على مدار الساعة

الأرض المستباحة

30 مايو, 2017 - 10:52
الحسين أعمر

هذه الأرض جعل الله عليها اثنان مواطن لا يأبه بأرضه، وحاكم لا يهمه إلا جيبه،  ومع هذان وضعت موريتانيا ما يزيد على نصف قرن، من الزمن خلفها، وهي تمضى على نفس النسق بفعل سكانها ومن يتولى أمرهم.

 

خضعت هذه الأرض لسلطة المستعمر كباقي نظيراتها سواء في إفريقيا، أو دول العالم الأخرى، بقيت تحت سلطته ردحا من الزمن، لكنه لم يستطع أن يحدث كثيرا من التغيير داخلها، أي بمعنى أنه لم يؤثر عليها لا دينيا ولا ثقافيا، ولا حتى لغويا، وذلك لأسباب مختلفة تجعلنا نفخر بها، لعل من أبرزها طبيعة المجتمع المحافظة، وأسلوبه في العيش القائم على الترحال خلف المواشى وبرك المياه، لذلك لم يجسد المستعمر ثقافته فينا مقارنة بدول أخرى.

 

وأمام رفض المجتمع له وتوافقه نسبيا مع شيوخ القبائل،  لم يكلف المستعمر نفسه عناء بناء بنية تحتية، كما فعل مع بلدان أخرى، ولم يضع نظما تعليمية حقيقة تغير من عقلية الإنسان البدوي القادم على حضارة لا يعرفها، أساسها التمدن، بل استأثر بخيرات الأرض، وأخذ ما يريد دون مقابل يدفعه لهذه الأرض وسكانها.

 

رحل المستعمر، وترك الأرض كما وجدها، وترك العقول تقريبا كما وجدها، وإن تأثر به النزر القليل، ليترك الأرض كما وجدها تقريبا.

 

أرض شاسعة بلا دوائر ولا مراكز حكومية مما يصعب قيام الدولة الحديثة، لكن أبناء البلد كانوا على قدر المسؤولية مهمة  لتبدأ مهمة بناء الدولة الوطنية، التي لم يترك لها الفرنسيين  مقومات.

 

استطاع أبناء هذه البلاد أن يفعلوا لها ما يشبه المعجزة، حيث عبروا بها تحديات التأسيس، واستطاعوا أن يخطوا بنية تحتية بدأت بتأسيس العاصمة، وكذا أرسوا معالم النظم القانونية.

 

لم تتعدَّ تلك التجربة المدنية الناضجة ـ حسب رأي ـ ثمانية عشر سنة، حتى استيقظ  الشعب على واقع مختلف، وتم إعلان "البيان رقم"1، ليجهض التجربة المدنية، الناشئة وتم إلغاء الدستور، وتم العمل بالأحكام العرفية، وأصبح التداول على السلطة يحدث عن طريق البيانات والانقلابات البيضاء، والشعب يتفرج عليهم وهم يأكلون من خيراته ويتداولون على تسيير شؤونه.

 

تلك هي قصة هذه الدولة منذ أن استقلت، ولا يبدو أن الحكم الرشيد أو الديمقراطية بمفهومها الواسع والمجسد، سيحلون قريبا من دارنا. فتلك مساكن الذين فعلوا هذا بنا لا تزال قائمة، لتكون عبرة لكل صاحب بزة عسكرية أن انقلب على صاحبك وكل مما أفاءت السلطة به عليك، وتعالى إلى تقاعد دون حساب ولا عقاب. فالشعب متسامح لا يمتلك ذاكرة كبيرة ولاقوية، ينسى ماضيه بسرعة، يعيش لحظته فقط. ويدعو لحاكمه بالجنة إن هو شبع وأطاح به صاحبه.

 

ولعل من نشهده اليوم من تبذير الأموال في الشروح الواهية والزيارات الخاوية للدعاية  لتعديل باطل لا مبرر له، يجعلنا نخاف أكثر على مستقبل هذا البلد، الذي يبدو أن أجياله القادم لن تختلف عنا، فسنورث لها ما نعيشه وما نملكه من ظلم وفساد، ومحسوبية، وفشل.

 

على كل المسويات نعيش أزمات كبيرة حادة، يحدث هذا في بلد تتمتع أرضه بثروات معدنية وبحرية، كثيرة، ولا يزيد سكانه عن أربعة ملايين نسمة.

 

أرض لا يزدهر عليها إلا منهج  "السيبة" وغياب السلطة القانونية التي تجعل الأرض تزدهر، بعمل عامريها، وبفضل ما تحتها وفوقها من ثروات، طبيعة وبشرية.

 

ونظام يحكم بقوة الشرع والقانون العادل في تسيير شؤون الجماعات.

 

واقع كطعم الحنظل لا يخفف منه إلا أن ننظر إلى المستقبل بأمل، عسى الله يجعل من أهل هذه الأرض من يهتم لها وينتشلها من هذا الحاضر الذي يجعل من المستقبل شيء مخيف.