مختارات من تويتر

جاري التحميل ...

على مدار الساعة

ثلاث سنوات من صراع الأغلبية الحاكمة في موريتانيا

29 مارس, 2017 - 19:39
واجهة العدد: 169 من صحيفة الأخبار إنفو

الأخبار (نواكشوط) – وصلت الصراعات داخل الأغلبية الداعمة للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز مساء الجمعة 17 – 03 – 2017 مرحلة غير مسبوقة منذ وصول ولد عبد العزيز للسلطة 2008، وذلك بوقوف أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ ضد مشروع تعديل الدستور المقدم من الرئيس، وإسقاط هذا المشروع بشكل نهائي.

 

وشكل تصويت 33 شيخا (24 منهم على الأقل من صفوف الأغلبية) ضد مشروع القانون الدستوري الذي يسمح بتعديل الدستور مقابل 20 لصالحه مفاجأة لعديدين على رأسهم – حسب مصادر صحيفة الأخبار إنفو – الرئيس محمد ولد عبد العزيز، والذي أكد للحكومة في اجتماعها قبل موعد التصويت بيوم واحد أن مشروع القانون الدستوري سينال ثقة أكثر من 40 شيخا.

 

ورغم تعدد دوافع موقف الشيوخ من التعديلات الدستورية، والتي يتداخل فيها الذاتي مع الموضوعي، والحاضر مع المستقبل (الانتخابات الرئاسية 2019)، فإنها لا تعدوا أن تكون مظهرا من مظاهر تصارع الأغلبية الداعمة لولد عبد العزيز منذ بداية الحديث الفعلي عن: "ما بعد ولد عبد العزيز"، وهو الحديث الذي بدأ فور تسلمه السلطة في مأموريته الثانية بدايات النصف الثاني من العام 2014.

 

وتأخذ صراعات الأغلبية الداخلية أكثر من مظهر، وتتسع عموديا بين الشخصيات النافذة التي تشكل أقطابا داخل هذه الأغلبية، وأفقيا بانعكاسها – بدرجات متفاوتة – على أداء وعطاء مؤسسات رسمية خدمية، وإعلامية، واقتصادية مختلفة، بل وصل تأثير هذا الصراع المتصاعد لمؤسسات وشخصيات عسكرية وأمنية.

 

وتتشكل أقطاب هذا الصراع من شخصيات وازنة ومقربة من الرئيس ولد عبد العزيز، ومتصارعة على نيل ثقته، ومن أحلاف مصلحية، وجهوية، أو ذات مواقف متقاربة بسبب تداخل المصالح، أو وحدة الخصم داخل أقطاب الأغلبية.

 

وتتضافر المؤشرات التي تقول إن صراع الأغلبية وصل بموقف الشيوخ مرحلة اللا عودة، وأن الأسابيع والأشهر القادمة ستكون ظرفا لأخذ هذا الصراع أكثر من تجل في سعي كل طرف لكسب أرضية جديدة على حساب خصمه، وذلك في سبيل كسب رهان موريتانيا ما بعد 2019.

 

ويقول عدد من نشطاء الأغلبية إن أحد الأسباب الرئيسية لتصاعد الصراعات داخل الأغلبية هو ضعف المعارضة، وتراجع تأثيرها في الساحة السياسية، وعند غياب التحدي، انشغلت أطراف الأغلبية بالبحث عن المكاسب الشخصية على حساب المكاسب السياسية للحلف الداعم للرئيس ككل.

 

من القول إلى الفعل

وخلال السنوات الثلاث الماضية اقتصر الصراع داخل الأغلبية على الهجوم اللفظي، ومحاولة الإضرار الإعلامي، لكن تصويت الشيوخ مساء الجمعة 17 – 03 – 2017 بإسقاط مشروع قانون السماح بتعديل الدستور أخرج الصراع من دائرة القول إلى دائرة الفعل، ومن الصراع بين المرؤوسين إلى المواجهة المباشر بين الرئيس ومرؤوسيه، دون أن يعني ذلك توحد أطراف الأغلبية المتصارعة مع أحد الطرفين المتحدديين في معركة تعديل الدستور.

