تخطى الى المحتوى

حمّى المأموريات الثالثة.. معركة حقيقية أم إلهاء سياسي؟

محمد محمود ولد الناجي

جدول المحتويات

كلما اقتربت نهاية المأمورية الثانية لرئيس موريتاني، عادت إلى الواجهة نغمة مألوفة: أصوات تطالب بمأمورية ثالثة، وأخرى تحذر منها، وبينهما جدل دستوري وسياسي وإعلامي يكبر تدريجياً حتى يكاد يتحول إلى العنوان الأبرز للحياة العامة.

 

تُرفع المطالب هذه المرة، كما في مرات سابقة، تحت عناوين تبدو منطقية في ظاهرها: استكمال المشاريع، مواصلة الإصلاحات، تثبيت الإنجازات، والحفاظ على الاستقرار. وهي مطالب لا يمكن إنكار حق أصحابها في التعبير عنها، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود إرادة سياسية حقيقية لتغيير قواعد المأموريات.

 

فالدستور الموريتاني وضع سقفاً واضحاً للمأموريات الرئاسية، كما أن رئيس الجمهورية أقسم على احترام الدستور والالتزام بأحكامه. ولذلك فإن أي حديث عن مأمورية ثالثة لا يمكن أن يكون مجرد مطلب سياسي عابر، بل سيقود بالضرورة إلى سؤال دستوري ومؤسسي بالغ الحساسية.

 

لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس فقط: هل توجد أصوات تطالب بالمأمورية الثالثة؟ وإنما: لماذا تظهر هذه الأصوات بهذه القوة في نهاية المأمورية الثانية تحديداً؟

 

ظاهرة تتكرر

المجتمع السياسي الموريتاني اعتاد، إلى حد ما، أن يربط قوة الرئيس بوجوده في السلطة.

 

في زمن الحكم، تتسع دائرة المديح، وتُنسب إلى الرئيس إنجازات كثيرة، ويصبح نقده أكثر صعوبة. وبعد مغادرته السلطة، تتبدل أحياناً اللغة نفسها، فيتحول ما كان إنجازاً إلى إخفاق، وما كان يحظى بالإشادة إلى مادة للنقد.

 

ولذلك فإن المطالبات بالمأمورية الثالثة لا ينبغي أن تُقرأ كلها باعتبارها تعبيراً خالصاً عن إرادة شعبية مستقلة؛ فقد يكون بعضها نابعاً من قناعة حقيقية باستمرار النهج، وقد يكون بعضها الآخر مرتبطاً بعلاقة النخب بموازين القوة ومصالحها السياسية.

 

وهذا لا يعني بالضرورة أن هذه المطالبات مصطنعة، وإنما يعني أن التأييد في ظل السلطة ليس دائماً مؤشراً كافياً على اتجاه الرأي العام في انتخابات مقبلة.

 

هل يريد النظام فعلاً مأمورية ثالثة؟

هنا تبدأ المسألة الأكثر إثارة للاهتمام.

لا توجد، في غياب موقف رسمي صريح، طريقة جدية للجزم بأن النظام يريد مأمورية ثالثة أو يسعى إلى تعديل الدستور من أجلها.

 

بل يمكن طرح فرضية أخرى تماماً: ربما لا تكون المأمورية الثالثة هي الهدف أصلاً، وإنما يتحول الحديث عنها، بفعل طبيعة المشهد السياسي، إلى أداة لإشغال النخب والساحة العامة.

 

وهذه ليست بالضرورة مؤامرة مخططة أو سياسة معلنة؛ فقد يكون الأمر مجرد نتيجة طبيعية لطريقة اشتغال المجال السياسي.

 

فعندما تنشغل الأحزاب والنخب والإعلام والشارع بسؤال واحد: «مأمورية ثالثة أم لا؟»، تتراجع تلقائياً أسئلة أخرى أكثر إلحاحاً من الواجهة.

