مختارات من تويتر

جاري التحميل ...

على مدار الساعة

التقرير الحقوقي الخاص بموريتانيا لعام 2015

30 مارس, 2016 - 17:30

شهد العام 2015 حراكاً للملف الحقوقي في أبعاده المختلفة ومساراته المتعددة. ولا تزال قضايا مثل: العبودية ومخلفاتها، وحرية الرأي والتجمع، ووضعية السجون والحبس التحكمي، وملف السجناء السلفيين، وفشل تطبيق قوانين الشغل، أهم القضايا الحقوقية الرئيسية على الساحة الموريتانية.

 

وعلى مستوى الأداء النضالي حدثت خلال هذا العام تطورات مهمة ونشاط غير مسبوق لعمل المنظمات والجمعيات الحقوقية، خصوصا على مستوى مناهضة الإسترقاق. كما حدث، على مستوى العمل الحكومي، العديد من التحسينات القانونية والتشريعية المتعلقة بحقوق الإنسان، صحبها حراك واسع على المستوى الدبلوماسي وفي أروقة المنظمات الدولية من أجل التأثير على الصورة المنعكسة من الداخل عن أداء الحكومة والنظام، خصوصا على مستوى الأمم المتحدة والجمعيات الملحقة بها.

 

وسنتوقف مع المحاور التالية في هذا التقرير، لمناقشة وضعية حقوق الإنسان في موريتانيا خلال عام 2015:

 

على المستوى التشريعي والمؤسساتي

 

1- القوانين والتشريعات المتعلقة بحقوق الإنسان:

على الرغم من أن أزمة الحريات العامة وحقوق الإنسان في موريتانيا هي أزمة تطبيق القوانين على أرض الواقع، وتحسين هذا الأخير بناءً على تلك القوانين، أكثر من كونها أزمة غياب للنص التشريعي، إلا أن وجود هذا السند القانوني -في جانبه الإيجابي يشكل داعما أساسيا لأي نضال حقوقي على الأرض ومؤسِّس مهم لعدالة حقوقية مستقبلية متى ما وُجدت الإرادة الصادقة لتنفيذ القانون ووضع متطلبات حقوق الإنسان موضع التنفيذ. كما أن جانبه السلبي أيضا عامل مساعد على الحد من الحريات العامة وانتهاك حقوق الإنسان. وفي هذا الإطار وعلى المستوى القانوني، يمكن القول بأن سنة 2015 كانت سنة حقوقية تشريعية.

 

وفيما يخص التحسن الجزئي المسجل في الجانب القانوني والتشريعي، قد تم خلال هذه السنة:

 

- المصادقة على القوانين المتعلقة بعقوبات ممارسة العبودية، وجعلها تتماشى مع المتطلبات الدولية، وإقرارها جريمة ضد الإنسانية. كما تم خلالها إنشاء ثلاث محاكم جنائية خاصة للنظر في قضايا العبودية.

- المصادقة على قانون المساعدة القضائية بما ينطوي عليه من آليات مهمة لتمكين الشرائح الهشة من المتقاضين من امكانية الحصول على حقوقهم بمساعدة الدولة وجهازها الإداري والتشريع من خلال تحمل التكاليف المادية لإجراءات التقاضي.

- المصادقة قانون مناهضة التعذيب، وتجريم المتاجرة بالأشخاص.

 

وفيما يتعلق بالحد من الحريات العامة:

- صادق البرلمان، الذي تمتلك فيه السلطات أغلبية مريحة، على قانون المعلومات والجريمة السبرانية، الذي يهدف إلى تشديد الرقابة على الإنترنت، واحتوى العديد من المواد التي يمكن الاستناد إليها للحد من حرية التعبير.

 

- قدمت السلطات قانون الجمعيات خلال هذه السنة إلى البرلمان، وإن كان هذا الأخير أجل نقاشه لوقت لاحق. وهو القانون الذي سيحد، إذا ما تمت المصادقة عليه، من حرية إنشاء الجمعيات، وينذر بوضعية مقلقة فيما يتعلق بخنق الحريات في البلاد.

 

2 - اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان:

وبخصوص اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان المؤسسة في سنة ٢٠٠٦، فإنها لم تستخدم بعد كل الصلاحيات المخولة لها، لمتابعة ورصد الانتهاكات المستمرة في مجال الحقوق المدنية والسياسية. ولم يسجل لها موقف قوي وحازم، لاسيما في مواجهة الاعتداءات والاعتقالات والمحاكمات المسيّسة، التي ما انفك المعارضون وناشطو حقوق الإنسان يتعرضون لها.

 

بل ويلاحَظ عليها في أحيان كثيرة التماهي مع خطاب السلطة وضعف تعاطيها مع الساحة الحقوقية، وضعف التفاعل مع أصحاب المظالم خصوصا قضايا الرق والإرث الإنساني ومختلف الانتهاكات المسجلة في المجال الحقوقي، مع أن اللجنة شكلت في الأصل لتكون جهازا شبه مستقل عن الحكومة، رغم أنها حكومية النشأة والتمويل، وهي مطالبة بإصدار التقارير الموضوعية لإطلاع السلطة على مواطن الخلل والانحراف في مجال حقوق الإنسان. وينص المرسوم المنشئ لها على أن تعزَّز تلك التقارير بإصدار توصيات، تُتابَعُ من قبل هذه اللجنة حتى يتم تنفيذها. كما لا يزال دور اللجنة ضعيفاً جداً، وخاصة على مستوى المناطق الداخلية.

 

الحقوق المدنية والسياسية

 

1 - ملف العبودية

وصل النقاش حول ملف مكافحة العبودية والاسترقاق وآثاره آفاقا بعيدة وعرف هذا التحدي عدة تطورات، من أسوئها الحكم بالسجن لمدة سنتين نافذتين على رئيس مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية (إيــرا)؛ الحركة التي تنشط في مجال مكافحة الاسترقاق ومخلفاته. فرغم الإعلان الشكلي للتحرير، منذ العام 1981، رسميا من طرف الحكومة إلا أن جيوب ممارسة الرق ظلت مستمرة وتراكمت معها مشكلات جديدة تتعلق بآثار الرق ومخلفاته. حيث تزايد عدد هذه الشريحة في العقود الأخيرة لتشكل مجتمعا واسعا يعيش أغلبه في "جيتوهات" معزولة في أحزمة الفقر المنتشرة في المدن الكبرى في البلاد.

