على مدار الساعة

 

موريتانيا الستينات بعيون مجلة العربي الكويتية

29 يناير, 2018 - 17:21
مكتبة  الشيخ عبد الله ولد الشيخ سيديا 1969 "تصوير مجلة العربي"

"بلاد الهدهد المخطط.. والحمام الأزرق.. والغراب الأبقع"؛ كلمات من مقدمة استطلاع مميز وثري قام به الصحفي بجريدة "العربي" سليم زبال.. عن موريتانيا ضمن سلسلة "اعرف وطنك أيها العربي" بالمجلة الكويتية في عددها 129، أواخر العام 1969، عقب زيارة وفد من المجلة لموريتانيا "الجنوبية".

 

يعتبر الاستطلاع من أندر التقارير التي أعدت عن موريتانيا في تلك الحقبة ، حيث إن بعثة "العربي" تعد أول بعثة صحفية تزور موريتانيا من البلاد العربية.

 

الاستطلاع يقع في اثنتين وعشرين صفحة، وشمل مجموعة من الصور النادرة، توثق حياة مدن وقرى، وحواضر زارها فريق "العربي"، واشتمل الاستطلاع على خريطة مصغرة بها رسم تقريبي لموريتانيا، حددت عليه ثلاث مدن (نواكشوط، بوتلميت، المذررة) من أصل أربع مدن زارتها بعثة "العربي" وكانت رابعة المدن مدينة رصو الحدودية، والتي يبدي الكاتب سبب إغفالها من الخريطة بقوله "ستجد على الخرائط الدقيقة أسماء بوتيلميت، والمذرذرة.. ولكن لن تجد مدنية القوراب، لأنهم أطلقوا عليها اسما أجنبيا جديدا هو roso".

 

وتضمن التقرير سردا لمجمل محطات البعثة ضمن زياراتها الميدانية، ولقاءاتها مع ساكنة المدن الأربعة ومسؤوليها عبر جملة من العناوين الفرعية لخصت انطباعات البعثة بشكل عام؛ وانطباع كاتب التقرير، ولم يخل التقرير من شيء من الطرافة والاعتراف أحيانا بفرادة المجتمع الموريتاني وأصالته ، وكانت أولى محطات البعثة بعد العاصمة انواكشوط هي مدنية بوتيلمت.

 

بوتيلمت.. مدينة العقلاء والعلماء..

 

حفلة استقبال ساكنة أبي تيلميت لوفد مجلة العربي

 

حظيت بعثة العربي باستقبال مهيب في أولى محطاتها بعد العاصمة نواكشوط ـ بمدينة بوتلميت ـ، وقد ضمت صفحات الاستطلاع نتفا من تاريخها الحديث، نقلا عن حاكم المدينة، وتاريخ تأسيسها "بوتليمت تكونت 1962 وبدأ كل شيء من الصفر"، ومن أطرف ما في الاستطلاع حديث ورد على لسان حاكم مدينة بوتيلميت في تلك الفترة عن مصروفات البلدية، والتي كان أغلبها يصرف لتلاميذ المدارس والمعهد الإسلامي كمنحة دراسية وبما يوازي دولارين للشهر "وأهم مصروفات البلدية هي الـ350 فرنكا ــ أي أقل من دولارين .. تدفعها البلدية شهريا لكل طالب من الطلاب السبعمائة بمدرستي المدينة.. ومعهد بوتيمليت الثانوي الكبير".

 

معهد يتيم على شفى الانهيار

أثناء تواجد بعثة "العربي" بمدينة أبي تيلميت زار أعضاؤها معهدها الديني، والتقوا بأساتذته وبعض طلابه، ووصف كاتب الاستطلاع حالته آنذاك قائلا "إنه في حاجة إلى كل شيء.. إلى أساتذة متخصصين... إلى تبرعات وكتب.. وحتى ملابس ومأكلا صحيا.." مضيفا أن عدد الطلاب في تلك الفترة كان في تناقص مستمر، فقد انتقل عدد طلابه من "400 طالب إلى 150 طالبا فقط".

 

طلاب معهد أبي تلميت 1969" تصوير مجلة العربي"

 

حفلة استقبال مهيبة ..

