجلس الشيوخ بشكل رسمي. وعدم احترام آجال الحراسة النظرية، و رفض النيابة العامة بولاية اترارزه، تسليم السيناتور سيارته وهواتفه ومذكرة كانت بحوزته، رغم صدور قرار من القاضي بتسليمه هذه المعدات، وتأكيد ذلك من قبل جزائية انواكشوط 21 يونيو 2017.

 

- سعي السلطة التنفيذية المتكرر لمعاقبة القضاة وتأديبهم، ولأسباب سياسية في بعض الأحيان. فقد بلغت اللائحة المقترحة للتأديب من قبل وزارة العدل لسنة 2017 ما مجموعه 15 قاضياً. حيث رفض المجلس الأعلى للقضاء معاقبة ثمانية قضاة طلبت وزارة العدل معاقبتهم، وبرر قراره بـ"عدم كفاية الأدلة" المقدمة من الوزارة. وأكد المجلس أنه تلقى رسالة من وزير العدل تحمل الرقم: 74 – 2017 بتاريخ: 07 – 02 – 2017 وكانت محل قرار التعهد رقم: 01/2017 بتاريخ: 09 – 02 – 2017 صادر عن رئيس المحكمة العليا، رئيس المجلس الأعلى للقضاء في تشكلته التأديبية لقضاة الحكم. وقرر المجلس قبول التعهد شكلا، لوروده من وزير العدل، ومن حيث الأصل رفض توقيع أي عقوبة على أي من القضاة الثمانية محل التعهد لعدم كفاية الأدلة. هذا فيما أعد وزير العدل الموريتاني، 26 نوقمبر 2017، لائحة أخرى من 7 قضاة رفعها إلى المجلس الأعلى للقضاء لمعاقبتهم، بسبب ما قال إنه علاقتهم بشبكات ما يعرف بـ"شبيكو".

 

- التدخل الواضح للسلطة التنفيذية في مساطر التقاضي بالنسبة للملفات السياسية، تكييفا للقضايا وتخفيفا أو زيادة للأحكام. وفي هذا الإطار جاء حكم محكمة الاستئناف بألاك، في 31 يناير 2017، بتخفيف الحكم القضائي الصادر بحق الشيخ باي من ثلاث سنوات نافذة إلى سنة واحدة، سبعة أشهر منها نافذة. وكان المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان قد اعتبر في بيان له، 19 أغسطس 2016، كتعليق على الأحكام القضائية الصادرة بحق سجناء أحداث عنف كزرت ولد بوعماتو التي وصلت 15 سنة، وقبلها على الصحفي الشيخ باي وبعض النشطاء الشباب، أن القضاء الموريتاني أصبح "آلة قمع أخرى في يد النظام الحاكم؛ بات استخدامها لتكميم النشطاء وخنق الحريات هو عنوان المرحلة".

 

- إيفاد بعثة تفتيشية من قبل وزارة العدل الموريتانية إلى المحكمة الجنائية في مدينة النعمة لأسباب قبلية سياسية، عقب إصدارها حكما في نزاع عقاري بين مجموعتين قبليتين في ولاية الحوض الشرقي. وهو الحكم الابتدائي الحكم: 16/2017، بتاريخ  05/04/2017. وقد وصف قضاة المحكمة (التاه ولد سيدي محمد، ومحمد محمود ولد أحمد، وأحمد بزيد ولد محمد الناجي) الأسئلة التي قدمها المفتش لهم بأنها "تجسد انتهاكاً للدستور والقوانين، وخروجا صارخا عن مهام المفتشية المحددة بالمادة (05) من المرسوم المنظم لعمل المفتشية، حيث تقتصر المهام على سير المرفق عموما، ومردودية وسلوكيات القاضي، والعاملين في قطاع العدل". وقالوا في بيان لهم، 13 إبريل 2017، إن "إجراء التفتيش شكل في شكله، وسياقه، قلبا للمعادلة، بمنح الثقة في القبائل والجماعات، وإعادة تحكم وهيمنة مفهوم العدالة الخاصة، واتباع مرضاة الأطراف بازدراء القضاة وخرق القوانين، والقضاء على دولة القانون".

 

ويمكن أيضاً ملاحظة الضعف العام للمؤسسة القضائية ومظاهر عدم استقلاليتها من خلال الأمور التالية:

- رئيس الدولة في موريتانيا هو الذي يرأس المجلس الأعلى للقضاء. وهو المجلس الذي بإمكانه تحويل أي قاض (عزله عمليا عن القضايا المعروضة أمامه) حتى ولو كان ذلك ضد إرادته. فعلى الرغم من أن المادة (8) من النظام الأساسي للقضاء تنص على أنه: “لا يجوز عزل قضاة الحكم ولا يحوّلون إلا بطلب منهم أو لعقوبة تأديبية أو لضرورة قاهرة للعمل وبعد رأي مطابق للمجلس الأعلى للقضاء”. إلا أن هذا الأمر لا يتم الالتزام به في كثير من الأحيان، كما حدث في التحويلات التي جاءت نتيجة اجتماع المجلس الأعلى للقضاء في دورته، 22 ديسمبر 2015. وهي الدورة التي أدت بأحد القضاة، إلى الطعن القضائي في بعض قراراتها، في إجراء غير معهود. واتهم  عقبها بعضُ الفاعلين في القطاع وزير العدل بترقية محسوبين عليه وتحويلهم على رأس المحاكم المهمة. كما حظي بالترقية حسب نتائج نفس الدورة مجموعة من القضاة لم يكملوا سنتهم الأولى في سلك القضاء، ولا يزالون بحكم فترة التربص ومقتضياته مجبرين على البقاء في الرتبة الرابعة حسب السلم القضائي (تضم الرتبة الرابعة القضاة غير المؤكدين، وتحتوي على أربع درجات، وتمتد لثماني سنوات على الأقل، ثلاث منها قيد التربص). وتم بموجب قرارات تلك الدورة -أيضا- ترقية قاض مكتتب خلال السنة الماضية إلى الدرجة الثالثة من الرتبة الثالثة، أي أنه تجاوز أكثر من عشر سنوات من الأقدمية، على افتراض أنه يترقى عند كل استحقاق.

 

- يخضع القضاة للتنقيط من خلال بطاقات تقييم خاصة، من طرف رئيس المحكمة العليا بالنسبة للقضاة الجالسين والمدعي العام بالنسبة لقضاة النيابة العامة. وهي إجراءات وترتيبات تؤثر على أداء القضاة وحياديتهم.

 

- ضعف التكوين المختص وغياب التعليم المستمر: حيث لم يخضع قضاة محاكم القصر وقضايا الاسترقاق مثلا لأي تكوين في مجالات اختصاص محاكمهم. والشيء نفسه تعاني منه الغرفتان التجارية والجنائية في المحكمة العليا، التي لم يخضع أغلب قضاتها لأي تكوين في مجال القانون التجاري، أو يختص في القانون الجنائي.

 

- غياب مفتشية مستقلة للقضاء، غير تابعة لوزارة العدل (السلطة التنفيذية). حيث تُتهم المفتشية الحالية بالاستغلال من قبل السلطة التنفيذية. فقد وصفها نادي القضاة في بيان له، 18 مايو 2017، بأنها "لا تصحو من سباتها إلا لتؤرق قاضيا أو مجموعة قضاة لم ترق قناعتهم لأحد أطراف الدعوى، فتتحرك للتشكيك في نزاهة أحكامهم مجاملة لذلك الطرف وامتهانا لقيم العدل التي يمثلها القضاء".

 

- إحساس القاضي بعدم أهمية دوره أحيانا، في ظل عدم تنفيذ قراراته متى ما أرادت السلطات الحاكمة ذلك. حيث إن حوالي 80% من قرارات العدالة ضد الدولة لا تُنفذ، حسب بعض المختصين. ويجدر هنا التذكير بقضية الصحفي ماموني ولد المختار، المتعلقة بفصله تعسفيا من عمله في الوكالة الموريتانية للأنباء. حيث أجمع القضاء الموريتاني في جميع درجاته، ابتداءً من مفتش الشغل ومروراً بمحكمة الشغل ومحكمة الاستئناف إلى المحكمة العليا، على عدم شرعية قرار فصله وتم الحكم له حكما نهائيا من أعلى سلطة قضائية في 13 يوليو 2016، ومع ذلك تمتنع السلطات الحاكمة من تنفيذ ذلك الحكم. وفي حالة مشابهة أيضا حكمت المحكمة العليا في قضية الطلاب المهندسين المتنازعين مع وزارة التعليم العالي حكما لصالح الطلاب وأقرته في 17 نوفمبر 2016، ومع ذلك امتنعت السلطات مرة أخرى من الامتثال لهذا الحكم. ومن هذا المنطلق ينشأ إحساس الناس بعدم جدوائية هذه المؤسسة في القضايا التي تكون السلطة التنفيذية طرفا فيها، وهو ما يؤثر سلبا على قيمة القضاء واستقلاليته.

 

ملف الإرث الإنساني وقضية المبعدين

رغم بعض الجهود التي بُذلت من قبل السلطات في تسوية هذا الملف، إلا أنه لا يزال يحتاج إلى خطوات أكثر جدية وشمولية. كما أن برنامج الوكالة الوطنية لمحاربة آثار الاسترقاق ومكافحة الفقر والدمج "التضامن" لا يزال عاجزا عن توفير الغذاء والصحة وبناء المدارس الضرورية للمواطنين العائدين من السينغال ومالي. هذا فضلا عن عجزه عن حل مشاكل الممتلكات العقارية وإعادة الموظفين السابقين إلى وظائفهم، وإن كان تم حتى الآن تعويض بعضهم مادياً ووُظف آخرون. كما لم يجر لحد الساعة أي تحقيق في الانتهاكات الإنسانية التي حدثت في الفترة ما بين 1989-1992، والتي ما زال بعض المتهمين بالضلوع فيها يشغل مناصب مهمة داخل أجهزة الدولة.

