جدول المحتويات
يكثر الحديث في الأوساط الإعلامية والسياسية عن حرب قادمة بين الكيان الصهيوني وسوريا، تسمع صدى هذا الحديث في وسائل الإعلام وتصريحات بعض مسؤولي الكيان، تسمع الصدى بشكل أوضح في الدبابات الإسرائيلة الرابضة على جبل الشيخ، وفي القصف الاستفزازي لمقرات السلطة الجديدة في دمشق، وفي تحريض الأقليات ومحاولة صنع خميني جديد في السويداء، فهل يقدم الكيان على ساعة الصفر، أو بعبارة أدق ماذا لو أقدم؟
عقدة الجغرافيا
لم تزل الجغرافيا تحكم على التاريخ، ولم تزل أسرار كثير من الحوادث العظام والقضايا الجسام تكمن في الجغرافيا، فالجغرافيا هي القدر كما قال الجنرال الفرنسي الذي دوخ أوروبا نابليون بونابرت.
إن هذا التأثير الهائل للجغرافيا الذي ظهر أثره قديما في التاريخ، قد حكم على سياسات الدول واستراتيجياتها، كما حكم على عادات وطبائع شعوبها، إن هذا التأثير الهائل يظهر في كثير من السياسات الدولية، فروسيا تعاني من أزمة المياه الدفيئة وتسعى للسيطرة على الدول الضعيفة التي تملك سواحل ممتدة، والولايات المتحدة الأمريكية تميل إلى العزلة نظرا لبعدها قاريا وإحاطة المياه لها من جميع الجهات (القارة الأمريكية الشمالية) ولذلك تتمكن مدرسة الانعزالية في السياسة الأمريكية يوما بعد يوم، وترامب أكبر مثال، وأبو ظبي تشعر بالاختناق في مساحتها المحدودة ولذلك تسعى للتوسع بطريقتها الخاصة، وهكذا دواليك، حيثما نظرت في السياسة الدولية وجدت عقدة الجغرافيا حاضرة.
الجغرافيا عقدة إسرائيل الكبرى
لا تعاني دولة في العالم من عقدة الجغرافيا ووطأة المعطيات الجيوسياسية كما يعاني من ذلك الكيان الصهيوني، فإسرائيل هذا الجسم الغريب في محيط متلاطم من العروبة والإسلام يفقده كل شعور بالأمان.
يدرك قادة الكيان أن إسرائيل قد كتب عليها بحكم الجغرافيا قبل التاريخ والسياسة، أن تكون في حالة استنفار أمني دائم، فهي لا تستطيع أن تعيش خارج دائرة العسكرة، أو هي بمعنى آخر قاعدة عسكرية في ثوب دولة وأمة أو بلغة المفكر الكبير المسيري مخلب قط وضعه الغرب لكي يمنع الاستقرار والانسجام في الشرق الأوسط.
إن الجغرافيا قد جعلت الكيان الصهيوني في مساحة محدودة محاطا بعدة دول معادية على حدوده المباشرة ومقطوعا من أي امتداد ديني أو عرقي على حدوده، مما جعلها في خطر وجودي دائم، مجردة من كل بعد استراتيجي وحماية طبيعية وامتداد عرقي ديني تأوي إلى ظله في كل الحروب والأخطار التي تواجهها.
إن هذه العقدة الكبيرة والحقيقة الأليمة قد جعلت الكيان يوظف جل طاقاته في الأمن والسلاح والاستخبارات على وجه التحديد، فالموساد هو أكبر ترجمة لهذه العقدة الاستراتيجية الخطيرة، كما جعلته هذه العقدة يستميت في حشد الدعم الدولي بكل الطرق المباشرة وغير المباشرة، إن إسرائيل كيان يعيش بقدمين، قدم الاستخبارات وقدم لوبيات الدعم الدولي، ولكن هذه وحده لا يكفي، فكيف يفكر الكيان في الهروب من لعنة الجغرافيا والتاريخ.
إسرائيل والمهمة الأبدية
يدرك قادة الكيان الصهيوني أن دولتهم في خطر دائم وأنه لا يكفي فقط الحماية والدفاع، فالعقدة الاستراتيجية لا تقبل منهم مجرد الدفاع عن حدودهم، ليس لهم تلك الرفاهية التي تملكها دول حبتها الجغرافيا بحماية طبيعية، فقد كتب على الكيان القتال وهو كره، ولو كان له الحكم على الجغرافيا، لاختار الحياة بلا تردد، {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة}.
إن الضرورة الاستراتيجية تفرض على الكيان أن يتبنى القاعدة المعروفة "خير وسيلة للدفاع الهجوم" ولذلك يحرص الكيان في سياسته الخارجية والأمنية والدفاعية على ضمان التفوق النوعي لإسرائيل وعدم السماح بقيام دول إسلامية أو عربية على الخصوص قوية عسكريا بما يشكل تهديدا وجوديا للكيان ولو كانت الدولة في غاية التطبيع والمهادنة مع الكيان، لا يهم الحب والود والدبلوماسية، المهم الحقيقة الواقعية، أنا الأقوى وكفى.