 

كيف هو الوضع الاجتماعي؟

ماذا عن البطالة؟

ماذا عن القدرة الشرائية؟

ماذا عن إصلاح الإدارة؟

كيف ستتعامل البلاد مع تحدياتها الاقتصادية والأمنية والاجتماعية؟

ومن هم المرشحون المحتملون للانتخابات المقبلة؟

وما البرامج التي سيقدمونها؟

 

هنا تصبح «المأمورية الثالثة» قضية سياسية شديدة الجاذبية، لأنها تقسم المشهد بسهولة إلى معسكرين: مؤيدين ورافضين، بينما تحتاج القضايا الاجتماعية والتنموية إلى نقاش أكثر تعقيداً وأقل إثارة.

 

إلهاء النخب أم فرصة للنظام؟

من هذه الزاوية، قد يكون استمرار الجدل حول المأمورية الثالثة مفيداً للنظام حتى لو لم يكن النظام هو من صنعه.

 

فالنخب المعارضة والمؤيدة تنشغل بالجدل، والإعلام يجد موضوعاً يومياً، والشارع يتابع سجالاً سياسياً مستمراً، بينما تظل السلطة، في المقابل، تمتلك مساحة أكبر لإدارة ملفاتها بهدوء والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.

 

والأهم أن هذا الانشغال يمكن أن يؤخر استعداد القوى السياسية للانتخابات الرئاسية المقبلة.

 

فإذا كان الجميع ينتظر الإجابة عن سؤال «هل ستكون هناك مأمورية ثالثة؟»، فقد يتأخر السؤال الأهم: من سيكون المرشح القادر على المنافسة إذا لم تكن هناك مأمورية ثالثة؟

 

وهنا تكمن إحدى أهم المفارقات السياسية.

 

قد يكون النظام، في الحقيقة، غير معني بتعديل الدستور أصلاً، لكنه لا يملك مصلحة كبيرة في إغلاق النقاش حوله ما دام هذا النقاش يستنزف خصومه ويؤجل انتقالهم إلى مرحلة الإعداد الجدي للانتخابات.

 

وفي هذه الحالة، يصبح الغموض نفسه ذا قيمة سياسية.

 

ماذا لو حُسم الملف؟

لو أعلن الرئيس، في الوقت المناسب وبصورة واضحة، أنه لا يسعى إلى تعديل الدستور ولا إلى مأمورية ثالثة، فإن كثيراً من الضجيج السياسي سيسقط تلقائياً.

 

وستضطر القوى السياسية إلى مغادرة منطقة «نعم أو لا للمأمورية» والانتقال إلى منطقة أكثر صعوبة: إعداد المرشحين، بناء التحالفات، صياغة البرامج، مخاطبة الناخبين، والاستعداد الحقيقي للانتخابات.

 

وهذا تحديداً ما قد لا يكون مريحاً لبعض الأطراف.

 

فمعركة المأمورية سهلة نسبياً: إما مع أو ضد.

 

أما تقديم مرشح قادر على المنافسة، وإقناع الناخبين ببرنامج بديل، وبناء شبكة سياسية واجتماعية واسعة، فهي مهمة أكثر تعقيداً بكثير.

 

ومن هنا، فإن حسم الرئيس للمسألة، إذا اختار ذلك، لن يكون مجرد موقف دستوري؛ بل سيكون أيضاً اختباراً حقيقياً لجدية الطبقة السياسية واستعدادها للانتقال الديمقراطي.

 

السنغال: الدرس لا الوصفة

التجربة السنغالية تستحق الاستحضار، لا باعتبارها نسخة يمكن إسقاطها على موريتانيا، وإنما باعتبارها تنبيهاً إلى خطورة تحويل النصوص الدستورية إلى مجال للتأويل عندما يتعلق الأمر ببقاء الرئيس في السلطة.