 

من ناحية أخرى، وصلت إلى المرصد تقارير وشكايات عديدة تتحدث عن صعوبات وعوائق إضافية للحصول على أوراق مدنية بالنسبة للموريتانيين من فئة الزنوج، وخاصة من ذوي المبعدين واللاجئين السياسيين خارج البلاد. فعلى الرغم من أن القانون الموريتاني واضح في شأن حصول الأبناء على الجنسية: من آبائهم الموريتانيين، أو من أمهاتهم في حال ما إذا كان الطفل مولوداً لأب ليست له جنسية، أو رفض جنسية والده قبل البلوغ بعام وكان مولودا في موريتانيا، أو أن يطلبها في نفس السن (17 عاما) إذا كان مولودا خارج البلاد لأم موريتانية، كما تحق الجنسية لأبناء الأبوين المجنسيْن، إلا أن هذا القانون لا يتم الالتزام به. وليس من النادر، وخاصة في فئة الزنوج، وشيئا ما في فئة لحراطين، أن تلتقي بأطفال وبالغين لا يمتلكون أوراقا مدنية. الأمر الذي يؤثر على حقوقهم في التعليم والتنقل والصحة والتملك وغيرها..

 

احترام الحريات المدنية

حرية الصحافة والتعبير

لا توجد في المجمل قيود كبيرة على الرأي والتعبير، وتكاد تكون حرية الصحافة في موريتانيا هي المؤشر الإيجابي الوحيد على المستوى الدولي. وعلى الرغم من أنها لا تزال تتصدر الدول العربية على مؤشر منظمة مراسلون بلا حدود لحرية الصحافة، إلا أن موريتانيا انتقلت من المرتبة 48 سنة 2016 إلى المرتبة 55 سنة 2017 على هذا المؤشر. أي أنها تراجعت العام الماضي في مجال حرية الصحافة بمقدار 7 درجات.

 

وقد ظلت الاستفادة من الهامش المحدود لحرية الصحافة ضعيفة ومحدودة. في الوقت الذي لا يمثل فيه الإعلام العمومي إلا وجهة النظر الرسمية، وتضعف فيه تغطية وتمثيل وجهة النظر المعارضة، والدور الرقابي على الأداء الحكومي. ومن أهم العوامل المؤدية إلى ضعف السلطة الرقابية للإعلام: غياب قضاء مستقل يمكن لادعائه العام أن يحرّك الملفات القضائية بناء على الاستقصاءات والعمل الصحفي الجاد؛ وعدم وجود سلطة تشريعية قوية يمكنها مساءلة السلطة الحاكمة بناء على المعلومات التي يقدّمها الإعلام. في ظل عدم إدراك السلطة التنفيذية لصعوبة تغطية جميع حالات التقصير الإداريّة والخروقات القانونية اليومية، واتخاذ الإعلام المستقل وسيلة لتلافي النقص والاستهداء إلى أماكن الخلل. بل على العكس من ذلك، لا يكترث المسئولون الموريتانيون بالصحافة الوطنية، ويتعمّدون تمييعها وزعزعة ثقة المواطن في ما تتناوله من أخبار وتحقيقات. وهكذا يضمنون بقاء هامش استقلاليتها، مهما تعاظم، ضعيف التأثير على العمل الحكومي، ويتلاشى، بالتالي، دور هذه السلطة المهمة في حياة الدولة والمجتمع.

 

وعلى الرغم من وجود العديد من التشريعات والقوانين المهمة في المجال الإعلامي، إلا أن تطبيقاتها  "لا تزال ضعيفة"، على حد وصف المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية CMERS. الذي قال في دراسة نشرها على موقعه الإلكتروني، في أكتوبر 2017، بأن غياب تطبيق هذه التشريعات يأتي بسبب عدم السعي لإصدار مقررات ومراسيم تطبيقية، إضافة إلى تعمد عدم التطبيق من طرف الصحفيين أنفسهم وتغاضي السلطات عن ذلك. وذكر من بين مظاهر عدم تفعيل التشريعات القانونية الموريتانية في مجال الإعلام:

ـ عدم توقيع التلفزة الموريتانية وإذاعة موريتانيا لدفاتر الشروط والالتزامات.

 

ـ تعديل الترددات من طرف الشركة الموريتانية للبث، وهو ما تنص دفاتر الشروط والالتزامات أنه من صلاحيات السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية بالتنسيق مع سلطة التنظيم.

 

ـ عدم تمثيل المعارضة في السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية.

 

ومن بين الخروقات والانتهاكات التي عرفها هذا العام، في مجال حرية التعبير والصحافة:

- مصادقة الحكومة الموريتانية على قانون "ضد التمييز" في مارس 2017، كان أقره البرلمان في يناير 2018. ومن أبرز المآخذ على هذا القانون إمكانية استخدامه للحد من حرية التعبير وحرية الصحافة. حيث تنص المادة (10) منه على أنه "يعاقب بالسجن من سنة إلى خمس سنوات كل من يشجع خطابا تحريضيا ضد المذهب الرسمي للجمهورية الإسلامية الموريتانية". كما يشدد العقوبة على الصحفيين في قضايا النشر، بمضاعفة العقوبات الواردة فيه في حال تعلقها بالصحفيين. سواء منها المتعلقة بالسجن أو بالغرامة المالية، كما في المواد (12)، (13)، (21).

 

- الاعتداء على الصحفيين وإيقافهم المتكرر، خلال تغطية الأنشطة الجماهيرية. ففي 30 يوليو 2017، أوقفت قوات من الدرك المدير العام لوكالة الأخبار، الهيبة ولد الشيخ سيداتي، رفقة طاقم من تلفزيون قناة المرابطون يضم صحفيا ومصورا، خلال تغطيتهم لمسيرة للمعارضة في مقاطعة تيارت بنواكشوط. وأحالتهم إلى مفوضية الشرطة بتيارت رقم1، والتي أفرجت عنهم لاحقا وسلمتهم معداتهم. كما قامت الشرطة الموريتانية خلال قمعها لمسيرة للمعارضة في مقاطعة السبخة، احتجاجا على التعديلات الدستورية، 26 يوليو 2017، باحتجاز مجموعة من الصحفيين داخل باص تابع لها، قبيل بدء هجومها على منظمي المسيرة. وفي 01 مايو 2017، أوقفت الشرطة الموريتانية المصور بقناة المرابطون محمد الحسن ولد محمد يحظيه، بينما كان يصور احتاجاجات الناقلين، واقتادته إلى مفوضية الميناء رقم1، واحتجزت كاميرا التصوير التي كانت بحوزته. بالإضافة إلى العديد من الحالات المماثلة، التي سجلها المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، خلال سنة 2017.

 

 - في 25 أغسطس 2017، تم توقيف أربعة صحفيين، هم:  موسى صمب سي، المدير الناشر لصحيفة "لوكتيدياه دي نواكشوط"؛ وجدنا ولد ديده من موقع "موري ويب"، وبا ببكر باي انجاي من موقع "اكريدم"، ومديرته الناشرة أميناتا حودو (رلا با). فيما وجهت السلطات استدعاءً للمدير الناشر لصحيفة "القلم" أحمد ولد الشيخ الذي كان يومها خارج البلاد. على خلفية تمويل صحفهم ومواقعهم الإلكترونية، وبعض المواد الإعلامية التي تنشر. ولا يزالون تحت المراقبة القضائية، ويمنعون من حقهم في حرية التنقل.

 

وكان اثنان من هؤلاء الصحفيين هم: با بوبكر انجاي (موقع اكريدم) وجدنا ولد ديده (موقع موري وب) قد تم اعتقالهما لمدة يومين العام الماضي، عقب شكوى من نجل الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، اتهمهما فيها بنشر أخبار كاذبة عنه.

 

- قامت السلطات الموريتانية، في 17 أكتوبر 2017، لأول مرة في تاريخها برفض اعتماد مراسل صحفي بسبب آراءه ومواقفه السياسية. ومع أن القرار الصادر عن وزارة العلاقات مع البرلمان برفض اعتماد محمد الأمين ولد سيدي مولود مراسلا لموقع الجزيرة نت في موريتانيا خلا من أي مبررات، فقد أرجعه الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة، محمد الأمين ولد الشيخ، إلى أن طرح هذا الصحفي "ليس موضوعيا".

 

- أوقفت السلطات الموريتانية، 17 أكتوبر 2017، بث كل القنوات الخصوصية في البلاد، البالغ عددها خمس قنوات، هي: الوطنية، المرابطون، الساحل، شنقيط، ودافا. بسبب ما قالت إنه "الفشل في الوفاء بالتزاماتها المالية". وذلك بعد أن أُعطوا مهلة يوم واحد من قبل شركة البث الإذاعي والتلفزي بموريتانيا TDM. في ما يمكن اعتباره تقويضا لتجربة تحرير الإعلام السمعي البصري، بسبب مطالبة كل قناة تلفزيونية بدفع مبلغ سبعين مليون أوقية (قديمة) سنويا. في الوقت الذي يغيب فيه وجود سوق للإعلانات، واحتكار الموجود منها من قبل الإعلام العمومي الرسمي، على حد قول مدير الأخبار في قناة "المرابطون" الحافظ ولد الغابد.

