على مدار الساعة

عصرنة نواكشوط الاشكالات البيئية والاقتصادية والعمرانية

14 ديسمبر, 2024 - 00:34
محمد عينين أحمد - رئيس الجمعية الموريتانية للسلامة والصحة المهنية والمحافظة على البيئة

تنعكس ملامح عصرنة نواكشوط حتما والتغيير الذي ستحدثه على طريقة العيش للسكان من عدة نواحي، منها اقتصادية، ومنها بيئية، ومنها اجتماعية.

 

ولأن المدن أكثر كثافة سكانية من القري؛ وذلك لأن المدن تضم أكثر من نصف موريتانيا، بالإضافة لكونها تمثّل الجزء الأكبر من الناتج الاقتصادي، وهذا يشير إلى أن عموم الناس في المدن يستخدمون مواردهم بشكل أكثر كفاءة من سكان القري والأرياف، وهذا عائدٌ لسببين: القرب، والإنتاجية. يعين على ذلك قصر أوقات السفر داخل المدن بالنسبة إلى السلع والخدمات، وكذلك للركاب وحركية المركبات. علاوة على ذلك، تميل الرحلات إلى أن تتم بوسائل نقل أكثر كفاءة، مثل الحافلات والقطارات. كما أن القرب داخل المدن يزيد من إنتاجيتها؛ لذلك فإنه في عصرنة نواكشوط، يجب التركيز على المرافق العامة وممرات المشاة وغيرها من الموارد والحلول التي تسهم في تسهيل التنقل، التي ستنعكس أيضًا على الاقتصاد في المدينة.

 

وفيما يخص الجانب الاقتصادي، نرى أن عصرنة مدينة نواكشوط يجب أن تدعم الاقتصاد الدائري والإنتاج محليًّا. ومن أهم عوامل الاستدامة في المدن العصرية العالمية، استدامة الغذاء؛ حيث تتبنّى المدن العصرية العالمية نماذج دائرية تستند إلى تداول سليم للموارد، وإلى مبادئ المشاركة وإعادة الاستخدام والاستعادة، مع التركيز على الحدّ من أحجام النفايات والإنتاج محليًّا، على سبيل المثال، عن طريق الزراعة الحضرية. وتؤدي هذه الحلول إلى الاعتماد كليًّا على الإنتاج الغذائي المحلي والتصدير بدل التوريد الذي ينعش الاقتصاد ويوفّر للدولة الأمن الغذائي في ظل اضطرابات السوق العالمية وما يمكن أن يحدث من أزمات أو كوارث.

 

أما التخطيط العمراني، الذي يهدف إلى التقارب بين المرافق والمناطق السكنية، فإنه يعزّز أيضًا عاداتٍ صحيةً جيدة مثل الرياضة، والتواصل بين أفراد المجتمع وتكوين مجتمع متماسك ومترابط. إن من أهداف المدن العصرية التي لا بد من التركيز عليها ليس فقط الاستدامة في البيئة والطاقة والغذاء، بل الصـحة المستدامة أيضًا، التي تنشأ بالعادات الصحية الجيدة.

 

ومن جانب آخر، فعلى المستوى الفردي لسكان نواكشوط، فبعد استهلاك الطاقة، يُعدُّ استهلاك الغذاء أكبر مصدر لانبعاثات الكربون، ثم النقل والمواد الاستهلاكية والإسكان.

 

 ويجب أن يشمل النمو الحضري المستقبلي الذي نطمح اليه ما يلي:

- حدائقَ على أسطح البنايات كالوزارات والإدارات والعمارات

- دعم الزراعة المحلية بشتى الطرق،

- تعليم الأطفال زراعة الغذاء في المدارس،

- إضافة مصطلح الزراعة المدعومة من المجتمع لتشجيع الساكنة على الزراعة

- أسواق للمزارعين والنتاج المحلي في مركز كل مقاطعة لدعم الإنتاج وولوجه السوق ودعمه على المنافسة

- تخصيص مساحة للبيئة الطبيعية، لتحقيق الأهداف العالمية لتحسين التنوع البيولوجي وجودة الهواء المحلي، وتحسين الرفاهية

 

مع استمرار نمو مدينة نواكشوط وتطورها، ستظهر تحديات جديدة تتطلب حلولًا مبتكرة، من بين هذه التحديات:

1. التكيف مع التغيرات المناخية الطارئة: حيث تحتاج نواكشوط لتصاميم ومخططات لمواجهة الظواهر الجوية وتقلباتها، وذلك بجعلها أكثر مرونة وتكيفا مع مثل هذه التغيرات المناخية،

2. التعامل مع الخدمات رقميا حيث يسهل ذلك الوصول للخدمات والرعاية الصحية،

3. دمج التكنولوجيا والأنترنت لتحسين إدارة نواكشوط وتقديم خدمات أكثر كفاءة،

4. معالجة أزمة الإسكان: فمثلا إيجاد حلول مبتكرة لتوفير مساكن منخفضة التكلفة مع الحفاظ على جودة الحياة،

5. وقف تمدد نواكشوط عرضيا ودعم إنشاء عمارات سكنية من خلال الاستثمار في ذلك وتشجيع البنوك الوطنية على الاستثمار في السكن الاجتماعي.

 

إن عصرنة مدينة بحجم وعمر مدينة نواكشوط ليس سهلا، فهذه المدينة لم تتأسس على معايير المدن العصرية أبدا، ولعل انعدام نظام صرف صحي، وعقلية الاستيلاء على الساحات العمومية التي هي متنفس للساكنة، وندرة ساحات عمومية خضراء ومنتزهات في المدينة يجعل العصرنة المنشودة أمر ليس سهلا، ناهيك عن غياب عصرنة الشبكة الطرقية، وغياب قطار في المدينة الأكثر كثافة في البلد، حتى الآن يجعل العصرنة المطلوبة غير جادة، ثم إن الاضطرابات التي تشهدها الشبكة الكهربائية والمائية أيضا لا تبشر بخير، ولمواجهة ذلك يجب التركيز على تحلية مياه المحيط الأطلسي والشروع في إنشاء شبكة صرف صحي لمياه الأمطار على الأقل بسرعة قصوي لضمان عصرنة مستديمة.

 

يتطلب تحقيق عصرنة نواكشوط تعاونًا وثيقًا بين الحكومة والمهنيين والمجتمعات المحلية والقطاع الخاص. كما يستلزم استثمارات كبيرة في البحث والتطوير وتبادل أفضل الممارسات على المستوى العالمي.

 

لعل أي عصرنة لنواكشوط لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار، التنقل المستدام من خلال التركيز على الدراجات الهوائية والنقل العام لتقليل الاعتماد على السيارات - المصدر الأول للانبعاثات - وتبني التكنولوجيا ونظم المعلومات الجغرافية، وكذا التركيز على تصميم شوارع وأماكن عمومية تراعي راحة الراجلين – المشاة - وتشجع على التفاعل الاجتماعي والاندماج المطلوب.

 

نتمنى أن تكون عصرنة نواكشوط مدروسة وسلسلة من أجل تحقيق أهدافها المنشودة بعيدا عن الارتجالية التي غالبا ما تطبع مشاريعنا.