على مدار الساعة

دبلوماسية عزيز.. قطيعة القيم ووصال الغنيمة

11 يونيو, 2017 - 05:01
محمد المختار أحمد (أبو نزار

باديَ الرأي؛ لست هنا بسبيل وُلوج حِجاج غوغائي عن دولة قطر؛ فقد أنطقت رماح قومها حين أجرّت رماح آخرين، وأُطلِقت راحُهم الندية لما غُلت أيدي شانئيهم، وفي مواثل صنائع معروف الدوحة على أديم تراب وطني وفي وجدان قومي ما يفيض شهرة تغني عن أي شهادة. أما سياسة قطر وتوجهاتها فلجيادها أرْسُنٌ ذات شكيمة، ولفرسانها ألْسُنٌ حكيمة

 

ويكفي في تزكيتها أن تُجلِب عليها أحزابُ الغُلول والفُلول خيلَها ورجلها ويكونوا عليها ضدا! بيد أني أكتب استنكارا لما اقترفه نظام الجنرال المتمرد عزيز بقراره الأثيم اللحاق بركاب الغدر والقطيعة؛ فما لقطر ولسُلَيْم نظام بلادنا؟ وأي داع اندعى له نظام الجنرال المتمرد ليتقحّم نقعاً أثارته عادياتٌ ما هو منها في قبيل ولا دبير؟

 

وأي شيء دفعه ليتوسط جمعاً لا ناقة له فيه ولا جمل؟ أما كان أشرف له وأكرم -لو أنه ابتغى شرفا وكرامة- أن يحفظ تلاد وداد أربعين سنة مع إخوته القطريين وجيرانهم كافة؟ أما كان الأوفق لأخلاق شعبه والأرفق بمصالح بلده أن ينتبذ مكانا قصيا من شقاق إخوة نزغ الشيطان بينهم.. إن لم يأمر في نجوى نديّه بإصلاح؟

 

لقد أصدرت عواصم الغُلول والفُلول قرارات القطيعة والحصار في توقيت صهيوني بامتياز، فاختارت لها وقت الإغارة الصهيونية الغادرة يوم 5 حزيران رمز نكسة الأنظمة العربية المشهود، لكنها ما أدركت -ويا للعجب!- موافقتها لـ10 رمضان رمز النصر المؤزر الذي أضاعته ألاعيب السياسة بين رياض كامب ديفد الغناء!

 

ويشاء الله أن يدمغ عاشرُ رمضان دوحةِ المقاومة الصامدة خامسَ حزيران المتصهينين الغادر فإذا هو زاهق.. ولأصحابه الويل مما يصفون من إفك وأقاويل وكما كان التوقيت في المشرق صهيونيا بامتياز، فإن قرار الجنرال المتمرد كان "انقلابا عزيزيا" بامتياز أكبر، فللرجل نسب عريق مع يوم 6/6 يجترح فيه من القرارات الموبقة ما الله به عليم

 

هذا عن التوقيت المريب الفاضح؛ والآن لنُلقِ نظرة عجلى على مستمسكات قرار "جنرال القطع" (قطع الحوارات وقطع المباريات وقطع العلاقات) المرتبك والمشتبك، لنرى ما حواه من أوجه "الإقناع" للعقول والأسماع، فقد زعم صاغةُ بيان القطيعة آفكين أن قطر:

 

1- "ارتبطت سياستها في المنطقة بدعم التنظيمات الإرهابية، وترويج الأفكار المتطرفة".  

 

ولم يحدد البيان المائع هوية هذه "التنظيمات الإرهابية" ولا طبيعة تلك "الأفكار المتطرفة"، بل اكتفى بإطلاقات عشوائية جلبتها محاكاة بيانات القطيعة المصدرة من دافعي الغُلول، وجرت عوائد الأنظمة المهترئة مؤسسيا والمهتزة شعبيا أن تتقرب بها زُلفى إلى دوائر دولية طلبا لشرعية زائفة أو مشروعية غائبة، وما درى القوم أن هذه الدوائر أبصر منها بقطر ومواقفها، ولها معها من وشائج المصالح ما يُربي على الحصر؛ فيا عجبا كيف كُتب علينا أن نكون ملكيين أكثر من الملك؟! بلى..، تجاهر قطر بأنها ظهير للمستضعفين من صالحي المؤمنين والذين يأمرون بالقسط من الناس أين وأيّان وأيًّا كانوا، ففيها يتبوؤون الدار والإيمان مع أهلها الأكارم، وتفاخر بسبقها في مضمار نصرة قضية الأقصى وإسناد صمود مرابطيه وحماته..،

 

وتلك والله المكارم لا قعبان من دراهم غلول البترول!

 

2- "عملت (قطر) على نشر الفوضى والقلاقل في العديد من البلدان العربية، مما نتج عنه مآسي إنسانية كبيرة في تلك البلدان وفي أوروبا وعبر العالم؛ كما أدى إلى تفكيك مؤسسات دول شقيقة وتدمير بناها التحتية".