 

- وكان الصحفي الشيخ باي ولد الشيخ محمد، مدير موقع "ديلول" الإخباري، قد اعتقل في 30 يونيو 2016، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمة استخدام العنف ضد مسؤول عمومي. وكان الشيخ باي قد اتهَم أحد الوزراء، هو الناطق الرسمي باسم الحكومة، بالكذب ورماه بحذاء لم يصبه، خلال مؤتمر صحفي. وهو الحكم الذي خُفف بعدها من قبل محكمة استئناف ألاگ إلى سنة، منها سبعة أشهر نافذة، ليطلق سراحه في 31 يناير 2017.

 

- وبخصوص التضييق على حرية التعبير، تمت إقالة الدبلوماسي والمستشار بالسفار الموريتانية في سلطنة عمان سعد بيه في أغسطس 2017، بعد كتابة مقال انتقد فيه السلطات. كما أقيل الفنان التشكيلي بون ولد الدف، في 14 أكتوبر 2017، من وظيفته بالوكالة الموريتانية للأنباء، لأسباب أُبلغ بأنها تعود إلى انزعاج مدير الوكالة من تدويناته، كما ذكر على صفحته في موقع افيس بوك، 15 نوفمبر 2017. وعلى خلفية التدوين كذلك تم في أكتوبر 2017 إقالة عبد الله ولد الحيمر، الموظف بالتنمية الريفية، على خلفية انتقاده لرئيس الوزراء، وكذلك حبس الجمركي عبد الرحمن ولد الهاشم بسبب تدوينة منتقدة لقطاع الجمارك.

 

وتنص المادة 60 من قانون الشغل أنه: "یعتبر فصلا تعسفیا كل فصل یقع دون أسباب شرعیة وكذلك الفصل الذي یكون سببه خاصة آراء العامل السیاسیة".

- في دجمبر 2017، تم اعتقال الشاعر عبد الله ولد بون وترحيله من دولة الإمارات إلى موريتانيا، بعد تداول انتقاده للرئيس محمد ولد عبد العزيز وللنظام الحاكم في الفضاءات الافتراضية الموريتانية. لتُوجه له النيابة العامة تهمة التحريض على اقتحام القصر الرئاسي في نواكشوط، وزعزعة الأمن العام، في 16 يناير 2018. وليطلق سراحه بعد ذلك، بعد أن أمضى أكثر من شهر في السجن.

 

- قامت السلطات بخنق حرية التعبير والتجمع بشكل كبير، بحجة غياب الترخيص، وخاصة أنشطة مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية (إيرا). ففي 7 مايو 2017، منع والي گيدي ماغا رئيس الحركة بيرام ولد الداه ولد اعبيد من لقاء أنصاره في الولاية والحديث إليهم، وقامت السلطات الإدارية بنقله خارج حدود الولاية، مرفوقة بقوة من الدرك وأخرى من الحرس. كما قام الأمن الموريتاني، في 25 يوليو 2017، بمصادرة جواز سفر ولد اعبيد، قبل أن يعيده إليه لاحقا.

 

- منعت السلطات الموريتانية 08 سبتمبر 2017 وفدا حقوقيا أمريكيا من دخول البلاد، حيث احتجزتهم في المطار وأبلغتهم بعدم السماح لهم بالدخول، قبل إعادة ترحيلهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية. فيما منعت وحدة من الشرطة وفدا حقوقيا موريتانيا، بقيادة رئيس منظمة نجدة العبيد بوبكر ولد مسعود، من الوصول للمطار لاستقبال الوفد الأمريكي.

 

- قامت السلطات الموريتانية، في 2 مايو 2017، بطرد المواطنتيْن الفرنسيتيْن: ماري فوراي وتيفين گوس، العاملتين في مجال مكافحة الاسترقاق والعنصرية. واتهمتهما بالعمل لصالح منظمات غير مرخصة.

 

- في 17 يناير 2017، رفضت محكمة الاستئناف بانواكشوط طلبا من العقيد المتقاعد عمر ولد ابيبكر برفع المراقبة القضائية المستمرة عليه منذ دجمبر 2015، وإعادة جاوز سفره إليه. في حين أنه لم يمنح الحق في المثول أمام القضاء وتقديم ملفه للمحاكمة، منذ أكثر من سنتين. حيث اعتقل على خلفية تصريحات، في 28 نوفمبر 2015، تحدث فيها عن أحداث الإرث الإنساني 1989-1991.

 

حرية التجمع

على الرغم من أن المادة (10) من الدستور الموريتاني تنص على ضمان حرية التجمع. والأحزاب السياسية المشرعة لا تتطلب تراخيص للمظاهرات وعقد اللقاءات. والمنظمات غير الحكومية يُطلب منها بعض الترتيبات الإدارية لترخيص التجمعات الكبيرة. إلا أن السلطات الحاكمة تتعامل بازدواجية مع هذه النظُم في كثير من الأحيان. حيث تم قمع العديد من الاحتجاجات والمظاهرات السلمية، التي تكون مرخصة أحيانا، بدون أسباب مقنعة، بدعوى تهديدها للأمن القومي أو الإخلال بالنظام العام. وخاصة المظاهرات الرافضة لاستفتاء 5 أغسطس من قبل "منتدى المعارضة الديموقراطية" و "محال تغيير الدستور" و "حركة 25 فبراير".

 

كما اتخذت السلطات من مطلب الترخيص وسيلة لخنق حرية التجمع، فباتت تمنع بعض الجمعيات والأحزاب السياسية من الترخيص، رغم سلميّتها، بدون مبررات قانونية مقنعة، وتمنع الطلاب والعمال والأفراد العاديّين من حق التظاهر السلمي، رغم تقديم الطلبات في الأوقات المناسبة، ثم تُفرط في العنف تجاههم بشكل غير إنساني، بحجة أن أنشطتهم غير مرخّصة. كما أنها باتت، منذ 2016، تحظر على الفنادق استضافة أي ندوة أو نشاط عام إلا بترخيص حكومي مسبق. مع أن الأصل في تلك الندوات السلمية هو الحرية، أو أن يُكتفى على الأقل بخضوعها لسلطة الفنادق ونظمها الداخلية.

 

بالإضافة إلى ذلك، لم تسلم المنظمات والجمعيات المرخصة من التضييق على الأنشطة. فقد صرح العيد ولد امبارك، محامي منظمة نجدة العبيد (وهي منظمة مرخصة)، في 9 نوفمبر 2017، أن السلطات الموريتانية منعت تنظيم ورشة حول المؤازرة القانونية للضحايا كانت المنظمة بصدد تنظيمها بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي. وأضاف بأن ممثل المنظمة الجهوي في الحوض الشرقي أُبلغ من قبل السلطات المحلية بمنع أي نشاط لمنظمة نجدة العبيد في النعمة وباسكنو.

 

واستخدمت السلطات اشتراط التراخيص المسبقة بشكل خاص للتضييق على المنظمات والحركات التي ترفع قضايا العبودية والظلم الاجتماعي والتمييز العرقي. وقد ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها 12 فبراير 2018 عن موريتانيا أن: "السلطات ]الموريتانية[ تستخدم مجموعة واسعة من القوانين القمعية وغيرها من التدابير لمعاقبة وعرقلة أنشطة هذه الجمعيات والأفراد، الذين يتحدثون عن بعض القضايا الأكثر حساسية في البلاد والمتعلقة بالعدالة الاجتماعية."

 

وفي هذا الإطار تمت عرقلة أغلب أنشطة مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية (إيرا)، ومُنعت منسقية منظمات ضحايا القمع (COVIRE) هذا العام 2017، كما هي العادة، من إحياء ذكرى مجازر أحداث 1989-1991، بحجة عدم الترخيص.

 

 كما قامت السلطات الموريتانية، في أعقاب أحداث گزرت ولد بوعماتو يونيو 2017، بحل منظمة "السكان والتنمية" POP-DEV، ومصادرة محتويات مقرها. وهي منظمة غير حكومية معترف بها، يرأسها بلا توري، القيادي بحركة إيرا. وقالت هيومن رايتس ووتش أنه: "في 19 يناير/كانون الثاني 2017، استدعى المدير الإقليمي لأمن نواكشوط الغربية توري لإبلاغه بأن السلطات قد حلت POP-DEV يوم 18 أغسطس/آب 2016، بينما كان لا يزال في السجن. والتمس توري من محكمة الاستئناف في نواذيبو إجبار الشرطة على إرجاع المواد التي صودرت من المنظمة، وقال إن المحكمة لم ترد قط. وأضاف بأن POP-DEV أوقفت أنشطتها."

 

حرية تكوين الأحزاب والجمعيات

يضمن القانون الموريتاني حرية تشكيل الأحزاب والجمعيات. ولكن السلطات الحاكمة لا تلتزم دوما بهذا الأمر. فالمنظمات غير الحكومية ملزمة بالتسجيل لدى وزارة الداخلية، على الرغم من أن هذه الأخيرة قد لا ترد خلال ال 45 يوما المفروضة، وهو ما يقع في كثير من الأحيان. ويمكن عند ذلك لهذه المنظمات، وفقا للقانون، أن تمارس أعمالها، إلا أنها لا تعتبر مرخصة.

 

ومع أن السلطات الموريتانية قامت خلال السنوات الثلاث الماضية بترخيص 7 أحزاب سياسية جديدة وحوالي 1100 جمعية ومنظمة غير حكومية، إلا أنها لا تزال تمتنع من ترخيص عدد من الأحزاب والجمعيات، منها من قدم طلبا لذلك منذ أكثر من 20 سنة. ومن تلك الأحزاب السياسية:

- حزب القوى التقدمية للتغيير، الذي تقوده شخصيات من حركة تحرير الأفارقة الموريتانيين سابقا (افلام).