 

ففي 2012، ترشح الرئيس عبد الله واد لمأمورية ثالثة رغم الجدل حول دستورية ترشحه، بعدما اعتبر أن القيود الجديدة على عدد المأموريات لا تنطبق بأثر رجعي على مأموريته الأولى. وأثار ترشحه احتجاجات وأزمة سياسية، قبل أن يخسر الانتخابات أمام ماكي سال.

 

أما ماكي سال نفسه، فقد عدل الدستور سنة 2016، ومن بين الإصلاحات تقليص المأمورية الرئاسية من سبع إلى خمس سنوات، وظلت مسألة احتساب المأموريات والحق في الترشح مستقبلاً محل نقاش سياسي وقانوني، قبل أن يحسم سال الأمر بإعلانه في 2023 عدم الترشح لولاية جديدة في 2024.

 

والدرس السنغالي هنا ليس أن أي تعديل دستوري سيؤدي بالضرورة إلى أزمة، وإنما أن وضوح قواعد التداول على السلطة يظل أفضل من تركها رهينة للتأويل السياسي.

 

إذا لم تكن هناك مأمورية ثالثة.. ماذا بعد؟

ربما يكون هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل الموريتانيين أكثر من غيره.

 

إذا انتهت المأمورية الثانية وفق القواعد الدستورية، فإن البلاد ستدخل انتخابات رئاسية جديدة.

 

ومن المفترض عندها أن تكون القوى السياسية قد استعدت منذ الآن.

 

لا أن تنتظر حتى اللحظة الأخيرة، ولا أن تكتفي بتجميع المواقف الرافضة للرئيس، ولا أن تراهن على أزمة اجتماعية أو خطأ سياسي للنظام.

 

الانتخابات الجادة تحتاج إلى مرشح جاد، وبرنامج واضح، وفريق سياسي، وخطاب قادر على إقناع الناخبين.

 

وهنا يمكن أن يكون الجدل حول المأمورية الثالثة، فرصة ضائعة للقوى السياسية إذا استمر طويلاً؛ لأنه يمنحها موضوعاً جاهزاً للنقاش، ويعفيها من العمل الأصعب: صناعة البديل.

 

الدولة أهم من الأشخاص

في النهاية، لا ينبغي أن يكون مستقبل موريتانيا مرتبطاً بشخص الرئيس وحده.

 

إذا كانت تجربة المأموريتين قد أنتجت مشاريع وسياسات وإصلاحات، فالقيمة الحقيقية لهذه التجربة هي قدرتها على الاستمرار بعد تغير الرئيس.

 

الدولة التي تحتاج إلى بقاء شخص واحد حتى تستمر مشاريعها ليست دولة مؤسسات مكتملة.

 

أما الدولة القوية فهي التي يستطيع فيها الرئيس أن يغادر، وتستمر المؤسسات، وتُحفظ المشاريع، وتُجرى الانتخابات، ويأتي رئيس جديد يستطيع البناء على ما سبقه أو تصحيح مساره.

 

ولهذا فإن السؤال السياسي الأكثر أهمية ربما لا يكون: هل يريد الرئيس مأمورية ثالثة؟

 

بل: هل تستعد موريتانيا، رئيساً ونظاماً وأحزاباً ونخباً ومجتمعاً، لانتخابات ما بعد المأمورية الثانية؟

 

فإذا كان الرئيس يريد مأمورية ثالثة، فالمسألة يجب أن تُناقش بوضوح وفي إطار الدستور والمؤسسات.

 

وإذا كان لا يريدها، فإن أفضل ما يمكن أن يحدث هو أن يُحسم الأمر بوضوح، حتى تتوقف البلاد عن استنزاف وقتها في معركة افتراضية، وتتجه القوى السياسية إلى الاستعداد للاستحقاق الحقيقي.

 

وعندها فقط سيتحول السؤال من «هل سيبقى الرئيس؟» إلى السؤال الذي ينبغي أن يكون محور كل انتخابات ديمقراطية:

 

من يستطيع أن يقنع الموريتانيين بأنه الأقدر على قيادة المرحلة المقبلة؟

الأحدث