على مدار الساعة

العبودية.. الجذور والحلول

24 سبتمبر, 2024 - 23:11
الشيخ: أبوبكر أحمد المختار

العبودية مشكلة إنسانية قديمة، أفرزتها سنة الصراع، والتدافع الإنساني عبر التاريخ، في غياب أي قانون إلهي، أو وضعي، يمكن أن يضبط "حق القوة" أو يضع له حدا يقف عنده، فضلا عن أن يمده ببعد أخلاقي إنساني يهذبه.

 

والمتتبع لتاريخ الحضارات البشرية القديمة، المصرية، والفارسية، والهندية وغيرها يهوله تواطؤها على ممارسة الرق على نطاق واسع وبدون أي ضوابط باعتباره عملا 

أخلاقيا، وتطورا إنسانيا عظيما عندهم لكونه يعني نجاة الأسير من القتل والاكتفاء باستعباده، بالنظر إلى أن السماح للإنسان بالعيش - ولو في أدنى مراتب الحياة - أفضل من قتله، فعلى أكتاف العبيد بنى المصريون القدامى الأهرامات، والمعابد حتى أضحى الرق عندهم نظاما عرفيا، وأداة لتنمية رأس المال، وكان للفقر دور كبير في نشر، وتجذير هذه الظاهرة على مستوى حضارات أخرى، حيث كان الشخص في الهند مثلا يضطر لبيع نفسه، وأولاده، تخلصا من الفاقة الشديدة، والفقر المدقع، حيث نشأت في الهند طبقة المنبوذين التي لا يحق لها التملك. 

 

أما عند الفرس، فكانت هناك نظرية الحق الإلهي التي صارت عندهم عقيدة مرعية بمقتضاها يرون أن دما من دماء الآلهة يجري في عروق الملوك، مما جعلهم فوق طبقة البشر العاديين، وجعل غيرهم عبيدا لهم مما قسم سكان فارس إلى آلهة، وعبيد. 

 

وبنى اليهود فكرهم السياسي على الحق في استعباد غيرهم، حيث زعموا أن نوحا عليه السلام قد دعا على ابنه حام بأن يكون ولده عبدا لأعمامه: سام، ويافث. 

 

وفي العصور اللاحقة كان للغربيين - والأمريكيين بصورة خاصة - الدور المعروف في الإفراط في استخدام "حق القوة" إلى درجة سمحت لبعض الكتاب بوصف الحضارة الأمريكية على أنها الحضارة المعاصرة الوحيدة التي قامت على أكتاف العبيد المستجلبين بالقوة من قارات أخرى، وما محطة جزيرة "غوريه"" - التي شكلت من القرن الخامس عشر، ولغاية القرن التاسع عشر المركز التجاري الأكبر لتجارة العبيد في الساحل الإفريقي - منا ببعيدة، قبل أن تعتمد هذه القوى المبدأ المعروف: "رمتني بدائها وانسلت". وبهذا الاستعراض العابر ندرك أنه من الظلم الفادح، والجهل الفاضح أن نغض الطرف عن هذا التاريخ الاستعبادي الطويل العريض، ونحاول العلاج للمشكلة بمعزل عن هذه السياقات التي تركت أوضاعا نفسية، وفكرية على مر آلاف السنين. 

 

وعندما بزغ فجر رسالة الإسلام الربانية في بيئة إنسانية معينة تعرف الكثير من العادات الظالمة التي يتطلب تصحيحها - جذريا - وضع أسسا لتصور إنساني شامل لبناء بيئة العدل، والمساواة، ولبسط سيادة "قوة الحق" من جديد، وبناء استراتيجيا مستقبليا يضمن تحقيق النقلة النوعية في المسيرة البشرية، ويؤسس لبناء العلاقة الإنسانية على أساس الأخوة، والتكريم، والعدل، والإحسان وصولا إلى المساواة، مرورا بتغيير المعتقدات وتصحيح التصورات، حتى لا نغير ظلما بظلم، أو نحاول بناء واقع جديد - ولو كان فاضلا - على أسس الإكراه، لأن ما أقيم على الإكراه لا يستمر، وإنما يكتب البقاء لتغيير الواقع المبني على تغيير القناعات، والتصورات، فتغيير المفاهيم يسبق تغيير السلوك، وقد ينتجه، ويثمره. 