- الحزب الراديكالي "الرك" (منذ 2013)، الذي يشكل ذراعا سياسية لحركة إيرا الحقوقية.

- حزب الأصالة والتجديد، المحسوب على التيار السلفي.

 

ومن الحركات والجمعيات، التي لا تزال السلطات تمنعها من حق العمل الجمعوي:

- مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية (إيرا)، ذات الحضور الواسع. والتي حَل رئيسُها في المرتبة الثانية في الانتحابات الرئاسية الأخيرة 2014. وتَتهم هذه المنظمة النظام الحاكم بإحداث انقسامات داخل صفوفها، بسبب ما تعتبره الضغط الأمني والسياسي على أعضائها، وهو ما يتنافى وقوانين الحريات. وقد واصلت السلطات رفضها الاعتراف بهذه المنظمة رغم اعترافها بمنظمات، وحتى أحزاب سياسية، منشقة عنها.

 

- حركة لا تلمس جنسيتي: التي تأسست عام 2011  ردا على الإحصاء البيومتري. الذي رأت الجمعية إنه يهدف إلى حرمان الموريتانيين الأفارقة من حقوق المواطنة.

 

- جمعية أرامل وأيتام العسكريين الموريتانيين: وهي منظمة تطالب بإظهار الحقيقة حول عمليات الإعدام بدون محاكمة وحوادث الاختفاء التي وقعت خلال تسعينيات القرن الماضي. وقد قدمت الجمعية طلبا للاعتراف القانوني عام 1993، وجددت ذلك الطلب في عام 2010، حسب تقرير منظمة العفو الدولية عن موريتانيا 2016/2017.

 

من ناحية خرى، أنفقت الحكومة الموريتانية ميزانيتها السنوية المخصصة ل "منتدى دعم احترافية المنظمات الغير حكومية"، والبالغ حجمها 100.000.000 (مائة مليون) أوقية (قديمة) ثلاثة أشهر قبل نهاية العام 2017. بدون أن تعلن عن أسماء وطبيعة عمل هذه المنظمات غير الحكومية المستفيدة من الدعم المالي العمومي. وفي الوقت الذي تُتهم فيه السلطات بإنشاء ودعم الكثير من المنظمات التي تعمل تحت يافطات جمعوية مدنية، على الرغم من أنها في الحقيقة منظمات بأجندة وتمويل حكومي.

 

حرية التنقل داخل وخارج البلاد

على الرغم من أن القانون الموريتاني لا ينص على النفي القسري، إلا أنه وبسبب الضغوط الحاصلة أو المتوقعة، يمكن القول بوجود عدة شخصيات موريتانية في حالة نفي اختياري خارج البلاد، بسبب الخوف من الاضطهاد والانتقام. من أبرزهم رجلي الأعمال محمد ولد بوعماتو ومحمد ولد الدباغ والسياسي مصطفى الشافعي والصحفي حنفي ولد الدهاه ومجموعة أولاد لبلاد. وقد أصدر القضاء الموريتاني في أغسطس 2017 مذكرتيْ اعتقال في حق رجليْ الأعمال محمد ولد بو عماتو، ومدير أعماله محمد ولد الدباغ. وكانت محكمة انواكشوط قد أصدرت في دجمبر 2011 مذكرة اعتقال دولية أخرى، في حق السياسي مصطفى الشافعي.

 

ومنعت الحكومة الموريتانية، في أكتوبر 2017، دخول المواطن حماده ولد الدرويش، بدون وجود حكم قضائي يجرده من جنسيته الموريتانية التي تخوله حرية التنقل داخل وخارج البلاد. وذلك بعد أن كان قد سافر عام 2007 إلى المملكة المغربية وحصل على جنسيتها.

 

وبخصوص التنقل في الداخل: فمع أن المادة (10) من الدستور الموريتاني تكفل لكافة المواطنين حرية التنقل والإقامة في جميع أجزاء تراب الجمهورية، إلا أنه وبسبب اشتراط اصطحاب هوية وطنية خلال التنقل بين المدن، ونظرا لطبيعة المجتمع وعوائق الحصول على الوثائق، يمكن اعتبار حرية التنقل الحر للمواطنين داخل البلاد غير مكفولة بشكل تام.

 

الموريتانيون خارج البلاد

افتتحت السلطات الموريتانية، 2 يناير 2017، ما قالت إنه "مركز عمليات الطوارئ المخصص لتقديم المساعدة للمواطنين الموريتانيين في الخارج". ومع أن هذا المركز، حسب وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، يُعنى بمتابعة "ما قد يتعرض له المواطنون في الخارج من حالات طوارئ تتطلب معالجة استعجالية"، وأنه يوفر المساعدة القنصلية في حالات الطوارئ مثل: الكوارث الطبيعية أو المدنية، الاعتقال والاحتجاز، فقدان الأشخاص، الاعتداءات الجسدية والأخلاقية، تأمين الأطفال وقضايا الحضانة، عمليات الإجلاء، تأمين جواز السفر، الأمراض والإصابات الخطيرة، فقدان أو سرقة المتعلقات الشخصية، المساعدة المالية الضرورية، الوفيات. إلا أن المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان لم يسجل أي أداء يذكر لهذا المركز، فقد ناشد عدد من الموريتانيين الموقوفين في سجن "كريت" بالعاصمة الأنغولية لوندا الحكومة الموريتانية بالتدخل لإنقاذهم، من خلال نداء عبر وكالة الأخبار المستقلة، 6 سبتمبر 2017، مؤكدين "أنهم اتصلوا بالسفير وأبلغوه بموضوعهم، لكنه لم يحرك أي ساكن". وتساءلوا عن دور مركز عمليات الطوارئ الخاص بمساعدة المواطنين الموريتانيين في الخارج. 

 

ويمكن أن نعلق في هذه الفقرة على بعض المعاناة الحقوقية لموريتانيين موجودين خارج البلاد، من خلال التالي:

- لا تزال معاناة اختطاف الصحفي إسحاق ولد المختار على يد إحدى التنظيمات المتطرفة في سوريا مستمرة لأكثر من أربع سنوات. ولا تزال جهود السلطات في هذا الإطار غير فعالة، بل يمكن القول إنها غير موجودة أصلا للأسف.

 

- وبخصوص اختطاف رجل الأعمال الموريتاني ومرشح الرئاسيات السابق رشيد مصطفى، فإن السلطات لا تزال تحتاج مضاعفة الجهود. فقد قدمت حتى الآن في هذه القضية تصريحات متناقضة ومربكة. حيث أكد الرئيس محمد ولد عبد العزيز، خلال حوار مباشر مع الشعب الموريتاني، أغسطس 2011، أن المعلومات الرسمية تفيد بأن رشيد مصطفى توفي في حادث تحطم طائرة صغيرة في الغابات الكثيفة الممتدة بين أنغولا والكونغو. في حين صرح الوزير الناطق باسم الحكومة الموريتانية، محمد الأمين ولد الشيخ، 12 يناير 2017، أن الحكومة ظلت تواكب ملف الموريتاني المختطف بأنغولا رشيد مصطفى، مؤكدا أن "البحث جار عنه". ويشير هذا التناقض إلى الحاجة لتوضيح الحكومة الموريتانية لنتائج جهودها وتحرياتها في هذه القضية، إن وجدت، والعمل على إطلاق سراح هذا المواطن في أسرع وقت ممكن.

 

- معاناة الطلبة الموريتانيين في الخارج: حيث قامت السفارة الموريتانية في مصر، 19 سبتمبر 2017، بعرقلة تسجيل مجموعة من الطلاب، بسبب امتناع ملحقها الثقافي من الموافقة على تسجيل الوافدين مِن مَن قَبِلتهم الجامعات المصرية.  كما دخل بعض الطلاب والمتدربين الموريتانيين بالجزائر إضرابا عن الطعام، في مارس 2017 احتجاجا على منعهم من حق الحصول على المنح الدراسية.

 

وضعية اللاجئين

يضمن القانون الموريتاني حق الحصول على اللجوء السياسي والإنساني. ويوجد أهم تجمع للاجئين في موريتانيا في مخيم "أمبره" في ولاية الحوض الشرقي. حيث يقيم نحو 50 ألف لاجئ مالي، منذ اندلاع مواجهات دامية بين جماعات مسلحة والقوات النظامية، مدعومة بفرنسا، فيما يعرف بحرب مالي عام 2012. ولا يزال أعداد اللاجئين الماليين يتزايد بشكل كبير، حيث نزح إلى موريتانيا في شهريْ سبتمبر وأكتوبر وحدهما 2017 حوالي 1798 لاجئ، حسب المفوضية السامية للاجئين، التابعة للأمم المتحدة. وتقول أرقام هذه المنظمة، 15 سبتمبر 2017، أنه يوجد بموريتانيا حاليا 51649 لاجئا في مخيم امبرة قرب باسكنو شرقي البلاد، بالإضافة ل 1580 لاجئا في المناطق الحضرية، و635 من طالبي اللجوء. وتتوزع جنسيات اللاجئين في موريتانيا على دول مالي، ووسط إفريقيا، وسوريا، وساحل العاج. فيما تشكل نواكشوط وانواذيبو ومخيم أمبرة مناطق تمركز اللاجئين في البلاد.