 

مع تزايد الأصوات الحقوقية المنادية بمعالجة جذرية لقضية واقع العبودية واستمرار وتمدد الظاهرة ومخلفاتها، بدأت الحكومة الموريتانية في حراك قوي اتجه لمنافسة الأطر الحقوقية الوطنية في إعادة طرح القضية وإعادة تعريفها بما يجعل الحكومة غير مسئولة عن واقع هذه الظاهرة، واتجه الجهد الحكومي لوضع ما سمي بخارطة الطريق للقضاء على الرق ومخلفاته.

 

غير أن الحديث عن هذه الخارطة ظل يجري داخل الأروقة الرسمية وفي أثناء التعاطي مع المنظمات الحقوقية الدولية دون أن يتم وضعها موضع التنفيذ الفعلي إلا فيما يخص إجراء تعديلات على قوانين وجوانب من تشريعات تلامس المجال، لم تخضع بما فيه الكفاية للتشاور مع الفاعلين الحقوقيين ولا مع المنظمات الأهلية وإنما تم تقديم هذه القوانين للبرلمان وتمت المصادقة عليها وإقرارها، حيث استفادت الحكومة من أغلبيتها داخل البرلمان لتمرير هذه التشريعات بسهولة. ويرى الحقوقيون الناشطون في الميدان أنها لو أخضعت لتشاور جدي لكانت ربما من أهم ما يمهد لبناء جوانب قانونية وحقوقية قد تسهم في حل الإشكالات الفعلية التي تعيشها الشريحة المسترقة.

 

وفي مجال الحريات المرتبط بهذا الملف تم توقيف ثلاثة حقوقيين هم بيرام ولد الداه ولد اعبيدي رئيس انبعاث الحركة الانعتاقية إيرا ونائبه ابراهيم ولد بلال ورئيس منظمة "كاوتال" جيبي صو، و تمت محاكمتهم في أواخر دجمبر 2014 ، ليصدر الحكم عليهم في 15 يناير 2015. وقد وجهت لهم تهم "التجمهر غير المشرع والدعوة إليه" و" الانتماء لمنظمة غير مرخصة" و" العصيان غير المسلح".

 

وقد أدانت العديد من الهيئات والمنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية الحكم ونددت بما ترتب عليه من نقل السجناء إلى مدينة ألاگ، بعيدا عن قاضيهم المختص في روصو، ومن بين تلك المنظمات المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، الذي أكد في أكثر من مناسبة "تضامنه مع معتقليْ إيرا وطالب بالإفراج الفوري عنهما وإنهاء سجنهما التعسفي".

 

وقد اطلع وفد من المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان من خلال زيارة ميدانية، 4 ابريل 2015، على وضعية السجناء في ألاگ، واتضح أن ثمة الكثير من النواقص فيما يتعلق بهذه المنشأة، وبعدم السماح للسيد بيرام ولد الداه ولد اعبيدي من معاينة طبيب اختصاصي (حيث تستدعي ذلك حالته الصحية)، ومنع السجناء من التشمس وممارسة الرياضة. وطالب المرصد بإطلاق سراح الحقوقيين وتمكينهم من العلاج، مع التأكيد على سوء وضعية هذا السجن.

 

في 26 يونيو تم الإفراج عن المعتقل جيبي صو رئيس منظمة كاوتال الحقوقية إثر نقله للمستشفى وإجراء عملية له وبعد ضغط واسع من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية.

 

وفي ظل الحملة الإعلامية التي قام بها المرصد، رفقة مجموعة من المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، قامت السلطات الموريتانية في الأخير بالاستماع لمعاناة السجناء في ألاگ، وتم ترحيلهم في 12 نوفمبر 2015 إلى نواكشوط، ليتمكن السيد بيرام ولد الداه ولد اعبيدي ونائبه ابراهيم ولد بلال من العلاج ومن لقاء ذويهم بشكل أفضل. كما اتضح من خلال هذه الخطوة أن صحة ولد اعبيدي، كما أكد الأطباء كانت في خطر بألاگ، وهو ما أعلن عنه وأوضحه المرصد في أكثر من مناسبة.

 

ورغم نفي الرئيس ولد عبد العزيز (نوفمبر 2015) وجود ممارسة العبودية في موريتانيا، إلا أن استمرار تقديم مثل هذه القضايا إلى العدالة، وتكييفها قضائيا على أنها حالات استرقاق يفند تلك المزاعم. وهذا ما جعل تنظيمات حقوقية وسياسية عديدة تنتقد هذه التصريحات وتعتبرها مخالفة للواقع، حيث أعلن حزب التحالف الشعبي التقدمي، الذي يقود إحدى الكتل السياسية الهامة، عن حالات عبودية في الحوض الشرقي وردّ في بيان له على تصريحات ولد عبد العزيز بالقول: "أن النفي الرسمي لظاهرة العبودية الوارد في تصريحات رئيس الجمهورية مازال يسبب موجة من السخط المتواصل داخل الرأي العام الوطني"، و أوضح "أنه فيما تتكرر تصريحات نكران العبودية في موريتانيا، فإنه يكشف للرأي العام عن ثبوت حالات جديدة من الاسترقاق ضحيتها المواطنة فاطم منت زايد وأبناؤها الأربعة المستعبدون في بلدة "أوتيد الطلحاية"، بولاية الحوض الشرقي". وأدان الحزب بقوة في بيانه ما أسماه "قرار الدولة الجلي في الوقوف سدا منيعا في وجه ظهور موريتانيا مجردة تماما من الإقصاء والتهميش".