 

لو أن نظام الغلول احتج بهذا القول أيام الدعوة الشعبية إلى رحيله ورعيله من أرباب سلطان الطغيان، فلربما وجد أذنا واعية لقيله وقلوبا صاغية لدليله، أما وقد انسلخت ست حجج على تلك الهبات المباركة المجهضة بأنظمة الثورة المضادة، ولم نسمع منه ولا من حوارييه نعيقا بتلك الأباطيل؛ فأيّ مَقنع نحن واجدوه في بيانه المنسوخ وقراره الممسوخ؟! إن الأراقمَ لن ينالَ قديمَها كلبٌ عوى متهتمُ الأسـنان

 

لقد كانت للجنرال المتمرد أسوة حسنة في الرئيس المؤسس المختار ولد داداه (رحمه الله) حين بهر العالم بأدائه وأدواره أيام عدوان النكسة قبل خمسين سنة، فطاف أقطار أفريقيا حاشدا ضد بني صهيون، فقطعت عشرات الدول معها العلائق وازدادت عزلتها وتعمق حصارها عقودا لاحقة

 

بيد أن جنرال الغنائم آثر اليوم أن ينضم نظامه المختلّ إلى ركب الأبواب المشرعة أمام حفدة بن غوريون وغولدا مائير.. حصارا لغزة العزة وحربا على يتاماها وأياماها..، يا حسرة على العباد!! وما يخالطني ريب في أن التحاق نظام الجنرال الغَلول بأسراب المطبعين الجدد إنما هو خطوة مرتبكة في مسيره القهقرى نحو بني صهيون تكفيرا عن غابر "قطيعة" معهم، وهو مسير توالت أشراطه وتقارب خطوه داخليا وخارجيا في الأشهر الأخيرة، معززا برغبة الجنرال الجامحة في اكتساب صمت غربي عن مأمورية ثالثة مستلَبة، طفق الماهدون لها يسلكون سبلا فجاجا في الحواضر والأعماق تسويقا لجريرتها وتسويغا لفضيحتها، مثلما تدفع لها أطماع وراثة عروش مشرقية في عواصم الغُلول والفُلول

 

 ولئن كان الأمر كذلك سياسيا؛ فلهو نفسيا محفَّزٌ بشهية الجنرال المفتوحة دأبا لكل غنيمة ليست أخيذة رمح بل عزلاء سهلة التناول والتناوش، وهنا يتنزل ما تتداوله أنباء الأنداء من منحه دُورَ مُقامةٍ في بعض عواصم الغُلول والفُلول على ضفاف الخليج، وحشو حساباته البنكية بأموال غلول البترول! ولئن وجدت "خلايا المساومة" في تلك العواصم ضالتها في حاكم يجيد فن مقايضة المبادئ بالغنائم كجنرالنا المتمرد؛ فإنهم بذلك خابوا وخسئوا وخسروا، ولن ينالوا خيرا ما بقيت حيةً دبلوماسيةُ الشعوب.

 

فلن يزال للشناقطة في قطر -وغيرها من بلاد المهجر- لسان حق ومقعد صدق، كسبا تالدا وطارفا لعقول وقلوب إخوانهم القطريين والمقيمين في دولتهم الماجدة المتوثبة دهرا للمكرمات، والماهدة دأبا لدروب العز والعلياء، والطلّاعة أبدا لأنجاد الأمجاد. إنهما لسان حق ومقعد صدق وثّقت عُراهما أربعون سنةً إخاءً وعطاءً، فنطقت بهما على مداها محاربُ الجوامع، ومدارجُ الجامعات، ومنابرُ الإعلام، ومنصاتُ القضاء، ومنتدياتُ الثقافة، ودهاليزُ الإدارة، ودواليبُ الصناعة، ومصالحُ الأمن

 

 وما كان لتراث عريض من التلاحم والتراحم والتعارف والتثاقف بين الشعبين أن ينال منه قرارٌ دبّره مكرُ الليل والنهار في دوائر "خلايا الصفقات"، فجاء مفتريا في المضمون، مرتبكا في الصياغة، متناقضا في الحجاج، ناقضا لعُرى سَنن المصلحة وسُنن الشرع، ناكثا لعهود الشرف والإخاء، ناكبا عن صراط العدل والفضل، جاحدا لصنائع الجميل، قاطعا لما أمر الله به أن يوصل، واصلا لما أمر به أن يقطع، منافقا لنوادي الغدر والضغينة! ألا إن السفارة الشعبية بين بلديْنا المؤمنين الشقيقين ستتوالى وتتناصر، ولن تُبلي بُردَها القشيبَ قراراتُ رعناء حاكها جشع جنرالٍ غَلولٍ، كلما وجد مساغا لمال سُحت بسط إليه كفه ليبلغ فاه، غير مكترث ببقية أخلاق ولا بشيء من التقوى!!