 

ويعاني لاجئو مخيم أمبره من ظروف إنسانية سيئة؛ من حيث الحصول على المياه الصالحة للشرب والغذاء والخدمات الصحية.. وهذا ما جعل ثلاث وكالات تابعة للأمم المتحدة تعمل في المجال الإنساني، منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ومكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الغذاء العالمي، توجه في فبراير 2016 نداءً إلى المانحين الدوليين لجمع تبرعات إنسانية لتقديم "المساعدة العاجلة"، محذرة من أن "التمويل الحالي" يغطي الحاجيات فقط حتى شهر إبريل من نفس العام.

 

الشفافية ومكافحة الفساد

من المعلوم أن هناك آثاراً سلبية للفساد على ضمان وحماية حقوق الإنسان وعلى التنمية. فبسبب طبيعة الترابط والتكامل في الحقوق فإن عواقب الحكم الفاسد تمس جميع حقوق الإنسان، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك الحق في التنمية. هذا طبعاً بالإضافة إلى تأثيره على التمتع بالحقوق المدنية والسياسية. حيث يؤدي الفساد في نظام سيادة القانون إلى إعاقة عمل القضاة والمحامين وضباط الشرطة والمحققين وهيئات الرقابة.. مما يخل بالحق في المساواة أمام القانون وفي المحاكمات العادلة. ويقوض بشكل خاص إمكانية وصول الفقراء والطبقات المهمشة إلى العدالة.

 

وعلى الرغم من الشعار الذي يرفعه النظام الحالى حول "محاربة الفساد"، والذي لم يخلُ من تأثيرات إيجابية على "المستويات القاعدية" في الإدارة الموريتانية، فإن الفساد والمحسوبية واستغلال النفوذ لا تزال منتشرة في الدوائر القريبة من مركز صنع القرار. وقد حلت موريتانيا في المركز 143، من أصل 140 دولة تم تقييمها من منظمة الشفافية الدولية "Transparency  International" ، حسب تقريرها الصادر 21 – 02- 2018.

 

وتقوم السلطات عادة بمنح الصفقات المهمة بصيغة التراضي، كما حدث في أكتوبر 2017 في صفقة بناء قصر المؤتمرات الجديد. مبررة ذلك أحيانا بحجة تمتع لجنة الصفقات ب "سلطة تقديرية"، وأحيانا أخرى بحجة أن المستفيد من ذلك مؤسسات حكومية، كالهندسة العسكرية، ATTM، ENER، وSNAT..

 

والواقع أن لجنة مراقبة الصفقات العمومية في موريتانيا نفسها لم تسلم من عدم الشفافية، في وسائل عملها المالية. حيث أنفقت ما يزيد على الميزانية السنوية المخصصة لها ب 25 مليون أوقية (قديمة)، في الربع الأول فقط من العام 2017. حسب معطيات نقلتها وكالة الأخبار المستقلة، 19 إبريل 2017، عن الموقع الإلكتروني للخزينة العامة.

 

وبرزت ملفات الفساد بشكل واسع، في العام 2017، في مؤسسات حكومية مهمة، كالشركة الوطنية للإيراد والتصدير "سونمكس" والشركة الوطنية لصيانة الطرق "ENER" والإذاعة الوطنية وشركة النقل العمومي والشركة الوطنية للماء SNDE وغيرها.. وهو الفساد الذي أدى إلى إفلاس وتصفية وتعثر مشاريع بعض هذه المؤسسات.

 

التمييز والانتهاكات الاجتماعية

العبودية ومخلفات الاسترقاق

قامت السلطات الحاكمة بتفعيل قرارها لعام 2015 بإنشاء ثلاث محاكم جنائية خاصة بقضايا الاسترقاق، فافتتحت أولى تلك المحاكم رسمياً في مايو 2016، في ولاية الحوض الشرقي. لتُتبعها بعد ذلك باثنتين، في انواكشوط (24-06-2016)، وانواذيبو (24-11-2016). مع أن الموقف الرسمي، وعلى لسان رئيس الدولة، ينفي وجود العبودية في موريتانيا بشكل نهائي. ولا يزال دور هذه المحاكم هزيلاً، حيث أريد لها ذلك على ما يبدو. بسبب ضعف بنيتها المادية والبشرية؛ فهي لا تمتلك قضاة تحقيق ولا شرطة متخصصة، على غرار نظيراتها المعنية بقضايا القصر والفساد والإرهاب والمخدرات مثلا، كما أن الطاقم القضائي لهذه المحاكم لم يخضع لأي تكوين في مجال هذا النوع من القضايا الجنائية. وكنا، في المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، قد وجهنا نداءً إلى السلطات الحاكمة منذ حوالي ثلاث سنوات، في مايو 2015، للمطالبة بجهاز أمني خاص بتعقب ممارسي هذه الجريمة. واعتبرنا أن الدولة بامتلاكها لمصادر المعلومات وبتعاون أجهزتها الإدارية والأمنية يمكنها، بوجود هذا الجهاز، أن تسرع من القضاء على هذه الظاهرة بشكل أكثر فعالية. وهو النداء الذي أكدته مشكورة هذا العام اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، فقالت في تقريرها الأخير:"وستكون المحاكم الجنائية المتخصصة في محاربة العبودية أكثر فعالية إذا ما قيم بحملات للتوعية والتحسيس وتم إنشاء شرطة مختصة فقط بملاحقة الممارسات الاسترقاقية".

 

ويعد موضوع العبودية العقارية من القضايا المزمنة في موريتانيا، والتي كثيرا ما تؤدي إلى نزاعات واستغلال يكون فيه العبيد السابقون هم الضحية، بسبب ضعفهم أمام قوة المال والجاه والنفوذ الإداري المستخدم ضدهم. وهي الممارسة التي حَولت جزءا كبيرا من الأرقاء والأرقاء السابقين إلى فقراء، رغم خدمتهم في الأراضي الزراعية في عشرات المدن والبلدات منذ عقود. وهذا ما عبر عنه النائب البرلماني محمد ولد أحمد سالم ولد طالبنا، في 07 يناير 2017: حين طالب بوقف كل أشكال الملكية الجماعية أو ملكية القبائل للأراضي الزراعية بموريتانيا، مضيفا أن مثل هذه الملكية الجماعية للأراضي الزراعية يكرس ظاهرة العبودية بالبلاد.

 

وتطرح المنظات الحقوقية والناشطون غير الحكوميين هذا الموضوع بانتظام منذ زمن طويل، بدون قيام السلطات بجهود جادة لحله بشكل جذري. وفي السنوات الأخيرة أصبحت حركة إيرا أبرز المدافعين عن هذه القضية، وكان ذلك من أسباب اعتقال رئيسها بيرام ولد الداه ولد اعبيد ونائبه إبراهيم ولد بلال، سنة 2014، لما يقارب الـ20 شهراً. وتعتقل السلطات الموريتانية منذ نهاية يونيو 2016 كلا من عبد الله معطل السالك وموسى بلال بيرام من نفس الحركة، في سجن بئر أم اكرين الذي يبعد 1200 كلم من مكان سكن أسرهما، على خلفية ما يعرف بأحداث گزرت ولد بوعماتو في انواكشوط، والتي تقول المنظمة إن النظام الحاكم قام ب "فبركة ملف" في أعقابها لحبس وتعذيب قادة الحركة، وثنيهم عن النضال ضد الظلم والتمييز وممارسة العبودية.

 

وفيما لا تزال العبودية ممارسة في موريتانيا، رغم غياب إحصاءات دقيقة، فإن مخلفات قرون من الاستعباد جعلت فئة لحراطين تعاني، أكثر من غيرها، تخلفا كبيرا ومشاكل بنيوية بسبب الفقر والجهل والتمييز. "فخلال الثلاثين سنة الماضية، وبفعل الرشوة والتحايل ونهب الأموال العمومية ومنح أفضل العقارات السكنية مع احتكار شبه كامل لامتلاك الأراضي الزراعية ورخص الصيد البحري، بالإضافة إلى تسخير عقود وقروض المحاباة من طرف البنوك ومؤسسات الدولة لجهات بعينها، تشكلت ثروة وطنية خاصة وحصرية لصالح السادة القدامى دون غيرهم، عن طريق استغلال الوظيفة الإدارية والسياسية الضامنة للإفلات من العقاب. وفي الوقت نفسه، تم إهمال وتجاهل تجمعات كاملة من لحراطين داخل 'آدوابه' و'الكبات' وتغييب مئات الآلاف من الأجيال المتتالية من هذه الشريحة خارج الزمان، في غياهب الثقوب السوداء للتجهيل والجور الغاشم"، حسب نص وثيقة نشرها ميثاق لحراطين من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نهاية إبريل 2013.

 

وقد اتهمت مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية "إيرا" المدعي العام في ولاية نواكشوط الجنوبية بأنه لجأ إلى الالتفاف والتمويه في ما أسمته "قضية رق من الدرجة الأولى". وقالت الحركة في بيان، 18 أكتوبر 2017، أن شرطيا يدعى جعفر ولد المختار اختطف عنوة سيدة تدعى ميمونة من العاصمة نواكشوط إلى مدينة أغشوركيت حيث يحتجزها، مُستنِدا إلى أنه "ابن  أسرة أسياد المجنى عليها". وأضافت بأن المدعي العام اكتفى "بتوجيه تهمة التهديد على الهاتف للشرطي في حق الزوج"، متهمة إياه بأنه سعى لتفريغ القضية من مضمونها القانوني. هذا وقد اعتبر بيان آخر للكونفـــدراليــة الحـرة لعمـال موريتــانيا، في 4 إبريل 2017، أن العبودية ما زالت تمارس بشكل دائم، وأن الإجراءات القانونية لم تمنع من ممارسة العبودية. وقال بأن ما يعرف "بالعبودية العقارية تطرح نفسها بإلحاح إضافة إلى انتزاع أراضي الحراطين والنزوج الموريتانيين تفاقمت كظاهرة في السنوات الأخيرة. كما تم سجن المناهضين للعبودية واتخذت ضدهم أحكام قاسية وظالمة".

