على مدار الساعة

هل إرضاء غرور النخب أم كسر الجمود الثقافي؟

11 نوفمبر, 2017 - 10:18
الولي ولد سيدي هيبة ـ كاتب صحفي

هي الندوة العلمية بطاقم مغاربي رفيع المستوى من الأساتذة و الباحثين التي بدأت فعالياتها أمس الخميس و تدوم يومين داخل صالة مؤتمرات أحد فنادق العاصمة حول موضوع قديم في المقصد مبتكر في العنوان "التصوف الإسلامي و فلسفة التسامح" الذي يراد له  التناول الجديد رغم غياب الانفتاح والمراجعة البناءة إلى جانب انعدام الشجاعة الفكرية.

 

فهل الندوة سعي غرضي إلى إرضاء غرور نخبة لا تسعفها الأوضاع الثقافية السائدة في ميوعتها و ضعفها و غياب أطر احتضانها و تبنيها و استثمارها؟ أم أنها تشكل فقط ترفا فكريا دون العلمية فيه فعُقدت داخل فندق فاخر بعيدا عن الحاضنات الجامعية و المنابر الفكرية، و فُتحت محتوياتها على مصراعيها أمام جمهور عريض اختلط فيه الجامعي و الأكاديمي و الباحث مع الفضولي و المجامل و الملبي للدعوة التي وجهت إليه حتى تقلص الوقت أمام المحاضرين فلم يشبعوا مواضيعهم درسا و تقديما رغم قيمتها العالية و خَلطت من بعدهم مداخلاتُ الجمهور المستقاة بعضها من انحياز إلى التعصب أكثر من الانفتاح على عميق المستخلص و تائه الكلام في موضوع جمع بين المفهوم الفلسفي و لغة التصوف الممتنعة؟ و هل هي في الأخير دون الإثنين شكلت كسرا مفتعلا في وقنه لجمود الساحة و فرضا إيجابيا على تناول مواضيع و إن حملت علامات التكرار فإنها ذات ارتباط وثيق بانفعالات الحاضر و هواجس المستقبل؟

 

و لا شك أن الندوة التي أنعش فصولها كوكبة من الأساتذة الكرام منهم لا حصرا الدكاترة عبد الودود عبد الله الهاشم و البكاي ولد عبد المالك و سيدي لمين أحمد بناصر شهدت صولات في الموضوع راقية و علمية تنويرية بامتياز للدكاتزرين أحمد كازي و محمد امعارش من المغرب و الدكتور عبد الحق الزموري من تونس.

 

ولما بدت المحاضرات الموريتانية في مجملها على قوة حبكها و جزالة لغتها و رصانة التناول تعاني كلاسيكية المنهج و محاضرة محتوياتها من شبح التخوف أو التهيب من الوقوع في شراك محاذير الرمي بالزندقة و شبه التكفير من لدن بعض أصحاب عقلية عصية على التغير ما زالت تسيطر عليها ارتودكسية الجمود و إلغاء سوى أهلها، فإن محاضرات الإخوة من الدول المغاربية كشفت الغطاء عن مستوى عال من التحرر الفكري الذي تجلى من حيث التناول في الانفتاح على التجارب العالمية و عقلانية انتقاد المتصوفة في بعض جوانب ممارساتهم و تعثرات فكرهم قولا نظريا و ممارسة عملية مع الحفاظ لهم على سمو المقصد و الإخلاص في العمل لبلوغه و الاقتداء بهم شموعا تنير الدروب في دياجير التعقيدات النفسية للإنسان المعاصر و قد تكاثرت عليه ظباء الفكر المتحرر و التنوير ـ الذي حمل كل بذوره و ثماره ـ فما يدري ما يصيب و اختلطت من حوله المفاهيم و تشابكت سبل الوصول إلى الحقيقة المطلقة و بناء روح التسامح المنشودة.

 

وما جزالة لغة محاضراتهم التي طلقت في مجملها التكلفَ و التقعر و الارتباط المضني بالمفاهيم القديمة حرفيا و استدلاليا إلا برهانا أخر على أصالة التقدم منذ أمد في صقل و تطوير مناهج التناول و أساليب الطرح و على غياب جميع أنواع عقد النقص و القصور و الاجتزاء و المحاكاة و كذلك الانتصار على الجمود و النجاح في الالتحام بالتجارب الإنسانية فهما و أخذا بالتقاطعات الحاصلة معها منذ كان الإنسان يبحث على التنوير الداخلي و السمو إلى معرفة الخالق و تجليات جماله في كونه الفسيح البديع. تحرر قوى على التحجر و الارتكاس و الجمود الفكري و على تخلف لغة الأداء بدا من اتزان هذه المحاضرات و توازن الطرح المقارن فيها بين التجارب الإنسانية سواء تعلق الأمر:

 

ـ بالتصوف في جانب التأمل منه و البحث عن الجمال المطلق فيه و اسكناه مكامن التسامح الذي هو عند الآخر بهذا الاسم و في الإسلام من القرءان بأسماء أقوى دلالة و اشد نصاعة و في الأدب العربي لتجليات عظيمة في سموها و وضوح مقصدها في دائرة احترام الإنسان،

 

ـ أو بجانب فلسفة التسامح مبحثا نابضا بالحيوية في التجارب الإنسانية و حاضرا بكثافة في قالب التصوف الإسلامي و إن ورد بتسميات أخرى أعمق و أقوى دلالة في القرءان و السنة و حمله الأدب العربي بلغته السامية في فروسيتها و بنائها النفس المؤصلة على نبيل القيم و فاضل الأخلاق؛ في كلا الوجهين حملت هذه المحاضرات وجها متحررا دون الضرب عرض الحائط بمفروض الالتزام وجب الأخذ به و اتباع مقاصده الغير محصورة في زمن لا تتحرك شمسه و قمره و أجرامه و حيز فكري جامد لا تتمدد أرجاه إلى كل الآفاق لتقتبس من كل الأنوار و تبث من إشراقاتها المتوهجة.