تخطى الى المحتوى

ديناميكية حزب الإنصاف.. بين تثمين الحراك وضرورة تصحيح المسار

أحمد محمد المامي السعيد

جدول المحتويات

لا شك أن حزب الإنصاف شهد خلال الفترة الأخيرة ديناميكية سياسية وتنظيمية تستحق التثمين، سواء من حيث كثافة الأنشطة، أو الحضور الميداني، أو محاولة إعادة الحيوية إلى هياكل الحزب وقواعده، وهو ما يعكس بوضوح وجود إرادة سياسية لإعطاء الحزب دورًا أكثر فاعلية في المشهد الوطني.

 

وقد ساهمت التوجيهات الصادرة عن الجهات العليا، إلى جانب الديناميكية التي طبعت أداء الحزب في ظل رئاسة المهندس محمد ولد بلال، في دفع الحزب نحو مزيد من الحضور والتواصل مع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في مختلف مناطق البلاد.

 

وهذه النقلة في حد ذاتها إيجابية؛ فالأحزاب السياسية لا يمكن أن تؤدي أدوارها من داخل المكاتب وفي المناسبات المركزية فقط، وإنما تحتاج إلى النزول إلى الميدان، والاستماع إلى قواعدها، والاقتراب من المواطنين، ومعرفة التحولات التي يشهدها المجتمع، وقراءة موازين القوى السياسية والاجتماعية قراءة دقيقة.

 

غير أن تثمين هذه الديناميكية لا يمنع من تسجيل بعض الملاحظات التي قد تساعد على تطويرها وتحقيق الأهداف المرجوة منها.

 

وضوح الرسالة.. شرط لنجاح البعثات

من أبرز الملاحظات التي تفرض نفسها على المتابع للبعثات الأخيرة للحزب أن الرسائل السياسية التي تحملها بعض هذه البعثات لا تبدو دائمًا واضحة بالقدر الكافي.

 

فما الهدف المحدد من البعثة؟

هل هو إعادة هيكلة الحزب؟

أم التواصل مع القواعد؟

أم تقييم أداء الهياكل؟

أم الاستماع إلى المنتخبين والأطر؟

أم حل الإشكالات الداخلية؟

أم التحضير لاستحقاقات سياسية قادمة؟

أم كل ذلك مجتمعًا وفق برنامج واضح ومحدد؟

 

إن تعدد الأهداف ليس مشكلة في حد ذاته، لكن المشكلة تكمن عندما لا تكون الأولويات واضحة للمبعوثين وللقواعد التي يستقبلونها. فالعمل السياسي الميداني يحتاج إلى رسالة محددة، وأهداف قابلة للقياس، وآلية واضحة لرفع النتائج والتوصيات إلى قيادة الحزب.

 

البعثة السياسية الناجحة ليست مجرد زيارة، ولا ينبغي أن تختزل في اجتماع جماهيري أو لقاء بروتوكولي؛ وإنما هي مهمة سياسية لها أهداف محددة، تبدأ بجمع المعطيات وتنتهي بتقديم قراءة واقعية واقتراحات عملية.

 

اختيار المبعوثين.. مسألة تستحق المراجعة

الملاحظة الثانية، وربما الأكثر أهمية، تتعلق بطبيعة الأشخاص الذين يتم اختيارهم لتمثيل الحزب في هذه البعثات.

 

فالمبعوث الحزبي عندما يذهب إلى منطقة لا يمثل فيها نفسه فقط، وإنما يمثل حزبًا سياسيًا بكامل ثقله ومرجعيته وقيادته. ومن ثم فإن اختياره ينبغي أن يخضع لمعايير تتجاوز مجرد التمثيل الإداري أو الأقدمية التنظيمية.

 

فالعمل السياسي الميداني يحتاج إلى شخص يمتلك الحد الأدنى من المعرفة السياسية، والقدرة على التواصل والإقناع، والاستماع، وإدارة النقاش، وقراءة الواقع المحلي، والأهم من ذلك القدرة على فهم خصوصية المنطقة التي أوكلت إليه مهمة زيارتها.

 

ومن الصعب تصور نجاح بعثة سياسية في منطقة لا يعرف مبعوثوها جغرافيتها السياسية والاجتماعية، ولا يعرفون الفاعلين فيها، ولا طبيعة التحالفات والتوازنات، ولا تاريخ العلاقات بين مختلف المكونات والفاعلين.