 

وفي 16 مايو 2016، أدانت المحكمة الجنائية الخاصة بقضايا الاسترقاق في النعمة كلا من السيدين سيدي محمد ولد حننا وولد احمياده بممارسة الاسترقاق. فيما بررت عدم شمول الحكم لآخرين في نفس الملف بكونهم يسكنون خارج دائرة اختصاصها، في الشمال المالي. في حين تستمر بشكل واسع الحالات المشابهة للعبودية المباشرة وخاصة داخل البلاد، حيث يفتقد لحراطين إلى مهارات أو وسائل للعيش المستقل، ولا يملكون خيارا واضحا، غير البقاء مع أسيادهم والعمل لديهم بطابع استغلالي استعبادي، بدون عقود أو حقوق محددة، في الأعمال المنزلية والرعوية والزراعية.

 

وقد استمر السلطات الموريتانية في المماطلة القضائية في قضية الطفلين سعيد وبرك (11 سنة و 08 سنة على التوالي، تاريخ تقديم الملف). حيث لا يزال القضاء الموريتاني يماطل في هذه القضية بحجج من بينها عدم معرفة مكان وجود المتهم وغياب المدعي العام، على حد وصف منظمة نجدة العبيد (صاحبة الشكوى). هذا وكان المتهم الرئيسي في الملف أفرج عنه بعد أربعة أشهر دون علم الضحايا ومحاميهم. فيما ظلت نجدة العبيد تسعى لصدور حكم نهائي في هذه القضية خلال الفترة ما بين 2011 و2015، ولحصول الطفلين على التعويض الذي صدر به الحكم الابتدائي. والذي يصل مجموعه إلى 1.080.000 أوقية (قديمة). وقد رفعت نجدة العبيد ملف الطفلين سعيد ويرك إلى الهيئة الإفريقية لحقوق الإنسان. والتي أجرت تحقيقا بخصوصه وقدمت تقريراً في 15 دجمبر 2017 أشار إلى تقاعس الدولة الموريتانية عن تطبيق القوانين المجرمة للعبودية، وبأنها تتقاعس أيضا عن إجراءات التحسيس والإجراءات الاقتصادية والاجتماعية لاستئصال العبودية. وأمهلتها أجل 180 يوما لتقديم تقرير مفصل إلى اللجنة حول الخطوات التي تم القيام بها بهذا الخصوص.

 

وتوجد أمام المحاكم الموريتانية حاليا العشرات من الملفات القضائية، المتعلقة بقضايا عبودية، قدمتها منظمة نجدة العبيد، في النعمة وانواكشوط وأطار وانواذيبو. فيما لا تزال المحاكم الجهوية تعرقل مسارها، بحجة تعارض المهام وغياب الاختصاص..، وغير ذلك.

 

حقوق المرأة

يشكل الاغتصاب والعنف الأسري أهم الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة في موريتانيا. وازدادت ظاهرة الاغتصاب بشكل مقلق في السنوات الأخيرة، وخاصة ضد القُصَّر. وقد صدرت أحكام إدانة قضائية، حسب ملفات القضاء الموريتاني 2016، في 39 قضية اغتصاب. وتقول رابطة النساء معيلات الأسر إنها سجلت، في الأشهر الثمانية الأولى من 2016، 165 حالة اغتصاب. مما يعني ارتفاع معدلات هذه الجريمة في موريتانيا، إذا أخذنا بعين الاعتبار الطبيعة المحافظة للمجتمع وضعف عمل المنظمات الحقوقية في الداخل وكون الكثير من هذه القضايا تتم تسويتها بين أسر الطرفين قبل الوصول إلى القضاء. 

 

كما تشكل الصحة الإنجابية أهم التحديات بالنسبة للمرأة الموريتانية، حيث الارتفاع الكبير لنسب وفيات الأمهات والأطفال أثناء الولادة. وحسب إحصاءات وزارة الصحة الموريتانية، 23 أكتوبر 2017، فإن نسبة وفيات الأمهات وحديثي الولادة، على التوالي، 582 وفاة لكل مائة الف ولادة حية و29 وفاة لكل 1000 طفل مولود. وتعد موريتانيا من بين الدول التي تسجل بها أكبر نسب وفيات للأمهات والأطفال حديثي الولادة.

 

وفيما تغيب إحصائيات دقيقة عن حوادث التمييز ضد المرأة على مستوى العمل، ومقارنة التعويض المالي لها مقابل نظيرها الرجل في تأدية نفس الوظيفة، تشير كل الدلائل المتعلقة بارتفاع نسبة بطالة النساء وغياب قوانين الشغل الملائمة للمرأة من الناحية الاجتماعية والأسرية إلى وجود هذا التمييز ضدها على مستوى التشغيل، وخاصة في المؤسسات غير الرسمية والقطاع غير المصنف.

 

وفي ما يتعلق بالولوج إلى العمل، تشكل النساء العاملات نسبة 14.6% فقط من مجموع القوة العاملة في الوظيفة العمومية. وعلى الرغم من ذلك فقد تعززت المشاركة السياسية -على الأقل- للمرأة الموريتانية منذ حوالي عقد من الزمن، من خلال اعتماد نظام الكوتا (20%) للتمييز الإيجابي لصالح النساء. وهو إجراء يتيح لجزء من النخبة النسائية ولوجا أفضل للوظائف السامية في الحكومة والمؤسسات المنتخبة ولكنه لا ينعكس على واقع مئات الآلاف من النساء في البلاد، اللائي لا زلْنَ يعانين الفقر والتهميش والطبقية والرق ومخلفاته المستمرة منذ عقود.

 

حقوق الطفل

وقعت موريتانيا على العديد من الاتفاقيات المتعلقة بحقوق وحماية الطفل، إلا أن الواقع العملي لهذه الفئة التي تشكل 50.5% من السكان لا يزال مأساوياً. فقانون إجبارية التعليم خلال المرحلة الابتدائية غير مطبق، وخاصة بالنسبة للإناث. وتكون هذه الحالة أسوأ إذا ذهبنا إلى الداخل، وعلى مستوى فئة لحراطين بشكل أخص.

 

وقد خصصت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان تقريرها لعام 2016 (نهاية شهر أغسطس) لقضايا الطفل، ونشرت أرقاما مخيفة. حيث ذكر التقرير أن "نحو 300 ألف طفل دون سن 15 معرضون لمخاطر العنف والاستغلال والتمييز والتجاوزات والإهمال". وقال بأن "ما يزيد على ربع الأطفال (%26) بين 15 و 17 سنة يعملون".

 

وتقوم وزارة الشؤون الاجتماعية بمراقبة 17000 فقط من أصل حوالي 28000 ممن تقول إنها تسجلهم كأطفال مشردين. مع ملاحظة تزايد التشرد والتسرب المدرسي للأطفال خلال الأعوام الأخيرة.

 

وتعاني فئة الأطفال المتنازعين مع القانون بشكل خاص من انعدام برامج إعادة التأهيل الاجتماعي داخل السجون والمعتقلات، وغياب مراكز الاحتجاز المنفصلة عن البالغين في أغلب التراب الوطني. كما لا توجد في السجون الموريانية أي برامج استشفائية تعين متعاطيي المخدرات من المعتقلين على التخلص منها. بل إن تحوهلم إلى مدمنين داخل هذه السجون بات أسهل، بسبب انتشار المخدرات داخل تلك المنشآت. وقد وصف المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، بعد زيارة لبعض السجون الموريتانية في إطار تقرير أعده عنها عام 2015، أنها "باتت مدارس لتخريج المجرمين". ومع أن القانون الموريتاني لا يجيز حبس القُصر لأكثر من ستة أشهر في انتظار المحاكمة، إلا أن هذه الفترة الزمنية لا يتم احترامها في حالات كثيرة. 

 

وعلى الرغم من أن قانون الشغل يحدد سن 14 كحد أدنى للتشغيل، إلا أنه من الشائع عمالة الأطفال قبل هذا العمر، من خلال استغلالهم في الأعمال المنزلية وعلى عربات الحمير، وفي رعي الماشية داخل البلاد، وفي مجال اكتساب المهن اليدوية في المدن. كما يتم استغلال الأطفال (طلاب المحاظر) في التسول في الشوارع، وهي الظاهرة التي تكاد تكون منحصرة في فئة الهالبولار من المجتمع الموريتاني.

 

قضية لمعلمين

هناك غياب لخطوات جادة للحد من معاناة هذه الفئة من المواطنين، وللاعتراف بجهودها في بناء الدولة والمجتمع. كما يغيب أي جهد من طرف السلطات الحاكمة لتغيير الصورة التي أنتجت الظلم الاجتماعي والتمييز الواقع على هذه الفئة.

 

كما يلاحظ عدم توجيه سياسات تنموية جادة لقطاع الصناعة التقليدية والحرف، الذي يعيش على إنتاجه الغالبية العظمى من أسر هذه الطبقة الفقيرة،  وبوسائل بدائية لاتساعد على تطوير المنتج ولا الرفع من مستوى دخله الزهيد.