في التقرير كذالك صور نادرة ـ ملونة ـ من حفلة استقبال ساكنة بوتليميت لوفد "العربي" حيث تظهر الصور نسوة يلبسن أثوابا ـ ملاحف ـ بيضا وزرقا خالصة، ورجال يلبسون أزياء محلية "ارداريع في تجانس جميل، فلا اختلاف في أزيائهم سوى أن عمائمهم تتنوع حسب الذوق من ـ الأبيض إلى الأسود والأزرق ـ، ويصور الفريق مجموعة من الأماكن مرت بها البعثة أثناء تجوالها في المدينة؛ من بينها مكتبة الشيخ عبد الله ولد سيديا، وبعض منازل ومعالم المدينة وآثار المستعمر بها وبعض أوراش العمل والبناء لمنشآت حديثة بها حيث "يشارك الحاكم نفسه بالبناء لتشجيع الساكنة على ممارسة المهنة والمشاركة في إعمار القرية (مدنية أبي تيلميت)".

 

ويستغرب الكاتب من حال الفاقة والعوز المستبدة بالمدينة وبساكنتها، والذين اتخذوا لسكناهم خياما يستقرونها بها في المصيف ويأوون إلى بيوت من طابق واحد بالشتاء!!" ويستغرب الكاتب من حال المدينة العمرانية "فليس بالمدينة أي مظهر من مظاهر المدينة الحديثة" ومع أن بشاشة حاكم القرية وحسن ضيافته كادت تنسيه صورة المدينة "المتدهورة" حسب تعبيره لا أنه لم يستطع استصاغة أن تبقي قرية مهمة (مدينة) بحجم أبي بتيملت من دون مرافق عمومية وصحية معلقا على ذلك بقوله "يبدو أنها (بتلميت) مهتمة بالتفكر كثيرا في حياة الآخرة قبل الحياة الحاضرة، حيث أقامت مغسلة للموتى!!، قبل أن تقيم مغسلة أو حتى مرحاضا للأحياء".

 

فتاة موريتانيا.. بدون نقاب!

يصف الكاتب الفتاة الموريتانية "في بوتليمت" بأنها لا تستخدم نقاب الوجه واليدين "وربما رسم الكاتب في مخيلته صورة للمرأة الموريتانية مشابهة للمرأة الخليجية قبل قدومه فتفاجأ من زي "الملحفة"، واعتبر الكاتب أن المرأة الموريتانية نالت حقوقها الدستورية كاملة، ولا يقف في طريقها تحضرها سوي الرجال !!".

المذرذرة.. البلدة الأنيقة..

ويودع فريق العربي مدينة بوتليمت متجهين جنوبا صوب نهر السنغال، لتكون أولى محطاتهم قبل الوصول لمصب النهر مدينة المذرذرة، والتي يصفها كاتب التقرير بأنها "صغيرة أنيقة نظيفة" فهي "تبني نفسها لترتفع إلى مرتبة القرية في القريب العاجل"، وساكنتها يعقدون الآمال عليها لتكون مدينة (..) فالحكومة تبرعت بـ7 ملايين فرانك إفريقي لبناء منشآت بالبلدة (المذرذرة) ولتشييد مدرسة تتسع لسبعين طالبا، ومستوصفا، ومبني شرطة"، وحول عدد الساكنة يذكر الكاتب أن ساكنة المدينة كانوا "لا يتجاوزون الألف ـ وقت زيارتهم لها؛ فيما يتواجد قرابة 27 ألف نسمة حولها".

سوق مدنية المذرذرة 1969" تصوير مجلة  العربي"

وتودع البعثة المذرذرة و"شايها الأخضر اللذيذ"، متجهة نحو روصو والتي يصفها الكاتب بأنها "أراض تبدلت طبيعتها تماما (..) من رملية صحراوية إلى طينية حمراء تغطيها النباتات"، ويتابع الكاتب "إنها مراع مترامية فسيحة، يسكنها عشرات الألوف من البدو الرحل" وأثناء الرحلة أخذ الفريق مجموعة من الصور للمنطق وطبيعتها الخضراء وأشجارها الكثيفة، وبعض الطيور التي يبدو أنها لفتت انتباه الفريق كثيرا حيث عنون المقال بها "بلاد الهدهد المخطط.. والحمام الأزرق".