 

وفي أواخر دجمبر (30-12-2015) أعلنت منظمة نجدة العبيد الناشطة في مجال مكافحة الاسترقاق أن أكثر من 10 أشخاص يتعرضون لممارسات استرقاقية في الحوض الشرقي (وكانت قد أعلنت قبلها في مايو 2015 عن حالات استعباد أخرى في ازيرات)، مما يؤكد وجود العبودية داخل البلاد، رغم عدم إقرار الحكومة بالأمر (تم الكشف خلال عام 2015 عن أكثر من 20 حالة استعباد في موريتانيا). وكنا في المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان قد طالبا في مايو 2015 "باستحداث جهاز أمني خاص لتعقب جرائم العبودية، إنفاذا للقانون ومحاربة للظاهرة بشكل أكثر فعالية" وقلنا إنه "ليس من الممكن أن تبقى الدولة الموريتانية، في ظل محاربتها لهذه الظاهرة والبحث عن ممارسيها، تعتمد على الإمكانيات المحدودة للمنظمات الحقوقية".

 

وشهد العام 2015 بروز مشكلة عاملات المنازل "الحرطانيات" في المملكة السعودية، وانتهاك حقوقهن هناك والإخلال بالعقود التي على أساسها تم تشغيلهن. وعلى أساس ذلك تأسست "المبادرة الشعبية المناهضة انتهاك حقوق الحرطانيات العاملات في السعودية"، والتي نظمت وقفات واحتجاجات أمام السفارة السعودية بنواكشوط مطالبة بوقف ابتعاث العاملات من شريحة لحراطين إلى هذه الدولة، واستعرضت المبادرة في بيانها الصادر 04-09-2015 مجموعة من العاملات تمت إعادتهن للبلاد بناء على رغبتهن، يقلن فيها إن هن وعدن بالحج ولم يتحقق الوعد، وأن الالتزامات الواردة في العقد لم يجر الالتزام بها. ولم تقم السلطات بتقديم أي تقرير حول هذه الحالات، التي تشكل نوعا من السخرة والاستغلال الإنساني، تجرمه القوانين المحلية والدولية .

 

 2 - حرية الرأي والتعبير

تراجعت حرية الرأي والتعبير خلال العام 2015 مقارنة بالسنوات الماضية، فقد عرفت هذه السنة:

 

- مضايقة واضحة للصحفيين والإعلاميين من خلال استجواب عدد منهم، والاعتداء عليهم أثناء تأديتهم لمهامهم، كما حصل أثناء تغطية محاكمة بيرام ولد الداه ولد اعبيد ورفاقه في روصو، إذ تم الاعتداء على صحفييْن هما: المصور من قناة المرابطون خليفة سي الذي أصيب في الرأس، والصحفي أحمد محمد المصطفى مراسل وكالة الأخبار الإلكترونية الذي اعتدت عليه الشرطة بالضرب أثناء نقل وقائع المحاكمة.

 

- وفي فبراير 2015 استدعت الشرطة (مرتين) الصحفي أحمدو ولد الوديعة مدير مؤسسة السراج للإعلام والنشر وذلك بعد نشر موقع الصحيفة على الإنترنت معلومات حول قضية موريس بنك، وتم إبلاغه من طرف الشرطة القضائية بضرورة مثوله أمام وكيل الجمهورية.

 

كما تم في فبراير 2015 الاعتداء على الصحفي حنفي ولد دهاه مدير موقع تقدمي من قبل أشخاص ينتمون لدوائر النفوذ في النظام، وقد تعرف على بعضهم وتقدم بشكوى منهم إلى العدالة، بدون أن تجد تعاطيا إيجابيا من السلطات. وفي نفس الأسبوع تم إيقاف الصحفي عزيز ولد الصوفي من قبل الشرطة أثناء تصويره وأخذه تصريحات من رواد المستشفى الوطني بنواكشوط للقيام بتقرير حول الخدمات الصحية.

 

كما قامت إدارة أمن الدولة نتوقيف الصحفي مولاي ابراهيم ولد مولاي احمد، المدير الناشر لموقع البيان الصحفي، في قضية تتعلق بالنشر (21 ابريل 2015)، واعتقلت وحدة من حرس أركان الجيش الصحفي بوكالة الأخبار الإلكترونية أحمد محمد المصطفى (15 يوليو) بعد تصويره لاختناق مروري في تقاطع الطرق الذي يقع به مقر قيادة أركان الجيش وسط العاصمة نواكشوط، وقد أفرج عنه بعد ثلاث سعات من الاعتقال والتعرض للإهانة الجسدية والنفسية، كما تم استدعاء الصحفي عبد الله ولد سيديا من قبل الأمن السياسي (يوليو 2015).

 

- كما أقدمت السلطات في 17 سبتمبر على وقف برنامج "صحراء توك" الإذاعي لمدة شهر، بحجة مخالفة البرنامج لدفتر التزامات ونظم الهيئة العليا للصحافة والسمعيات البصرية "هابا".

 

وفي هذا السياق أيضا أوقفت شركة البث الإذاعي والتلفزيوني الموريتاني بث ثلاث تلفزيونات خصوصية بحجة أنها لم تسدد دفعة مقررة من تكاليف البث، وهو ما اعتبر من طرف هذه القنوات نوعا من الاستهداف والتمييز لأن قنوات أخرى محسوبة على نافذين في السلطة لم يجر إيقاف بثها نتيجة للحماية والحصانة السلطوية التي تتمتع بها.

 

- وقد وصل مجمل الحالات التي تعرض فيها الصحفيون للاستجواب والاعتداء والإيقاف أكثر من ثلاث عشرة حالة، وقد أدانت النقابات والهيئات الصحفية هذه التهديدات الموجهة للحريات الإعلامية والصحفية و قد واكبها المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان وأوصل للجهات المعنية والرأي العام خطورة هذه الاعتداءات على مسار الحريات العامة في البلاد وما يشكله من تراجع خطير على مستوى هذه المكتسبات. ومما يعني أن التقارير الدولية التي تشير إلى تقدم موريتانيا على الدول العربية الأخرى (رغم الواقع السيء لهذه الدول) في مجال حرية الصحافة ربما لم تتابع تفاصيل الواقع الموريتاني بأدوات الفحص والتدقيق اللازمة.