 

ويعيش هذا القطاع، الذي يُدار من قبل الغرفة الوطنية للصناعة التقليدية والحرف، حالة تهميش ممنهجة من قبل وزارة الثقافة والصناعة التقليدية. فقد انتهت مأمورية المكتب الحالي منذ 26/02/2016، إلا أن هذه الوزارة بالتوافق مع المكتب المنتهية ولايته لا تزال تماطل في تجديد هيئاته.

 

وقد وصلت المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان نداءات من ضحايا داخل هذا القطاع تشكو الحرمان المتعمد من الجهات الوصية، والإقصاء من المعارض الدولية، والتي كان  ٱخرها في معرض ميلانو الأخير، المنظم في 07/06/2016. حيث تم إقصاء مجموعة من الصناع التقليدين من قاعة المعرض، ليجدوا أنفسهم ومنتجاتهم المحلية خارجها، يتسكعون في الشوارع المجاورة. في حين كان أُطر ومسؤولو الوزارة الوصية يستأثرون بمساحات شاسعة من قاعة المعرض، يستغلونها للتجارة، وهم من تم ابتعاثهم من طرف الوزارة للسهر على تسهيل وتأمين مهمة عرض الصناع لمنتجاتهم. كما نبه لذلك رئيس الاتحادية الجهوية للصناعة التقليدية في مدينة نواذيبو على صفحته على الفيس بوك، مطالبا الجهات المعنية بالتدخل لإنصاف المقصيين من الصناع التقليديين في المعارض الدولية.

 

ويؤكد الناشط في حراك لمعلمين والممارس لمهنة الصناعة التقليدية والحرف محمد الأمين ولد الوافي للمرصد الموريتاني لحقوق الانسان أن مسؤولي وزارة الثقافة والصناعة التقليدية  دأبوا على بيع المساحات المخصصة للصناع التقليديين في كل المعارض التي تنظم حول العالم. وهو انتهاك واضح لحق هؤلاء الصناع لم تتقدم الجهات المعنية بحل له رغم تكرار النداءات والشكاوى من طرف ضحاياه.

 

أما مشكل النظرة الدونية التي تتجلى تاريخيا في الواقع الاقتصادي والسياسي المزري للمعلمين، فلا تزال تراوح مكانها دون إيجاد سياسات حقيقية تهدف للنهوض بالواقع الصعب لهذه الشريحة الاجتماعية. ولاتزال الصناعة التقليدية مهددة بالاندثار في ظل غياب الدعم اللازم للقائمين على إنتاجها، أو تكوينهم، أو توفير دور خاصة بهذه الصناعة.

 

الأشخاص ذوو الإعاقة

يجرم القانون الموريتاني التمييز بين الأشخاص بسبب الإعاقة، على مستوى التشغيل والتعليم والصحة والتنقل.. وعلى الرغم من ذلك لم تبذل السلطات حتى الآن جهدا يذكر في تسهيل تنقل الأشخاص ذوي الإعاقة، وتكييف مداخل المباني العمومية بشكل يلائم هذه الفئة من المجتمع، كما ينص عليه القانون. بل من المفارقة أن الوزارة المعنية بهذه الفئة (وزارة الشؤون الاجتماعية) لم تلتزم بعد بهذا القانون، ولم تكيف مداخلها بشكل يسمح بتنقل الأشخاص ذووي الإعاقة. ومع ذلك ألزمت الحكومة نفسها عام 2016، ولأول مرة، باكتتاب 100 شخص من ذوي الإعاقة. من بينهم 19 من مفتشي الشغل ينتهي تكوينهم نهاية عام 2017، حسب تقرير وزارة الخارجية الأمريكية الخاص بموريتانيا لعام 2016. كما تقوم السلطات ببعض التدريب المحدود للبالغين من هذه الفئة من خلال دعم بعض المشاريع الصغيرة. إلا أنه لا توجد إلا مدرسة ابتدائية واحدة (على مستوى التراب الوطني) لتدريس الأطفال ذوي الإعاقة السمعية والبصرية.

 

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

تمثل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ضمانة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية التي يتوفر الإنسان فيها على حقوقه كإنسان، له حق التأمين ضد المرض والفقر والعجز عن العمل والتخلص من البطالة، بخلق فرص العمل والإنتاج لخدمة المجتمع، والحصول على الرعاية الصحية. وهي حقوق جاءت متأخرة نسبيا عن الحقوق السياسية والمدنية، إلا أنه لا معنى لتلك الحقوق، دون حصول الشخص على الضرورات الإنسانية التي تمكنه من حياة كريمة كما أراد له خالقه.

 

وهذا ما كرسه الدستور الموريتاني، حيث نصت المادة 12 منه على أنه:" يحق لكافة المواطنين تقلد المهام والوظائف العمومية دون شروط أخرى سوى تلك التي يحددها القانون". ونصت المادة(13) أنه: "لا يجوز إخضاع أي أحد للاسترقاق أو لأي نوع من أنواع تسخير الكائن البشري أو تعريضه للتعذيب أو للمعاملات الأخرى القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة. وتشكل هذه الممارسات جرائم ضد الإنسانية و يعاقبها القانون بهذه الصفة. ويعتبر كل شخص بريئا حتى تثبت إدانته من قبل هيئة قضائية شرعية. تصون الدولة شرف المواطن وحياته الخاصة وحرمة شخصه ومسكنه ومراسلاته".  

 

غير أن ما يكرسه القانون من حقوق عامة لا يجد من حيث الإجراءات والقوانين التفصيلية ما يدفع به إلى الأمام ليجسده على الأرض. ومع أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية منصوصة في الدستور منذ العام 1991 إلا أن المؤسسات المنبثقة عن العمل الحكومي، والتي تستجيب لتحديات الشرائح الأوسع من الفقراء والمحرومين لم تنشأ إلا بعد عقدين من ذلك.

 

وعلى الرغم من كثرة الموارد الطبيعية، وقلة الكثافة السكانية، لا يزال مئات الآلاف من الموريتانيين يعانون من نقص مياه الشرب وضعف التغطية الصحية وانهيار شبه شامل لمؤسسات التعليم.  فقد قال برنامج الغذاء العالمي التابع لمنظمة الأمم المتحدة، في 5 أكتوبر من هذا العام، إن 745000 موريتاني يعانون من نقص في الغذاء، من بينهم 130 ألفا يعانون من نقص تغذية حاد. وذلك بناء على مسح أجرته المنظمة في يناير 2017، ذكرت فيه أن المعاناة من نقص التغذية تتركز في ولايات جنوب وشرق البلاد أكثر من غيرها. حيث تصل نسبة نقص الغذاء في الحوض الشرقي 26,8% وهي النسبة الأعلى من بين الولايات الموريتانية، فيما وصل نقص الغذاء إلى 25% في تگانت، و22% في لعصابة، و22% في گيديماغا، و19% في البراكنة، و18% في گوروگول. في حين ذكرت السلطات الحاكمة على لسان والي ولاية اترارزه، 11 شباط 2017، أن مستوى الفقر في موريتانيا انخفض من نسبة 42% بالمائة إلى 31% خلال السنوات الخمس الماضية.

 

وقد ظلت هناك على الدوام فجوة كبيرة بين ما تنص عليه القوانين وما تقوم الحكومة بعمله على أرض الواقع. وهذا ما لاحظه مقرر الأمم المتحدة الخاص بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، فيليب ألستون، من خلال زيارته لموريتانيا في مايو 2016، بدعوة من نظامها الحاكم. فقد قال في تقريره بأن هناك غيابا للتطبيقات القانونية لما ورد النص عليه في الدستور من حقوق اقتصادية واجتماعية. واستخلص أنه عوض أن تقوم السياسات الوطنية للبلاد على الحقوق، يبدو أنها تتركز أكثر على منطق الأعمال الخيرية المقدمة لمواطنيها. وقلل آلستون من أهمية "إستراتجية النمو المتسارع والرفاه والمشترك" قائلا: "في حين رسم وزير الاقتصاد والمالية رؤية إنسانية مثيرة للإعجاب، لا تزال هناك فجوة هائلة بين هذه الرؤية والحقائق على أرض الواقع .. وستواصل استراتجيات على غرار إستراتجية النمو المتسارع، وهي الآن قيد العمل، إحداث فارق ضئيل إلى أن يتم الاعتراف بالحقوق الاجتماعيةوالاقتصادية على أنها حقوق إنسانية، وحتى يتم استهداف الأشخاص الأفقر من بين الأشخاص القابعين في الفقر المدقع".

 

كما أشار الخبير الأممي لمأساوية الوضع الصحي في جيوب الفقر بالمناطق النائية. والتي ينقل فيها المرضى بعربات تجرها الحمير لعشرات الكيلومترات في بعض البلدات، وحتى إن توفرت سيارات فإنها في الغالب تتطلب مبالغ مالية لا تتوفر بالضرورة للأهالي. وسجل غياب الأوراق المدنية من أيدي الفقراء في مناطق الفقر التي تشكل 44% بالمائة. حيث تبلغ نسبة الفقر في الأسر التي تعتمد على الزراعة والمواشي (59% - 41.8 %)، ولا يتمكن سوى أقل من عشرة 10 % من الأطفال من الالتحاق بالتعليم الثانوي.