 

مدينة رصو.. ملتقى الحضارات العربية والإفريقية

مدينة روصو هي الأخرى إحدى المحطات التي توقفت بها بعثة "العربي" أثناء إعدادها التقرير، ويرسم الكاتب صورة قاتمة عن طبيعة ساكنة المدنية عبر عنوان "آخر العنقود سكر محروق"، في شيء من الاستغراب وتوصيفا لطبيعة ألوان بشرة الغالبية العظمي من ساكنتها، ورغم اعترافه بكونها "ملتقى الحضارة العربية والإفريقية" إلا أن هذا الوصف لم يمنعه من إبداء تذمره وامتعاضه من الخليط السكاني الذي عبر عنه بـ"اللامتجانس في المدينة.. إنها مدينة فقدت طابعها.. (ولعله يظنها مثل نظيرتيها المذرذرة وأبي تيلميت) ويتابع الكاتب "كل شيء فيها يثير الأعصاب... ولعل الكاتب تفاجأ من طابع المدني الإفريقي ولذا استعصى عليه فهم التنوع العرقي واللغوي لساكنتها وطبيعة النشاط والحركة بها، وهو ما جعله يصفها بأنها "أصبحت تدور في حلقة مفرغة".

سوق مدينة روصو  1969" تصوير مجلة العربي"

أرض طيبة غنية...

كلمات لرئيس بعثة صينية مختصة بالزراعة حدث فريق العربي، عن إمكانيات الزراعة بضفة نهر السنغال ـ الموريتانية ـ في نهاية الستينات مؤكدا بأنها يمكن أن "تصبح مزرعة تمد موريتانيا وأقطار أوروبا بحاجتها من الخضروات مضيفا "كل شيء ممكن زراعته هنا.. برتقال وليمون ومانجو وموز وقطن"، ولكنه يتساءل في مرارة "لكن المشكلة من يزرع؟".

 

 

الشاي في موريتانيا.. والألف طن..

من أغرب المعلومات التي وردت في الاستطلاع، معلومة أوردها الكاتب عن حجم استيراد موريتاينا للشاي في تلك الفترة حيث قدره بحوالي 1000 طن سنويا، ورغم أن الإحصائيات قد لا تكون دقيقة إلا أنها تعبر بالفعل عن هوس وإدمان حقيقي لشرب الشاي في تلك الفترة، ولم يستطع الكاتب أن يخفي دهشته من إدمان الموريتانيين لشربه إلى حد بعيد.. مشبها ذلك الإدمان بإدمان اليمنيين على ـ تخزين القات ـ فقد كاد يفقد أعصابه ـ هو فريقه ـ في أحدى جلسات الضيافة لطول الوقت المخصص لصناعة الشاي لدى مضيفيه الموريتانيين، مبديا استغرابه من الكؤوس الثلاثة المفروضة والطقوس البطيئة لإعداد الشاي فـ"عندما بدأ الماء يغلي للمرة الثالثة بدأت أعصابنا تنهار" وتحامل الكاتب ورفقته وشربوا ثالث الكؤوس "حتى الثمالة".

 

جلسة شاي بحضور الرئيس الراحل المختار ولد داداه وبعض الورزاء" تصوير مجلة العربي"

 

ومما زاد دهشة الكاتب استئناس القائم على إعداد الشاي بجلسته واستمراره في حديثه الطويل باللهجة الحسانية، مبديا استغرابه من طريقة كلام الحضور وسرعة نطقهم لها ويصفها بأنها "لجهة أضيفت لها مفردات بربرية وبعض كلمات فرنسية، فجاءت خليطا من الكلام.. حينما تسمعها لأول وهلة تظن أنك تسمع العربية ولكن سرعان ما تكشف أنا لهجتهم "الحسانية".

 

تقرير مجلة العربي يعتبر بالفعل من أندر التقارير التوثيقية المصورة للحياة الموريتانية في الستينات ويتميز التقرير بصور ملونة مميزة خلدت جزءا من ذاكرة البلاد وحياة ساكنتها في ستينيات القرن الماضي.