 

 - كما نشرت صحيفة وكالة الأخبار ما قالت إنه "أخطر محاولة تجسس على المواطنين في موريتانيا" بإشراف من المستشار الفني لرئيس الدولة. وهو ما يعد، لو تأكد، أحد الانتهاكات الخطيرة لحرية المواطنين. ولحد الساعة لم يجر أي تحقيق في هذا الأمر.

 

- وبالتزامن مع ذكرى الاستقلال الوطني خلال العام 2015، تم اعتقال الضابط المتقاعد عمر ولد أبيبكر إثر مشاركته في ندوة سياسية نظمها حزب الحركة من أجل التجديد، بعد تصريحات ناقدة للتعاطي مع ملف العسكريين الزنوج في أحداث (90-92)، حيث اعتبر أن انتهاكات لحقوق الإنسان تمت في تلك الفترة ولم تتم تسويتها، مطالبا بفتح تحقيق في القضية ومعبرا عن وجود شهادات وآراء توثق جرائم تلك الفترة التي لا يزال بعض الضالعين فيها يشغلون مراكز مهمة داخل أجهزة الحكم الأمنية والعسكرية الحساسة في البلاد، وأن جلهم من الداعمين لنظام الرئيس ولد عبد العزيز.   

 

- كما تم سحب صفة النفع العام عن الجمعية المسماة "هيئة المختار ولد داداه" على خلفية تصريح صحفي، تسمح لها به حرية التعبير، مما يعد انتهاكا للقوانين وتضييقا على حرية الرأي. وتم كذلك في نفس السياق إغلاق العديد من المراكز التعليمية في الحوضين، بدون قرارات قضائية أو مبررات قانونية واضحة، فيما يبدو أنه استغلال للنفوذ بشكل غير قانوني.

 

وفي قرية أدباي السط - ولد اعگيله (الحوض الغربي) قامت السلطات المحلية بوقف التعليم في مسجد القرية ووقف الصلاة فيه بحجة أنه غير مرخص بضغوط من نافذين محليين يعتبرون من الأسياد السابقين للأرقاء، موظِّفين جهاز السلطة للحد من إرادة الفقراء الساعين للتحرر من نفوذ الوجهاء التقليدين في بروز واضح لمخلفات الرق السيئة في البلاد.

 

3 - حرية التجمع

 رغم أن الدستور ينص بشكل واضح على حرية التجمع في المادة 10 منه، إلا أن السلطة تتعامل بازدواجية كبيرة مع هذا الأمر، وشهد العام 2015 منع العديد من التجمعات وقمعها من قبل السلطات:

 

- أولى حالات القمع كانت في ( 19 يناير 2015 ) للاحتجاج على الحكم الذي أصدرته محكمة روصو بحق الحقوقيين، وقد قمعت وحدات من مكافحة الشغب وسط العاصمة نواكشوط مظاهرة لمنظمة ميثاق لحراطين وأصيب في هذه التظاهرة رئيس منظمة نجدة العبيد أبوبكر ولد مسعود، الناشط في الميدان الحقوقي منذ أكثر من أربعين سنة، كما أصيب العديد من النشطاء بجروح، بسبب الإصابة المباشرة بالقنابل المسيلة للدموع. وقد سجل المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان القمع العنيف -بشكل خاص- لجميع الاحتجاجات المنددة بالحكم الصادر على السيد بيرام ولد اعبيدي، رئيس حركة إيرا، ونائبه، أو المطالبة بإطلاق سراحهما، وهي الاحتجاجات التي سقط خلالها عشرات الجرحى وتم توقيف العديد من المعتقلين.

 

- كما تم قمع العديد من الاحتجاجات الشبابية السلمية: الطلابية (ما يعرف بأزمة النقل، وقبلها احتجاجات كلية الطب وما رافقها من طرد تعسفي لبعض الطلاب)، واحتجاجات نشطاء 25 فبراير، التي من أبرزها قمع واعتقال مجموعة من الشباب خلال احتجاجهم أمام وزارة الصحة الموريتانية 14 أكتوبر 2015 للمطالبة بإقالة وزير الصحة إثر ما تعتبره تقصيرا من قبل الحكومة في مواجهة تفشي حالات من مرض الحمى النزيفية في البلاد. وقد تم تعرض العديد من نشطاء 25 فبراير للإهانة والتعذيب خلال وجودهم رهن الاعتقال في مراكز الشرطة.

 

- وفي الثامن والعشرين نوفمبر 2015 قمعت وحدات مكافحة الشغب تظاهرة سيرها أبناء روابط وجمعيات ضحايا أحداث ما يعرف بالإرث الإنساني "كوفير" مطالبين بإعادة الاعتبار لثمانية وعشرين من الضباط والجنود أعدموا في إينال في العام 1990 بالتزامن مع ذكرى الاستقلال الوطني. وتقول هذه المنظمات التي تم قمعها إن المئات من الزنوج دفنوا في مناطق مختلفة من البلاد خلال تلك السنوات الدامية، ولم يحظ موضوعهم بالتصفية والبحث خلال تسويات الملف التي عقدتها السلطة مع بعض المنظمات والشخصيات ذات الصلة، وتطالب بفتح تحقيق فيها.

 

- وفي مجال حرية تشكيل الأحزاب، منعت السلطات ترخيص مجموعة من الأحزاب السياسية هي:

•       حزب جبهة الأصالة والتجديد المحسوب على التيار السلفي.

•       حزب القوى التقدمية للتغيير، الذي تقوده شخصيات من حركة تحرير الأفارقة الموريتانيين سابقا (افلام).

•       الحزب الثالث هو حزب النداء الوطني (نو)، بقيادة السيد داوود ولد أحمد عيشه.

•       فيما استمرت السلطات (منذ 2013) في منع الترخيص للحزب الراديكالي "الرك"، الذي يشكل ذراعا سياسية لحركة إيرا الحقوقية.

 

4 - الاختفاء القسري

قامت السلطات الموريتانية بإعادة فتح سجن قاعدة صلاح الدين شمال البلاد، بعد أن كانت قد أغلقته عقب وفاة السجين السلفي معروف ولد هيبه في مايو 2014 ونقلت نزلاءه إلى السجن المركزي في نواكشوط. ويعتقد بأنه يختفي الآن قسريا، بوجودهم في هذا السجن السري، كل من السجناء السلفيين: الخديم ولد السمان ومحمد خالد ومحمد ولد اشبيه.