 

حق العمل

حسب تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية لعام 2016، فإن نسبة البطالة في موريتانيا هي 31.1%. في حين يصر النظام الحاكم على أن نسبة البطالة  تبقى في حدود 10%، مع تناقض الأرقام الرسمية المقدمة من قبل السلطات المعنية أحياناً. وعلى الرغم من أن القانون الموريتاني يضمن حرية الانضمام إلى الاتحادات العمالية، إلا أن الحكومة تمارس ضغوطات منتظمة على العمال المنتسبين لهذه النقابات، للتأثير على آرائهم تجاه سياساتها العمالية. وقد لوحظ في السنوات الأخيرة تزايد في الإضرابات العمالية المطلَبية في عدة قطاعات عمومية وشبه عمومية، وهو ما ازدادت وتيرته خلال عام 2017. ومن أبرز القطاعات التي شهدت إضرابات واسعة خلال هذا العام: قطاع التعليم (الطلاب، أساتذة التعليم الأساسي والثانوي والجامعي)، وقطاع الصحة، وجرنالية انواذيبو، والحمالة، وعمال الصيد والمناجم. في حين تقول السلطات الموريتانية، في مجال حماية حقوق الحمالة، بأنها قد قدمت تحفيزا ماليا ل 2160 حمالا من حمالة ميناء انواكشوط، بمبلغ إجمالي يتجاوز 77.100.000 أوقية (جديدة). و أن "العمل جار على مستوى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من أجل استكمال إجراءات منح المعاشات للمعنيين"، حسب رئيس الوزراء الموريتاني 26 يناير 2018.

 

كما لاحظ المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان خلال عام 2017 استمرار الفشل في تطبيق قوانين الشغل، وانتهاك الحقوق المتعلقة بعقود العمل، والحد الأدنى للأجور، وصندوق الضمان الاجتماعي، وصندوق الضمان الصحي، وتحديد ساعات العمل، اولعطل الأسبوعية والسنوية.. فعلى الرغم من أن قانون الشغل يحدد ساعات العمل في غير الزراعة ب 40 ساعة أسبوعياً إلا مع توفير خيار "مضاعفة التعويض"، كما يضمن القانون لجميع العمال الحق في عطلة 24 ساعة أسبوعياً، إلا أن هذه الحقوق لا يتم الالتزام بها من طرف المشغلين، في حين لم تسع وزارة الشغل المسئولة عن إنفاذ القانون من خلال مفتشيها إلى العمل على توفير هذه الحقوق أيضاً. وعلى الرغم من أن هذه الانتهاكات موجودة في أغلب القطاعات، إلا أنها أوضح في القطاع التجاري غير المصنف؛ محصلي الباصات والبائعين المتجولين وعمال المحلات التجارية والصيد التقليدي وغيرها.

 

ويغلُب، في القطاعين الرسمي والخاص، التوظيف والاكتتاب على أساس القبلية والمحسوبية والولاء السياسي. وهو ما يدفع ثمنه بشكل أساسي أبناءُ الطبقات الفقيرة والمهمشة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك هذا العام، اكتتاب دفعة من ضباط الشرطة، تضم 15 مفتشا، دون الإعلان عن مسابقة لاختيار أعضائها، في سبتمبر 2017.

 

من ناحية أخرى، استمرت الانتهاكات المتعلقة بالطرد التعسفي للعمال، والتسريحات الجماعية المتتالية. هذا علاوة على الوفيات نتيجة غياب متطلبات الصحة والسلامة المهنية وخاصة في شركات المعادن، في ظل غياب التأمين ضد حوادث الشغل. وقد نقل تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لحقوق الإنسان في موريتانيا لعام 2016 عن الكونفدرالية العامة للعمال الموريتانيين أن "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سجل حتى ديسمبر 2016 ما مجموعه 181 حادثة شغل، ما بين وفيات وإصابات، 89 منها في قطاعات التصنيع والمعادن."

 

فيما سجل المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان هذا العام، بشكل خاص، تزايداً في حوادث الشغل المرتبطة بالتنقيب اليدوي عن الذهب. في ظل الظروف المعيشية السيئة للعمال وانعدام وسائل الإنقاذ والإسعاف الضروري. حيث وصلت الوفيات بسبب انهيار آبار التنقيب، حتى نهاية 2017، ما يزيد على 30 قتيلاً.

 

الحق في الصحة

يعاني القطاع الصحي في موريتانيا من ضعف الخدمات بشكل عام، بل وغيابها في أجزاء واسعة من الداخل. وتشكل الصحة الإنجابية أهم التحديات بالنسبة للمرأة الموريتانية، حيث الارتفاع الكبير لنسب وفيات الأمهات والأطفال أثناء الولادة. فحسب إحصاءات وزارة الصحة الموريتانية، 23 أكتوبر 2017، فإن نسبة وفيات الأمهات وحديثي الولادة، على التوالي، 582 وفاة لكل مائة الف ولادة حية و29 وفاة لكل 1000 طفل مولود. حيث تعتبر موريتانيا من بين الدول التي تسجل بها أكبر نسب وفيات للأمهات والأطفال حديثي الولادة.

 

وتنتشر الأدوية المزورة بشكل واسع في موريتانيا، بل إن وزارة الصحة في تقرير سري لها، نشرته وكالة الأخبار المستقلة 22 أكتوبر 2017، قالت بأن البلاد تحولت إلى "منصة عائمة لتوزيع الأدوية المزورة في المنطقة". وأنه يتم سنويا "تسويق عشرات الأطنان من الأدوية المزورة" في موريتانيا. كما تعتبر حمى الملايا والضنك والتهاب الكبد الفيروسي من الأمراض المستوطنة في البلاد. فيما قالت  المديرة الجهوية لمنظمة الصحة العالمية في إفريقيا الدكتورة ماتشي دي شو مو أتي، خلال مؤتمر صحفي في انواكشوط 8 دجمبر 2017، أن غالبية المواطنين الموريتانيين يبعدون عن المراكز الصحة مسافة تصل حوالي 100 كلم، وأن ذلك يعيق جهود إيصال الخدمات الصحية لعدد كبير من السكان.

 

ويوجد في موريتانيا حاليا، حسب تصريح لوزير الصحة الموريتاني كان بوبكر في 12 أكتوبر 2017، حوالي 800 طبيب، أي بمعدل طبيب لكل 4000 مواطن. كما أن معدل العمر (متوسط العمر المأمول عند الميلاد) وصل 62/65 سنة (نساء/رجال)، حسب تقرير منظمة الصحة العالمية لعام 2015. ومع ذلك لا يزال الكثير من المواطنين يضطرون للسفر إلى الخارج من أجل خدمات صحية بسيطة، بسبب ضعف المجال الاختصاصي أو غيابه أو سوء الخدمة المقدمة. وقد لا حظ مقرر الأمم المتحدة الخاص بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، فيليب ألستون، من خلال زيارته لموريتانيا في مايو 2016، الوضع الصحي الصعب، في جيوب الفقر بالمناطق النائية، والتي ينقل فيها المرضى بعربات تجرها الحمير لعشرات الكيلومترات في بعض البلدات. وحتى إن توفرت سيارات فإنها في الغالب تتطلب مبالغ مالية لا تتوفر بالضرورة للأهالي.

 

حق التعليم

تتزايد الأمية في موريتانيا بشكل مقلق، حيث بلغت سنة 2014 نسبة 42% حسب تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. وهو ما يزيد على ضعف نسبة الأمية في الوطن العربي، والتي قدرت بحوالي 20 في المائة نفس العام. وذلك بعد أن كانت هذه النسبة تمثل  35.6 % سنة 2008.  فيما تجنب رئيس الوزراء الموريتاني خلال عرض حصيلة عمله أمام البرلمان لهذا العام، 26 يناير 2018، الحديث عن الحجم الحالي لانتشار الأمية في موريتانيا، في حين وعد بتقليص نسبتها بحلول عام 2020 إلى 23%.

 

وعلى الرغم من أن القانون الموريتاني 2001/054 ينص على إجبارية التعليم الأساسي للأطفال البالغين من 6 إلى 14 سنة، إلا أن هذا الأمر لا يتم العمل على إنفاذه من قبل السلطات ولا الالتزام به من قبل المربين، وخاصة بالنسبة للإناث. وتكون هذه الحالة أسوأ إذا ذهبنا إلى الداخل، وعلى مستوى فئة لحراطين بشكل أخص.

 

ويعتبر التعليم العمومي مجانيا في موريتانيا، إلا أن  ملحقاته من كتب ولوازم مدرسية، تجعله غير متاح لكثير من الفقراء. هذا بالإضافة إلى ضعف شبكة البنى التحتية العلمية في الداخل،  حيث يلزم التنقل من مدينة إلى أخرى من أجل إكمال مراحل مبكرة من تعليم الأطفال.

 

في المقابل سجلت وكالة الأخبار المستقلة، في تقرير لها 12 يونيو 2017: "تزايد أعداد المشاركين في الامتحانات الدراسية بموريتانيا". وقالت بأن نسبة المشاركة في كل من امتحانات الباكلوريا وشهادة ختم الدروس الإعدادية ومسابقة دخول السنة الأولى من الإعدادية، تزايدت سنة 2017، مقارنة بسنة 2016، وخاصة بالنسبة للبنات. هذا في ما لا يتمكن من الالتحاق بالتعليم الجامعي، منذ عدة سنوات، إلا أقل من نسبة 10% من المشاركين في امتحانات الباكلوريا.

 

وتعاني مستويات طلاب التعليم الجامعي كذلك من الضعف الشديد. حيث لم يتجاوز مثلا في امتحانات الفصل الأول للعام الدراسي 2016-2017 أيا من طلاب أحد أقسام القانون العام بجامعة انوكشوط، والبالغ عددهم أكثر من 400 طالب. هذا وصُنفت موريتانيا كأسوء دولة في العالم من حيث جودة التعليم، من خلال مؤشر التعليم العالي والتدريب لعام 2017-2018، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. حيث جاءت في المرتبة الأخيرة (137).

 

المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان - نواكشوط: مارس 2018.