يظهر ذلك في رفض الكيان لإعطاء الإمارات طائرات "إفـ - 35"، رغم كل التنازلات الإماراتية والتطبيع الشامل الذي قدمه حكام أبو ظبي، كما يظهر في الرفض القاطع لتوطين طاقة نووية سلمية في السعودية مقابل التطبيع، فرغم أهمية ملف التطبيع عند الكيان إلا أن العقدة الاستراتجية أهم وأشد.
تظهر هذه العقدة بوضوح في الاستماتة الإسرائيلية في منع إيران من امتلاك سلاح نووي بكل الوسائل، كما تظهر في ضغط نتنياهو المفرط على ترامب في عدم بيع طائرات "إفـ - 35" لتركيا أو بيع محركات نفاثة لها.
إنه ليس من المبالغة القول إن هذه العقدة هي المفتاح والشفرة لفهم كافة سياسات الكيان في الخمسين سنة الماضية، فما اتفاقية كامب ديفيد ومحاصرة تحركات الجيش المصري في سيناء إلا انعكاس لتلك العقدة، ولم يقتصر الأمر على الدول المجاورة للكيان بل شمل كافة العالم العربي والإسلامي، فالدعم الإسرائيلي لانفصال جنوب السودان معروف والتقارير الصهيونية منذ الستينيات في ضرورة عدم قيام دولة مستقرة في مساحة ضخمة كمساحة السودان حتى لا تشكل خطرا على الكيان، أمر معروف وموثق.
إن كافة تحركات الموساد وجهود اللوبيات الصهيونية تكمن في منع قيام دولة عربية أو إسلامية قوية، لا يهتم الكيان بمسألة تطور البنية التحتية أو الازدهار الاقتصادي القائم على السياحة والاستثمار، وإنما يركز كل التركيز على منع التفوق العسكري والنهضة الصناعية والاستقرار السياسي لدولة معادية.
سوريا والعقدة الصهيونية
لا يخفى على أدنى مطلع الأهمية الكبيرة لسوريا بالنسبة للكيان، فسوريا دولة عربية إسلامية، وسوريا دولة محاذية للكيان حدوديا، كما أن سوريا عبر التاريخ ظلت بطبيعة شعبها والثقافات الموجودة فيها عصية على التطبيع والتماهي مع الكيان، حتى في زمن الممانعة الصوتية للنظام العلوي. ظلت سوريا بطبيعتها وفطرتها جار رافض للكيان الغاصب، فكيف ينظر الكيان لسوريا بعد التحول الجديد وما تداعيات ذلك على السياسات والمواقف.
التوجس الصهيوني
يستشف من قراءة تصريحات المسؤولين الإسرائيليين عن سوريا ومن كافة التحركات التي حصلت منذ سقوط نظام الطاغية، أن الكيان الصهيوني في سوريا بين سندان الفرح بسقوط حليف آخر لإيران ومطرقة الخوف من الهوية الفكرية والمرجعية السياسية للحكام الجدد.
إن كافة الخطوات الدبلوماسية والتصريحات المطمئنة التي يطلقها قادة سوريا الجدد، لن تمحو عن الكيان جروح العقدة الاستراتيجية، كما لن تمحو عنهم تأثير تاريخهم القديم الطويل والمرجعية الإسلامية السلفية الجهادية التي حملوها وانطلقوا منها، فكيان متوجس شكاك مثل إسرائيل، لن يطمئن لأي جار عربي على حدودها، فكيف بحكومة ذات تاريخ إسلامي حركي واضح.
يظهر كل هذا التوجس في كل الخطوات التي قامت بها إسرائيل منذ سقوط الأسد، بداية بتصريحات نتنياهو بعدم قبول حكومة متطرفة على حدوده، ومرورا بتبني الجيش الإسرائيلي بالحق في حماية الدروز في سوريا كامتداد للمواطنين الدروز في الكيان، وانتهاء بتحريض الأقليات ومحاولة جعل سوريا دولة فدرالية ضعيفة منزوعة السلاح.
لا يشك عاقل منصف في فشل مخطط التقسيم بسبب يقظة الحكام الجدد لسوريا والدعم التركي الاستراتيجي مع السياسة الخارجية الحكيمة، ولكن ذلك لن يوقف عقدة الكيان الصهيوني الاستراتيجية.
إن الكيان قد تراجع عن تقسيم سوريا بسبب ضغط المصالح المتناقضة وضعف موازين القوى التي يمتلكها في الداخل ولكنه لن يتراجع عن محاصرة سوريا وضمان جعلها دولة ضعيفة منزوعة السلاح، يظهر ذلك في التصريحات المستفزة وفي القصف الإسرائيلي الأخير على إدلب.
فيا لها من وقاحة أن يقول وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس (الرسالة للرئيس السوري واضحة، حين تستيقظ صباحا في القصر وتنظر للأعلى نحو جبل الشيخ وترى جيشنا فتدرك أننا هنا لحماية بلداننا وسكاننا).
إنه العقدة والتوجس الذي لا مرد له، يمكن أن نقول إن الكيان يئس من تقسيم سوريا ولكنه مستميت في محاصرتها والحرص على أن تكون منزوعة السلاح، إن تصريحات نتنياهو بعدم السماح بوجود قاعدة عسكرية تركية في سوريا والحرص على التمسك بجبل الشيخ والقنيطرة، تكشف بوضوح الحدود الاستراتيجية لإسرائيل في سوريا.