 

5 - حقوق المرأة

يشكل الاغتصاب والعنف الأسري أهم الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة في موريتانيا، وازدادت ظاهرة الاغتصاب بشكل مقلق في السنوات الأخيرة وخاصة ضد القصر. وقد سجلت الجمعية الموريتانية لصحة الأم والطفل 122 حالة اغتصاب وعنف جنسي سنة 2015. هذا مع التنويه إلى أن الطبيعة المحافظة للمجتمع وضعف الأداء الحقوقي في الداخل يعني أن الأرقام أكبر من ذلك بكثير.

 

وفيما تغيب إحصائيات دقيقة عن حوادث التمييز ضد المرأة على مستوى العمل، والتعويض المالي لها مقارنة بنظيرها الرجل في تأدية نفس الوظيفة، تشير كل الدلائل المتعلقة بارتفاع نسبة بطالة النساء وغياب قوانين الشغل الملائمة للمرأة من الناحية الاجتماعية والأسرية إلى وجود هذا التمييز ضدها على مستوى التشغيل (كما في حادثة اكتتاب مفتشي الجمارك، فبراير 2015). وعلى الرغم من ذلك فقد تعززت المشاركة السياسية للمرأة منذ حوالي عقد من الزمن من خلال اعتماد نظام الكوتا (20%) للتمييز الإيجابي لصالح النساء. وهو اجراء يتيح لجزء من النخبة النسائية ولوجا أفضل للوظائف السامية في الحكومة والمؤسسات المنتخبة ولكنه لا ينعكس على واقع مئات الآلاف من النساء في البلاد، اللائي لا زلْنَ يعانين الفقر والتهميش والطبقية والرق ومخلفاته المستمرة منذ عقود.

 

6 - ملف السجناء السلفيين

المشكلة الأساسية لهذا الملف تدخل في إطار المعاناة الحقوقية -المنتشرة دوليا- للمتهمين في قضايا ما يسمى الإرهاب، حيث يتم عادة التفريط في الحرية وتُنتهك الكرامة الإنسانية بحجة الحفاظ على الأمن ومحاربة الإرهاب. وفي هذا الإطار، وكما ذكرنا سبقا، قامت السلطات سنة 2015 بالإخفاء القسري لمجموعة من السجناء المتهمين في قضايا من هذا النوع في سجن قاعدة صلاح الدين شمال البلاد. كما تقوم السلطات أحيانا بالاستمرار في حبس بعض هؤلاء السجناء بعد انتهاء محكومياتهم، من دون مسوغات قانونية. وهو ما أدى إلى مايعرف بأحداث السجن المدني في يناير 2015، والتي قام فيها بعض السجناء السلفيين باحتجاز حرسييْن احتجاجا على مماطلة السلطات في إطلاق سراح أربعة منهم بعد انتهاء محكومياتهم. وهي المماطلة التي حدثت أيضا مع السجين صالح ولد محمد في نوفمبر 2015، والذي لم تطلق السلطات سراحه إلا بعد ضغط حقوقي، شارك فيه المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، وبعد أن أضرب زملاؤه عن الطعام احتجاجا على ذلك.

 

وبالإضافة إلى الانتهاكات في حق المتهمين في هذا الملف، على مستوى الآجال القانونية وعدم احترام المسطرة العدلية، يتعرض السجناء بشكل مستمر للإهانة والعقاب بالسجن الانفرادي والتعذيب الجسدي والنفسي داخل السجون وأثناء الاعتقال في مراكز الأمن والشرطة. كما يقعون ضحية للعقاب الجماعي بسبب أفعال فرد واحد منهم أحيانا، كما حدث بعد فرار السجين الشيخ ولد السالك نهاية دجمبر 2015.

 

ويمكن أن تُلحق بهذا الملف كذلك معاناة السجين أحمد ولد الحضرامي، المصاب بمرض سرطان الدم والذي لديه إفادات من الأطباء المعالجين في مركز علاج مرضى السرطان -أطْلع عليها المرصد خلال زيارته التفقدية للسجن المدني، يوليو 2015- تفيد بعجز إدارة السجن عن توفير العلاج له، ومع ذلك تتجاهل السلطات جميع النداءات الحقوقية لإنقاذ حياته وتمكينه من العلاج.

 

7 - الموريتانيون خارج البلاد

سنُفرد هذه الفقرة لنقاش بعض المعاناة الحقوقية لموريتانيين موجودين خارج البلاد، من خلال:

- سجن اغوانتنامو: شهد العام 2015 إطلاق سراح المواطن الموريتاني أحمد ولد عبد العزيز. وهو الملف الذي تابعه المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان مع محامي المعتقل السابق،جون هولاند John Holland، ودفع به إلى الأمام، وضغط من أجل إنهائه. وعلى الرغم من أن السلطات الموريتانية وافقت على استقبال مواطنها، في خريف 2013، وقامت بذلك بالفعل وسهلته، إلا أنها مطالبة ببذل جهد لإطلاق سجينها الآخر في اغوانتنامو محمدو ولد الصلاحي (الذي يدخل الآن عامه الخامس عشر رهن الاعتقال)، الذي برأه قاضي محكمته سنة 2010 ومع ذلك لا تزال الحكومة الأمريكية تماطل في إطلاق سراحه عن طريق عرقلة إجراءات الاستئناف منذ أكثر من خمس سنوات، ومنع أي إجراء يمكنه من النفاذ إلى العدالة، كما فعلت مع دعواه التي رفع من أجل ذلك ضدها في محكمة في واشنطن، في دجمبر 2015.

 

- الموريتانيون المختطفون خارج البلاد: لا تزال معاناة اختطاف الصحفي إسحاق ولد المختار على يد إحدى التنظيمات المتطرفة في سوريا مستمرة لأكثر من عامين، ولا تزال جهود السلطات في هذا الإطار غير فعالة، بل يمكن القول إنها غير موجودة أصلا. كما أن قضية اختطاف المواطن رشيد مصطفى هي الأخرى لا تزال تحتاج من طرف السلطات إلى بعض الجهد والتوضيح.