 

ومع أن الشيوخ الموالين الذي أسقطوا التعديلات الدستورية لم يكشفوا عن أسمائهم، وفضلوا "الاستفادة" من ميزة القانونية التي تنص على سرية التصويت، إلا أن العارفين بكواليس الأغلبية، والمتابعين لحراك أزمة الشيوخ يمكنهم – بسهولة – تحديد غالبية المصوتين بـ"لا" ضد إرادة الرئيس ولد عبد العزيز بتعديل الدستور، وإلغاء مجلس الشيوخ.

 

أزمة الأشهر التسعة

وتعود بداية ما عرف بـ"أزمة الشيوخ" إلى الثالث مايو 2016، حيث أعلن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز في خطاب جماهيري في النعمة عاصمة الحوض الشرقي عن إلغاء مجلس الشيوخ والقضاء عليه، واستبداله بمجالس جهوية، وذلك ضمن إجراءات أخرى سيتضمنها تعديل دستوري يكون نتيجة حوار سياسي أو "مفاهمة وطنية" في حال تعذر التوصل إلى الحوار.

 

وفي الأيام التي تلت ذلك نظم الحزب الحاكم وأعضاء الحكومة حملة لشرح خطاب الرئيس، أكد الشيوخ أنها تضمنت إساءات غير مبررة لهم، وطالبوا قيادة الحزب وأعضاء الحكومة بالاعتذار عنها.

 

ورغم اللقاءات التي جرى الحديث عنها بين الشيوخ ورئيس الحزب الحاكم، والوزير الأول، والرئيس ولد عبد العزيز إلا أن نتيجة التصويت على التعديلات الدستورية مساء 17 مارس أصبحت أن الأزمة ظلت قائمة طيلة الأشهر التسعة الماضية.

 

وتكشف مصادر صحيفة الأخبار إنفو أن "نواة المغاضبة" داخل الشيوخ تشكلت من 15 شيخا من الشيوخ المنتمين لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم في موريتانيا، وأدى موقفهم من الموالاة للتقارب مع شيوخ المعارضة البالغ عددهم 10 شيوخ، فيما امتازت مواقف كتلة أخرى من الشيوخ يبلغ عددها 8 شيوخ بالتردد، قبل أن تحسم موقفها عشية التصويت لصالح الرفض.

 

وقد نجح الشيوخ في استغلال عنصر المفاجأة، حيث شكل تصويتهم عنصر مفاجأة نهاية الأسبوع بالنسبة للرئيس وأعضاء حكومته، وقادة الحزب الحاكم، وحتى لقادة الأجهزة الأمنية التي فشلت في توقع النتيجة التي وضعت حدا لمشروع تمرير التعديلات الدستورية عبر غرفتي البرلمان بعد أن اجتازت وبنتيجة كبيرة غرفة النواب بنسبة تجاوزت 80%.

 

وزاد من حجم المفاجأة أن الشيوخ الذين حضروا بكثرة للجنة التي تولت نقاش مشروع القانون الدستوري قبل إحالته للجلسة العلنية صادقت عليه بالإجماع، مع توصيات قليلة توقفت عند التنبيه على بعض الأخطاء الإملائية، مع التنبيه على وجود اسم زعيم المعارضة رغم أن مؤسسته ليس مذكورة في الدستور.

 

عرقلة توسيع الحوار

وكان للصراع المتصاعد داخل الأغلبية الداعمة للرئيس ولد عبد العزيز انعكاسه في أكثر من مجال، وخصوصا على مستوى عرقلة توسيع الحوار السياسي الذي أعلن الرئيس أكثر من مرة عن نيته تنظيمه، وفي كل مرة كانت تتم عرقلته من الطرف الذي لا يتولى الإشراف عليه داخل الأغلبية الرئيسين، وخصوصا من الوزيرين الأولين الحالي يحي ولد حدمين والسابق مولاي ولد محمد الأغظف.

 

وقد وصل الصراع بين الرجلين درجة تبادل الألفاظ النابية بينهما خلال اجتماع مجلس الوزراء، وذلك أثناء نقاش ملف عمال "مشروع أمل" في بداية العام 2015.

 

وتكررت تجربة "عرقلة الحوار" خلال السنتين 2015 و 2016، فقد تولى ولد حدمين الإشراف على تجربة الحوار 2015 عمل ولد محمد الأغظف – حسب قيادات في الأغلبية – على إفشال اللقاء، وكان وراء مقاطعة قيادات معارضة بارزة لهذا الحوار.