 

وبعد بناء هذا التصور الشامل الذي يشكل إطارا ملائما لكل الصياغات الإنسانية الجزئية، وموجها رئيسيا لكل سلوك جزئي حتى لا يناقض الأصول الثابتة في الأخوة، والتكريم، والعدل، والإحسان، والمساواة، ضيق الإسلام مصادر الاسترقاق، حيث لم يترك له من الأسباب الشرعية إلا الجهاد في سبيل الله، وجعله في هذا السبب خيارا من أربع خيارات، لم يصرح في القرآن إلا باثنين منها، ليس من بينهما الاسترقاق مما يوحي بتأخر رتبته بين تلك الخيارات، ثم شدد في غلق الباب أمام أي خيار آخر حيث قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، رجل أعطى بي، ثم غدر، ورجل باع حرا فاكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره (صحيح البخاري). 

 

فما أشد الموقف الذي يتحول فيه شفيع الأمة إلى خصم لفرد منها! ثم قال: "ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة، من تقدم قوما، وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارا - بعد خروج وقتها-، ورجل اعتبد محررا (رواه أبو داوود). والباب الوحيد المفتوح هو ما تشير إليه الآية: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حثى إذا أثخنتموهم فشذوا الوثاق فإما منا بغد وإما فداء حثى تضع الحرب أوزارها) محمد: 4. 

 

وبالمقابل فتحت كل الأبواب، والنوافذ للخروج من حالة الرق "كالعتق الطوعي" المرغب فيه! لحديث: "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار حتى فرجه بفرجه" (متفق عليه)، والعتق عن طريق الكتابة: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي اتاكم) النور: 32، ففي بداية الآية الأمر الإلهي بالاستجابة لرغبة مبتغي الحرية وفي نهايتها الأمر للسيد وللحاكم وللمجتمع بتقديم يد العون المادي له كي يسترد ما التزم به مقابل حريته. كما جعل التحرير "بندا من بنود صرف مداخيل الزكوات" (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمولفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) التوبة: .6

 

• جعل العتق كفارة للطم العبد، أو ضربه: فعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنـه قال: كنت أضرب غلاما لي فسمعت من خلفي صوتا "اعلم، أبا مسعود! لله أقدر عليك منك عليه" فالتفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله، فقال: "أما لو لم تفعل، للفحتك النار، أو لمستك النار" (صحيح مسلم).

وعن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه" (صحيح مسلم). 

 

• كفارة للقتل: (ومن قتل مؤمنا خطا فتحرير رقبة مومنة) النساء: 45. 

 

• كفارة للحنث في اليمين: (لا يواخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يواخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من اَوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة..) المائدة: 89. 

 

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على حسن معاملتهم بناء على قاعدة الأخوة الإيمانية، والنسبية، ولشدة حرصه على الإحسان إليهم كان آخر كلامه، وهو ينتقل إلى الرفيق الاعلى: "الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم"، وقد تسامت عناية الله بهم، وتأكيده القاطع على الارتقاء بمستوى التعامل معهم حين نقلهم من دائرة الحقوق، إلى دائرة الإحسان، وجعلهم في مقام مع الوالدين من خلال وصية قرآنية صريحة: (وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم) النساء: 36. 

 

وعند ما لم يراع أبو ذر رضي الله عنه مقتضى الأخوة، والمساواة الإنسانية في حق أحدهم خاطبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في عتاب واضح له قائلا: "يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فان كلفتموهم فأعينوهم". (متفق عليه). 

 

وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن التطاول عليهم بالقول، أو الفعل: "لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، ولكن ليقل فتاي وفتاتي، فكلكم عبيد الله. ولا يقل العبد لسيده مولاي، فإن مولاكم الله". (متفق عليه). 