 

- الموريتانيون في المنفى: على الرغم من أن القانون الموريتاني لا ينص على النفي القسري، إلا أنه وبسبب الضغوطات الحاصلة أوالمتوقعة، يمكن القول بوجود عدة شخصيات موريتانية في حالة نفي خارج البلاد، من أبرزهم رجل الأعمال محمد ولد بوعماتو والسياسي مصطفى الشافعي والصحفي حنفي ولد الدهاه؛ وإن كان من الواضح أن هذا المنفى "اختياري" بسبب الخوف من الاضطهاد والانتقام.

 

8 - ملف "الإرث الإنساني" وقضية المبعدين

رغم بعض الجهود التي بُذلت من قبل السلطات في تسوية هذا الملف، إلا أنه لا يزال يحتاج إلى خطوات أكثر جدية وشمولية. كما أن برنامج الوكالة الوطنية لمحاربة آثار الاسترقاق ومكافحة الفقر والدمج "التضامن" لا يزال عاجزا عن توفير الغذاء والصحة وبناء المدارس الضرورية للمواطنين العائدين من السينغال ومالي، هذا فضلا عن عجزه عن حل مشاكل الممتلكات العقارية وإعادة الموظفين السابقين إلى وظائفهم. كما لم يجر لحد الساعة أي تحقيق في تلك الانتهاكات الإنسانية التي حدثت في الفترة ما بين 1989-1992، والتي ما زال بعض المتهمين بالضلوع فيها يشغل مناصب مهمة داخل أجهزة الدولة.

 

9 - قضايا التمييز والانتهاكات الحقوقية والاجتماعية

- قضية لمعلمين: هناك غياب لخطوات جادة للحد من معاناة هذه الفئة من المواطنين، وللاعتراف بجهودها في بناء الدولة والمجتمع. كما يغيب أي جهد من طرف السلطات الحاكمة لتغيير الصورة التي أنتجت الظلم الاجتماعي والتمييز الواقع على هذه الفئة من المجتمع.

 

- الأطفال: على الرغم من أن تقارير وزارة الشؤون الاجتماعية والطفل والأسرة تشير إلى وجود أكثر من 9000 طفل موريتاني مشرد، من أطفال الشوارع و ضحايا التسول والاستغلال الاقتصادي وغيره.. لا يزال هذا المجال يفتقر إلى البرامج الفعالة للحماية والدمج وإعادة التأهيل. لانتشال هذه الفئة من المجتمع، والتي بدأت الجريمة والمخدرات تنتشر بين أفرادها بشكل مقلق.

 

- الأشخاص ذوي الإعاقة: لم تبذل الدولة حتى الآن جهدا يذكر في تسهيل تنقل الأشخاص ذوي الإعاقة وتكييف مداخل المباني العمومية بشكل يلائم هذه الفئة من المجتمع. وعلى الرغم من وجود بعض التدريب المحدود لكبار السن في هذه الفئة، إلا أنه لا توجد إلا مدرسة ابتدائية واحدة (على مستوى التراب الوطني) لتدريس الأطفال ذوي الإعاقة السمعية والبصرية.

 

10 - وضعية السجون

تعرف وضعية السجون في موريتانيا ظروفا مزرية من الناحية الإنسانية، حتى باتت هذه السجون أكبر مركز للتأهيل الإجرامي في البلاد نتيجة وضعيتها السيئة وظروفها القاسية، التي تغرس العنف والإجرام وتعاطي المخدرات في نزلائها. حيث تقوم السلطات في هذه السجون بوضع جميع السجناء في نفس المكان، بغض النظر عن محكومياتهم (حتى أنها تضع معهم الموقوفين احتياطيا)، ويقع المسالمون ضحية للنزلاء الأكثر خطورة. ويضطر بعضهم لدفع غرامات مالية لتفادي الإهانة والتعذيب، وذلك على مرآى وعلم من حراس وإدارة تسيير السجن. كما شكلت هذه السجون باستمرار مكانا لانتهاك حقوق النزلاء والتعذيب بشكل لا يطاق، حيث تنعدم فيها التغذية وتغطية الحاجات الضرورية لبقاء الإنسان على قيد الحياة. وعرفت حالات متكررة من التمرد والعصيان من طرف السجناء، نتيجة الظروف السيئة ورد الفعل العنيف والمعاملة غير الإنسانية من طرف الإدارة والسجانين.

 

على الجملة توجد في البلاد سبعة سجون رئيسية، منها في نواكشوط أربعة هي:

• السجن المدني وهو الأقدم في البلاد.

• سجن دار النعيم وهو حديث يتميز بالاكتظاظ.

• سجن النساء وهو خاص بالنساء وإن كان بإشراف الرجال.

• سجن القصر

ومنها في داخل البلاد:

• سجن آلاگ

• سجن انواذيبو

• سجن في بير أم أكرين، خاص بذوي قضايا الجرائم الاقتصادية.

 بالإضافة إلى المعتقل السري بقاعدة صلاح الدين العسكرية قي آدرار، وهو خاص حتى الآن لذوي القضايا المتعلقة بالإرهاب.

هذا فضلا عن مراكز الاعتقال في المفوضيات المنتشرة في المقاطعات على عموم التراب الوطني.

 

وانطلاقا من المعاينة التي أجراها المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان فإننا نفصل الملاحظات على السجون في الآتي:

 

• السجن المدني : وهو أقدم المؤسسات السجنية في العاصمة نواكشوط ولا يحتوي على المواصفات الفنية المعمارية المنسجمة مع المعايير الدولية للسجون، فالتهوية فيه سيئة وشبكة صرفه الصحفي متقادمة ولم يكن مهيئا لاستقبال أعداد كبيرة من السجناء تفوق طاقته الاستيعابية (كما هو حاله الآن). ويشكل غياب النظافة فيه أحد الأسباب المؤدية لتفشي الأمراض المسهلة لانتقال العدوى بين نزلائه.

كما يعتبر احتجاز بعض السجناء القصر فيه إلى جانب البالغين أحد الانتهاكات الحقوقية الكبيرة، التي تتطلب حلا سريعا وفي أقرب الآجال .