 

وحين عاد ملف الحوار إلى محمد الأغظف، عمل ولد حدمين على إفشاله من خلال خلق أزمة المحاظر في المناطق الشرقية من البلاد، وهو ما أثر على العلاقة بين الحكومة وحزب "تواصل" الذين كان من أبرز المتحمسين للحوار.

 

ووصل الصراع بينهما درجة تبادل تصفية الموظفين في القطاعات التابعة لكل منها، أو التي يمكن أن يصلها تأثيره.

 

وأدى تصاعد الصراع لتصنيف غالبية الموظفين والنشطاء، وأحيانا باعتماد قاعدة "من ليس معنا فهو ضدنا"، وكان هذا الصراع الثنائي وراء إفشال لقاء الرئيس مع أطر النعمة خلال زيارته لها بداية مايو 2016، وهو اللقاء الذي بدأت منه أزمة الشيوخ.

 

وكما يتصارع الوزيران الأولان الحالي والسابق، يتصاعد الصراع بين شخصيات أخرى رئيسية منضوية في الأغلبية الرئاسية ومن أبرزهم رئيس الحزب الحاكم الحالي سيدي محمد ولد محم، والسابق إسلك ولد أحمد إزيد بيه والذي يشغل حاليا منصب وزير الخارجية الموريتاني، ويحشد كل واحد منهما أنصاره ضد الآخر، ويستخدم كل الأسلحة من مسؤولين، وإعلاميين، ونشطاء فيسبوكيين ضد الآخر.

 

وقد انعكس الخلاف بين هذه الشخصيات على مستوى مؤسسات الإعلام الرسمية، ووصل درجة التنابز والتعريض عبر وسائل الإعلام العمومية، وفي خطابات رسمية يحضرها وزراء ومسؤولون كبار، كما انعكس بين البرلمانيين، والكتل الشبابية، دون أن ينقص ذلك حظ أعضاء الحكومة منه.

 

وداخل هذه الصراعات تختط شخصيات أخرى مربعات نفوذ لها في هذا الحلف أو ذاك، في صراعات جزئية، تشكل في النهاية امتدادا لصراعات الكبار.

 

كشف المستور

وإمعانا في الصراع، وسعيا من أحد الأطراف لإضعاف الطرف الآخر أو استهدافه، سعى لكشف "مستور" من عمل الحكومة، أو تسريب معلومات عنه، حتى ولو ألحق ذلك ضررا بالحكومة التي تجمعهما وبالأغلبية التي تضم الجميع.

 

ويرجع عدد من المتابعين حجم ما نشر من التفاصيل عن ملفات الفساد خلال السنوات الماضية، والتفاصيل التي وصل إليه الإعلام إلى هذا الصراع، ورغبة كل طرف في إلحاق الضرر بالآخر، وربما القضاء عليه عل ذلك يفتح له آفاقا أوسط، ويضمن حضورا أرحب في موريتانيا ما بعد 2019.

 

وكانت وسائل الإعلام من أكثر المستفيدين من هذا الصراع، وكذا المتلقي بسبب حجم المعلومات المتدفق من كل طرف عن الطرف الآخر.

 

إسقاط التعديلات

وشكل إسقاط الشيوخ لمشروع السماح بتعديل الدستور مرحلة متقدمة في هذا الصراع، حيث تجاوز الخلاف الشخصيات المرؤوسة في الأغلبية إلى الخلاف مع الرئيس نفسه، وهو ما يمكن أن يشكل مرحلة فارقة في هذا الصراع تجعل ما بعدها مختلفا عن ما قبلها بشكل جذري.

 

كما يمكن رصد تصاعد وتيرة الصراع منذ تأكيد الرئيس ولد عبد العزيز نيته دعمه شخصية ما لرئاسة البلاد في انتخابات 2019، حيث بدأت الأطراف السياسية الفاعلة في التطلع لمعرفة الرئيس القادم، وبناء على قراءته لحظوظ شخصية ما يبدأ ولاؤه لها يتزايد على حساب الرئيس الممسك بالسلطة حاليا.