 

فموريتانيا ليست كتلة سياسية واجتماعية واحدة؛ ولكل ولاية ومقاطعة وبلدية خصوصياتها، ولكل منطقة تركيبتها الاجتماعية، وفاعلوها السياسيون، وشخصياتها المؤثرة، وتاريخها الانتخابي، وحساسياتها المحلية.

 

ولهذا، فإن اختيار المبعوث ينبغي أن يكون مبنيًا، قدر الإمكان، على معرفة مسبقة بالمنطقة، أو على الأقل على فريق يجمع بين المعرفة السياسية العامة والمعرفة الدقيقة بالواقع المحلي.

 

المبعوث ليس ناقل رسالة فقط

المبعوث السياسي الناجح لا يذهب إلى المنطقة لكي يقول فقط ما تريد القيادة أن تسمعه القواعد، وإنما يذهب أيضًا ليسمع ما تريد القواعد أن تقوله للقيادة.

 

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للبعثات.

 

فالقيادة الحزبية تحتاج إلى معلومات صادقة عن واقع الحزب في الداخل: أين تكمن نقاط القوة؟ وأين توجد نقاط الضعف؟ ما طبيعة الخلافات؟ من هم الفاعلون الحقيقيون؟ ما مدى حضور الحزب؟ وما الذي ينتظره المواطنون؟ وما الذي يمكن أن يؤدي إلى تعزيز الثقة بين الحزب وقواعده؟

 

وإذا كان المبعوث يفتقر إلى المعرفة السياسية والاجتماعية بالمنطقة، فقد يعود بتقرير لا يعكس الواقع الحقيقي، أو قد يعتمد في معلوماته على أشخاص محددين، فتصل إلى القيادة صورة جزئية وغير مكتملة.

 

وهذا أمر ينبغي الانتباه إليه، ليس انتقادًا للأشخاص، وإنما حرصًا على نجاح المشروع السياسي نفسه.

 

من الديناميكية إلى الفاعلية

إن الديناميكية التي يشهدها حزب الإنصاف اليوم تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء علاقة أكثر قوة وفاعلية بين الحزب وقواعده.

 

لكن المطلوب هو الانتقال من كثافة النشاط إلى جودة النشاط، ومن عدد الزيارات إلى قيمة النتائج، ومن المهرجانات والاجتماعات إلى بناء عمل سياسي مستدام.

 

ويمكن أن يكون من المفيد، في هذا السياق، وضع معايير أكثر دقة لاختيار أعضاء البعثات، وتكوين فرق تجمع بين السياسي والتنظيمي وصاحب المعرفة المحلية، مع إعداد برنامج واضح لكل بعثة، وتحديد أهدافها ورسائلها ومخرجاتها.

 

كما أن تقييم البعثات بعد عودتها سيكون خطوة مهمة: ماذا أنجزت؟ ماذا اكتشفت؟ ما هي المشاكل التي رصدتها؟ وما هي التوصيات التي قدمتها؟ وما الذي تم تنفيذه من تلك التوصيات؟

 

النقد من أجل النجاح

إن تسجيل هذه الملاحظات لا ينبغي أن يفهم باعتباره تقليلًا من أهمية الحراك الأخير، بل العكس تمامًا.

 

فمن الطبيعي أن يفرح أنصار الحزب بكل ديناميكية تعيد الروح إلى العمل الحزبي، ومن الطبيعي كذلك أن يرافق هذا الحراك نقد داخلي صريح ومسؤول، لأن الحزب الذي يريد أن يكون فاعلًا ومؤثرًا يحتاج إلى أن يسمع الملاحظات من داخله قبل أن يسمعها من خصومه.

 

والإنصاف يقتضي القول إن الديناميكية الحالية تمثل خطوة إيجابية، لكن الحفاظ على زخمها وتطوير نتائجها يتطلبان مزيدًا من التنظيم، ووضوح الرسائل، وحسن اختيار الكفاءات السياسية التي تتولى مهام التواصل الميداني.

 

فالحزب القوي ليس هو الذي يتحرك كثيرًا فحسب، وإنما هو الذي يعرف لماذا يتحرك، وإلى أين يتجه، ومن يرسله، وماذا يريد أن يعود به من الميدان.

 

وهنا تحديدًا يمكن أن تتحول الديناميكية الحالية لحزب الإنصاف من مجرد حراك سياسي وتنظيمي إلى مشروع حقيقي لإعادة بناء الفاعلية الحزبية وتعزيز الثقة بين القيادة والقواعد، وجعل الحزب أكثر قدرة على مواكبة المرحلة السياسية المقبلة

الأحدث