 

هذه هي المبادئ والأسس، والمقاصد التي ينبغي أن نتعامل من خلالها مع مشكلة الرق، بعيدا عن الانزلاق إلى تعميق الظلم، وإطالة أمده، تغفيلا، وجهلا بمقاصد الشرع، ومقتضيات الواقع، أو إلى إزالة ظلم بظلم، مما يبقينا حبيسي نفس الأسلوب الذي لا يستمد شرعيته إلا من "حق القوة"، وهو القانون المنتج لثقافة استرقاق الأفراد، والشعوب، فالإسلام عالج المشكلة، وحلها في جو من الأخوة، والقناعة المشتركة، وأنتجت تجربته العملية في الصدر الأول نتائج بارعة في التواشج الاجتماعي، وبناء طبقة علماء من الأرقاء السابقين مع إنتاج قناعة بأهلية هؤلاء الدينية، والعلمية لدى كافة الناس، وهذا هو النموذج الذي يجدر بنا أن نتأسى به. 

 

وخلاصة القول إن العبودية مورست عالميا على أوسع نطاق، وبأبشع الصور، على فترات تاريخية سحيقة، مما يمنع إلصاقها بدين معين، أو شعب بعينه، أو مرحلة تاريخية محددة، وأن الإسلام لم يأمر بالعبودية، ولم يبن عليها رؤيته الاجتماعية، وإنما رسم قواعد لبناء بينة صالحة بطريقة تدريجية بغية التخلص من مشكلة إنسانية معقدة، وإن كان أقر ممارستها -على سبيل الجواز- بشروط معينة، وبطرق وضوابط جديدة ستنتهي بها إلى الاختفاء، والزوال، فمقصد الشارع الحرية، وليس الاستعباد ولذلك كان الفقهاء دائما يرددون كلمة: "لتشوف الشارع للحرية" وأما على مستوى بلادنا فإنني أسجل ما يلي: 

 

1. أن العبودية مورست من طرف كل مكونات الشعب الموريتاني بما في ذلك الأرقاء السابقون الذين تحرروا، ثم ملكوا عبيدا، ومارسوا عليهم الاسترقاق. 

2. أن الطرق التي كانت تمارس بها العبودية من الجميع لا تنسجم مع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في عمومها. 

3. أن العبودية اليوم في بلادنا لا وجود لها شرعا، ولا قانونا، وأن من مارسها فالله خصمه يوم القيامة، وأنه في ممارسته تلك ظالم بأعلى درجات الظلم، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خصمه يومه القيامة. 

4. أن العمل من أجل القضاء على كل صور العبودية في بلادنا واجب الجميع في جو من الرشد، وسلامة المقصد، ونبل الوسيلة. 

5. أن التربية، والتعليم، والدعم الاقتصادي، إلى جانب تقوية الترابط الاجتماعي تكافلا، وتواشجا، وتعاونا على المصالح المشتركة، عوامل لا غنى عنها في تجاوز هذه المشكلة بطريقة ناجعة، وفاعلة تحقق النقلة النوعية المطلوبة. 

6. أن تأخر بلادنا في القضاء على مشكلة العبودية - تفسيرا، لا تبريرا- يعود إلى تأخرنا في بناء دولة القانون، والمؤسسات، وفي تحقيق مشروع التنمية، فهناك تناسب حاصل في وتيرة التقدم على تلك الصعد مقارنة بغيرنا. 

7. أنه علينا أن لا نتحول من دعاة حقوقيين إلى قضاة مجرمين، فلكل مقام مقال، فالداعية هدفه كسب قلوب العامة لقضيته، والقاضي من أهدافه معاقبة من تثبت إدانته، وكسب معركة القلوب أهم لخدمة القضايا الكبرى، وأعمق أثرا من كسب معركة المواقف. 

8. أنه علينا تجنب التعميم، حتى لا نأخذ شخصا بجريرة غيره، (ولا تزر وازرة وزر أخرى) الزمر: 7. 

9. أن هذه القضية من قضايا الإجماع الوطني التي يجب أن تصان عن سوء الاستغلال، 

والتجاذبات، والمزايدات، وأن تركز الجهود المبذولة فيها على بناء المستقبل الأفضل القائم على العدل، والمساواة.

10. أن على العلماء، و المفكرين، و قادة الرأي، أن يصوغوا للأمة برامج عملية، وخططا مستقبلية كفيلة بتجاوز مجتمعنا لهذه المشكلة كما تجاوزتها الشعوب الأخرى.