 

أما التغذية فيه فهي سيئة وضعيفة من حيث القيمة الغذائية للوجبات، مما يتسبب في مرض السجناء وانهيار بناهم الجسمية والمناعة الصحية لديهم. ويعتمد بعض السجناء في تكميل النقص الغذائي على ما يستجلب لهم من ذويهم، ولكن عدم وجود ذوي بعض السجناء في نواكشوط، وحالات الفقر المدقع لنسبة كبيرة منهم من أبناء الطبقات الهشة، تجعل الوضع في غاية الصعوبة والخطورة.

 

كما أن خدمات الرعاية الصحية هي الأخرى سيئة وشبه غائبة، نتيجة ضعف الإشراف الطبي وخضوع الاستشارة الصحية للإجراءات البيروقراطية لإدارة السجن. فرغم العدد الكبير لمجتمع السجن، الذي يبقى بحاجة لقسم صحي موجود باستمرار، إلا أن الحصول على الاستشارة بحد ذاته يتطلب وقتا طويلا، كما أن توفر الأدوية يبقى رهينا بالقدرات الضعيفة للسجناء وذويهم.

 

• سجن دار النعيم: وهو السجن الذي بني حديثا نسبيا، ويعتبر هو الأسوأ من حيث الوضعية العامة للسجناء، ويعتبر الاكتظاظ بالسجناء من أكبر مشاكله. فطاقته الاستيعابية الفعلية التي بني على أساسها لا تتجاوز 300 سجين، غير أنه ظل باستمرار يستقبل ويحتضن أكثر من ثلاثة أضعاف هذا العدد، وإن شهد في العام 2015 تخفيف هذه الوضعية إلى 800 سجين، حسب ما تدلي به الجهات الرسمية، مع بقاء مشكلة الاكتظاظ وإن بدرجة أقل، حيث تم نقل بعض نزلائه إلى سجن ألاگ داخل البلاد. وقد عرف هذا السجن هو الآخر حالات عصيان وتمرد ناتجة عن احتاج السجناء على سوء أحواله، وأدت في بعض الأحيان لسقوط قتلى، أمام اتهام السجناء للإدارة بالتفريط في صحتهم وتركهم للأمراض تفتك بهم للتخلص من حياتهم، وهي شكوى حاضرة بقوة على ألسنة السجناء وذويهم، ترجحها قرائن الوضعية المزرية لهذا السجن.

 

• سجن النساء: وهو منزل مؤجر وليس سجنا من حيث الأصل، ويفتقر لأبسط أسس الحياة الضرورية؛ تغيب فيه الرعاية الطبية المناسبة ويفتقر هو الآخر إلى التأثيث والتغذية المطلوبة. كما يمتاز بغياب التنظيف المستمر والاكتظاظ وإن كان أقل حدة في هاتين الصفتين الأخيرتين منه في سجن دار النعيم.

 

كما أن ظروف الإشراف على هذا السجن غير مناسبة، إذ يوجد نقص حاد في النساء في الطاقم المباشر، وتتطلب مشكلة حراسة الذكور لهذا السجن حلا سريعا، لضمان حقوق النساء السجينات والحفاظ على سلامتهن.

 

• سجن آلاگ: وهو سجن بني حديثا وشهد اعتقال الحقوقيين من حركة إيرا قبل أن ينقلوا منه مؤخرا، كما تم تحويل بعض سجناء الحق العام له من السجن المدني ومن سجن دار النعيم. ويشتكي نزلاؤه من ضعف الرعاية الصحية ونقص الغذاء أيضا، ومن البعد عن ذويهم وصعوبة وصول متطلباتهم الضرورية نتيجة بعد السجن عن مركز المدينة.

 

 • سجن نواذيبو: وهو سجن مختلط للنساء والرجال والقصر، ولكنه لا يعاني من الاكتظاظ بنفس الحدة.

 

• معتقل بير أم اكرين: وهو توسعة حديثة للسجن المدني بانواكشوط خصصت للسجناء من ذوي قضايا الجرائم الاقتصادية، ووضعيته أفضل نسبيا، رغم بعد نزلائه من ذويهم. ومع ذلك فالتغذية به ضعيفة وخدمات الرعاية الصحية به منعدمة نتيجة بعده عن المراكز الصحية المتخصصة، وأقرب نقطة صحية له هي مستشفى العمال بأزويرات.

 

• محضن الأطفال القصر: وهو معتقل للأطفال القصر وتشرف عليه منظمة أجنبية إيطالية، متهمة بالسعي لنشر مبادئها التبشيرية بين السجناء المسلمين لتبديل دينهم وتحويلهم نحو مذهبها ورؤيتها الدينية. ويبقى هذا المركز هو الأقرب للمعايير الدولية، مع أن به نواقص بحاجة للاستكمال.

 

ويصل العدد الإجمالي للسجناء، حسب إحصاء لإدارة السجون 3 يوليو 2015 نشره تقرير اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، 1873 سجينا، موزيعين على هذه السجون (794 منهم في حالة توقيف احتياطي و 62 من القصر و 35 من النساء، ومن بينهم 80 محكوما عليه بالإعدام). لكن ظروفهم العامة تبقى في غاية السوء ما لم تتجه السلطات الموريتانية لإصلاح جذري لوضعية السجون وتفعيل قوانين وإجراءات احترام حقوق السجناء حيث لا تزال الأجهزة الأمنية ومؤسسات تسيير السجون تدير هذه المرافق بعقلية العقاب أكثر من فهم طبيعتها التأديبية والتأهيلية للسجناء بغية إعادة دمجهم في العضوية الاجتماعية بصورة سليمة بعد استكمالهم لفترة العقوبة السجنية.

 

 وقد أكدنا، في المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، باستمرار، وهو ما نذكر به في هذا التقرير، أنه لابد من:

 

- بناء سجون تتماشى مع المتطلبات المعمارية الدولية، مع ضرورة اتخاذ إجراءات مؤقتة تحد من اكتظاظ السجون الحالية والحفاظ على حقوق وسلامة نزلائها.

- فصل السجناء البالغين عن القصر، وفصل الرجال عن النساء، وتأمين طاقم نسائي للإشراف المباشر على المعتقلات.

