جدول المحتويات
إذا كانت الحكومة الإسبانية ترى أنه من "حقها" التحقيق في موجة العبور الكبيرة إلى سبتة لتتخذ الموقف الحازم ممن تسبب فيه بما في ذلك استخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر، فمن حق المغرب أن يفعل ما يرى أنه مناسب لمصلحته الوطنية أيضا. الحلقة المفقودة في عملية التستر وراء التحقيقات الإسبانية والتبرئ من قبل الحكومة المغربية هي عدم الاعتراف بالحقيقة التي تقول بأن المدينتين الملاصقتين للجرف القاري الإفريقي هما مدينتان مغربيتان محتلتان أصلا. والتخفي وراء الإصبع لإنكار هذا الأمر لا يغير من الحق شيئا.
ثم من هم القصّر الذين تتحفظ على بقائهم الدولة الإسبانية ولأي مصلحة؟ أمن نبتت له لحية واخضر مئزره ومن أصبحت تحيض وتقدر على الحمل والإرضاع؟ القوانين الوضعية في تحديد القاصر بمن هو دون الثامنة عشرة قوانين قاصرة، تشبه هذه التحقيقات التقنية التي تتجاهل السبب الرئيسي لعبور عشرات الآلاف إلى أرضهم المسلوبة، ولما هو آت من عبور أكبر وعبور آخر أعظم سيليه.
إن الأساس الذي اعتمد عليه القرار السياسي للاتحاد الأوروبي والحكومة الإسبانية في تكييف ما حدث بأنه غزو أو نحو ذلك أساس باطل، يعتبر ما حدث من استيلاء دولة أجنبية على أراضي الغير بالقوة معيارا للحكم حتى لو كانت الجغرافية والتاريخ يدحضانه. فالاسمان سبتة ومليلة عربيان، وهما مدينتان محتلتان إلى اليوم، وعلى هذا الأساس تبنى المقاربة لا على أساس الواقع على الأرض. ومثل هاتين المدينتين كمثل شرق أكرانيا والأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة من قبل الكيان الصهيوني؛ إذن نحن أمام مقاربة خاطئة بكل المقاييس، ولن يغير الموقف الأوروبي طبيعة المدينتين ولن يحول دون مزيد من المحاولات السلمية وغيرها لاستعادتهما إلى حضنهما الطبيعي. فعلى السياسيين الأوروبيين والإسبان أن يستفيقوا ولا يزنوا الأمور بميزانين مختلفين.
قضائيا لا يمكن إثبات تورط السلطات المغربية في العبور، وسياسيا من دبر العبور معروف. ولكن أما كان لإسبانيا قابلية لاستقبال هذا العدد الكبير من المهاجرين وهي بأمس الحاجة إلى اليد العاملة وإلى الديموغرافيا؟ لو لم يك هنالك ضغط من اليمين الإسباني لأعطى "سانشيز" كل من عبر إقامة وجنسية، فهو رجل من حكماء الإسبان وليس سياسيا متطرفا. مع لحاظ أن الجنسية لا تعطي الحق في معاداة الأمة الإسلامية كما يفعل بعض المدافعين عن الحكومة الإسبانية من العرب المتجنسين. ولا ننس أن واقع إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا بل وأوروبا كلها ليس جنة كما يتصور العالم، وربما كان العابرون عبر الحدود يحملون للأوربيين أفضل حياة بديلة لو كانوا يعلمون.
أبدع أهلنا في المغرب في عالم الفلسفة، وقدموا للأمة نماذج أصيلة فككت التجربة الغربية في هذا المجال ورسمت للأجيال القادمة الخطوط العامة لفلسفة إسلامية حديثة. ولكنهم - مع الأسف الشديد - فشلوا في تقديم نماذج سياسية تخرج الأمة من نمط التقليد، تقليد النماذج السياسية الغربية الغريبة عن الثقافة الأصيلة. ولعل أسوأ أسلوب لإدارة الشعوب في ظل الأنظمة الاستبدادية أن تصنع أملا كاذبا، ثم تدعو الناس إلى التصويت عليه، لتنقضي سنوات من عمر الشعوب بلا حصاد يذكر. والغريب أن من يمسك بزمام السلطة في المغرب - وهي مؤسسية المخزن بقيادة الملك - تدفع بهؤلاء المهرجين السياسيين إلى تحمل المسؤولية وتنأى هي بنفسها عن ذلك في كل مرة يعود فيها الشعب إلى واقعه المزري بخفي حنين.