- إنشاء هيئة مستقلة للإشراف على السجون.

  - إيقاف التعذيب والوضعية المكتظة غير الإنسانية في مراكز احتجاز الأمن والشرطة، وهي الانتهاكات التي لا تزال تقع بشكل منتظم، ونذكر هنا بحادثة موت عبد الرحمن جلو (يوليو 2015) أثناء توقيفه في مفوضية شرطة الميناء 2 واتهام الأمن بقتله تحت التعذيب. هذا بالإضافة إلى ضرورة وضع حل لمشكلة الموقوفين احتياطيا وتمكينهم من النفاذ إلى القضاء بشكل أسرع.

 

ـ العمل على بناء رؤية جديدة لدى المؤسسة السجنية ترتكز على التأهيل، والتثقيف بمكانة حقوق السجناء بوصفها حقا أساسيا من حقوق الإنسان. وفيما يخص العجز على المستوى المالي، يمكن، مع تبني المؤسسة السجنية لرؤية تغييرية إصلاحية، أن تنهض به منظمات مدنية وطنية ودولية، بدل الاعتماد الكلي على تمويل الدولة وارتباط السجون بالسلطة وأجهزة الأمن وفلسفة العقاب. فقد تحولت السجون الموريتانية في السنوات الأخيرة إلى مؤسسة تخريج للمجرمين ومتعاطيي المخدرات، بدل أن تكون مؤسسة تعليم وإعادة تأهيل وتربية تردع السجين وتنقذه من ممارسة العود للجريمة وتمارس نوعا من الوقاية للمجتمع من انتشار الجريمة غير أن الحاصل الآن أنها تحولت إلى مراكز تأهيل وتدريب للمجرمين.

 

11 - استقلالية القضاء

لا تعتبر هذه السلطة مستقلة أو فعالة، بسبب ما تعانيه من ضعف أمام السلطة التنفيذية. فرئيس الدولة في موريتانيا هو الذي يرأس المجلس الأعلى للقضاء وهو المجلس الذي بإمكانه تحويل أي قاض حتى ولو كان ذلك ضد إرادته. كما يخضع القضاة للتنقيط من طرف رئيس المحكمة العليا، وهي أمور تؤثر جميعها على أداء القضاة وحياديتهم، كما يغيب وجود مفتشية قضائية مستقلة، غير تابعة لوزارة العدل (السلطة التنفيذية). هذا بالإضافة إلى إحساس القاضي بعدم أهمية دوره أحيانا، في ظل عدم تنفيذ قراراته، وهو الأمر الذي يحد من قيمة القضاء واستقلاليته.

 

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

 

- الحق في العمل

حسب تقرير لمنظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة مطلع عام 2015، فإن موريتانيا ستتصدر دول العالم خلال نفس العام بأكبر معدل للبطالة، متجاوزة عتبة 30%. في حين يصر النظام القائم على أن نسبة البطالة تبقى في حدود 10%. وقد لوحظ في السنوات الأخيرة تزايد في الإضرابات العمالية المطلَبية في عدة قطاعات عمومية وشبه عمومية، وهو ما استمر خلال عام 2015. ومن أمثلة ذلك: إضراب عمال اسنيم في ازويرات (مطلع 2015) والصياديون التقليديون (يناير 2015) وجرنالية انواذيبو وعمال بلديتها (ابريل ونوفمبر 2015 على التوالي) و حمالة ميناء انواكشوط (يوليو 2015). فيما يكون الرد عادة بالتجاهل أو الاقتطاع والفصل التعسفي، مما يشكل خرقا للحقوق والحريات النقابية والعمالية.

 

كما لاحظ المرصد المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان خلال عام 2015 استمرار الفشل في تطبيق قوانين الشغل، وانتهاك الحقوق (المتعلقة بعقود العمل، الحد الأدنى للأجور، صندوق الضمان الاجتماعي صندوق الضمان الصحي، تحديد ساعات العمل، العطل الأسبوعية والسنوية…). كما استمرت الانتهاكات المتعلقة بالطرد التعسفي للعمال، والتسريحات الجماعية، هذا علاوة على الوفيات نتيجة غياب متطلبات الصحة والسلامة المهنية وخاصة في شركات المعادن، في ظل غياب التأمين ضد حوادث الشغل.

 

الخاتمة:

 

تتأثر وضعية حقوق الإنسان في موريتانيا سلبيا بشكل كبير من الطبيعة المركزية للحكم وضعف دور المؤسسات التشريعية والقضائية. فعلى الرغم من وجود برلمان ومجلس شيوخ يعملان من الناحية الشكلية إلا أنهما ضعيفا الأداء في علاقتهما بالسلطة التنفيذية، وهي نفس المشكلة التي تعاني منها المؤسسة القضائية. حيث لا تزال هناك اختلالات بنيوية لابد من تصحيحها أولا من أجل التأسيس لبيئة أكثر احتراما للحريات العامة وراعية لحقوق الإنسان. ورغم الجهود المهمة التي تبذلها المنظمات الحقوقية من أجل نشر ثقافة المواطنة وحقوق الإنسان، بما فيها هذه المنظمة، فقد ظلت مقصِّرة لكثرة المظالم وتشعبها، ولذلك يجب العمل على تطوير خطط وآليات للعمل في هذا المجال، من قبل المنظمات الحقوقية الرئيسية، حتى نتمكن من بلورة خطة وطنية للنهوض بحقوق الإنسان وإعداد ميثاق للمواطنة، يتيح دمج البعد الديموقراطي وحقوق الإنسان في آن واحد، ومتابعة تنفيذ وتفعيل القانون وتطبيق مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها موريتانيا في مجال حقوق الإنسان، وذلك في إطار التزام البلاد بتطبيق التوصية الصادرة عن الندوة الدولية حول حقوق الإنسان التي انعقدت بفيينا سنة 1993. كما تهدف الخطة أيضا إلى إعادة الاعتبار للدور الفعال الذي تؤديه حقوق الإنسان في التنمية الوطنية، وتحسين وضعية المجموعات الهشة بالبلاد.

 

المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان

انواكشوط: مارس 2016