أن يعي الشعب هويته الإسلامية أولى بنود البرامج النهضوية، وأن يدرك أن العمل للآخرة أفضل من هجرة لدنيا يصيبها عند "ملوك قشتالة"، وأن الرضا بما قسم الله من أرزاق قيمة أساسية، يزيد منسوبها الحقيقي بالتقوى والشكر، لا بالوعود الكاذبة وتبذير الأموال الطائلة على اللهو غير المباح. قال تعالى: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين}. أما تسويق "الانتصار" الانتخابي على أنه نتيجة لما حققه أصحابه في الرياضة وخبرتهم في الإدارة وبقدرة امرأة محامية على القيادة... فتلك مهازل أخرى من مهازل السياسيين في بلداننا المسلمة.
إمارة المؤمنين تتطلب شروط الولاية العامة المنصوص عليها في الفقه المالكي في كل شخص يتولى منصبا من مناصب الحكم من أعلى الهرم إلى أدناه. إقحام قضية المساواة بين الجنسين والاحتفاء بالمكلفة كونها امرأة تولت مسؤولية قيادية لا علاقة له بالوظيفة التي كلفت بها، هذا خروج عن المطلوب، أي أن رئاسة الحكومة ليست كطب التوليد والجراحة النسائية. يضاف إلى ذلك أن التكوين العلمي للمكلفة بتسيير الحكومة وخبرتها الميدانية يرشحانها لوظيفة الاستشارة القانونية لا إلى تولي جهاز التنفيذ، لأن موازينها للأمور مختلفة عما يدين به المجتمع المغربي، ولا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تنسجم مع الإيقاع الثقافي العميق لهذا الشعب المسلم المضيوم.
ما كتبه السيد عمار بلاني توصيف لواقع حال متداول في كواليس الحكم الجزائرية على أعلى المستويات، والذي لا ينقل الرجل من خلاله هواجس هذا البلد المحوري إلى كل من يعنيه الأمر بقدر ما هو رصد لواقع معركة تتحضر، تتزامن وحالة التعبئة العامة التي دخلتها الجزائر رسميا والاستفزاز الغربي بفرض حل عبر مجلس الأمن يدعم الموقف المغربي، الذي ارتمى في حضن أعداء الأمة الإمارات والكيان الصهيوني.
إنه ليس بالمال وحده تحدد الدول مواقفها. وإذا كان من نقاط ضعف للدبلوماسية الجزائرية ففي عدم قدرتها على توظيف المال السياسي في العلاقات الدولية، فإن التعويل على المواقف "الرجولية" - بالمفهوم الجزائري - لدول الجوار كتونس وليبيا وموريتانيا لا يكفيان وحدهما لبناء منظومة تحمي الأمن القومي الجزائري. فـالفلوس تغير النفوس، ولا يمكن للآخرين أن يُحْمَلوا على مقاربة جزائرية الطابع لترتيب المنطقة، وهي التي تحتاج شعوبها جميعا إلى توفير أسباب العيش وتتطلع أيضا إلى وحدة ونهضة في ظلال العقيدة الإسلامية كأسمى أمانيها.
وإذا كان ربائب الإنجليز من العرب قد تربوا في أحضان الأم الوالدة للكيان الصهيوني، فلا يبعد أن تكون التحولات الجارية على قدم وساق - وبسرية لا تخلو من كيدية في غرب الساحل الإفريقي وقابلية لدى تلك الدول المتجاورة كذلك - مؤشرات مقلقة للغاية على مستقبل لا يبشر المغاربة بخير، خاصة وأن الحية الصهيونية تنفث سمومها في روع بعض الناس، كما نفثت سمومها في القرن الإفريقي المتفجر حربا منذ حين. وإن من يهوى صيد الأفاعي السامة يتحين الفرص ليدخل عليها الباب ولو كان آتيا إليها من بعيد.
إن المملكة المغربية لا تدع فرصة سانحة إلا وتؤكد فيها تورطها في العلاقات مع أعداء الأمة. وهذا يعزز النظرة السائدة في شمال إفريقية بأن المغرب الأقصى كان ولا يزال فضاء رحبا للوبي المتصهين المتوغل في حياته إلى الأعماق، ليس في الوسط الاجتماعي فحسب، بل في دوائر القرار المخزني كذلك. وآية ذلك هذا التقارب والاعتراف والتعاون على كل الأصعدة مع كيان محتل، يتسبب في نزيف دائم لقلب الأمة الإسلامية.