أضحى انتهاك الخصوصية في زمن الوسائط الرقمية من أخطر التحديات التي تواجه القيم الأخلاقية، حين توسّع الناس في تسجيل المكالمات، وفتح مكبرات الصوت، ونقل المحادثات النصية والصوتية، وتداول الصور الخاصة بغير إذن أصحابها، ثم تبرير ذلك بدعوى خلوّ المحتوى من المحظور أو سلامة المقصد.
وهذا التبرير - على شيوعه - يغفل أصلًا محكمًا في الشريعة والأخلاق، وهو أن الحديث الخاص أمانة، وأن الخصوصية في ذاتها حقٌّ مستقل، لا يسقط بسلامة الألفاظ ولا بحسن الظن في النيات.
لقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل تقريرًا جليًا حين قال: «إنما المجالس بالأمانة» (أبو داوود)، وقال: «إذا حدّث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة» (أخرجه أصحاب السنن).
وهذا نصٌّ صريح في أن مجرد قرينة الخصوصية كافية في انعقاد حكم الأمانة، ولو لم يُشترط الكتمان لفظًا، فالعبرة ليست بمضمون الكلام وحده، وإنما بحال المخاطبة وسياقها، وتوقّع أطرافها للكتمان.
ومن هذا الوجه، فإن تسجيل المكالمات، أو فتح مكبر الصوت، أو تصوير المحادثات ونشرها، لا يخرج في الأعمّ الأغلب عن دائرة الخيانة، متى كان القصد إسماع الغير بما لا يرضاه المتكلم، أو تعريضه لتأويلٍ أو إساءة فهم.
فالأمانة هنا متعلقة بحق المتكلم في ستر حديثه، لا بحكم محتواه في ذاته.
وتتأكد خطورة هذا السلوك حين يُستحضر البعد الإيماني؛ إذ ربطت النصوص الشرعية بين الأمانة والدين ربطًا لا انفكاك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له»، وجعل خيانة الأمانة من خصال النفاق العملي بقوله: «وإذا اؤتمن خان» (البخاري).
فالمسألة إذن ليست ذوقًا اجتماعيًا ولا عرفًا قابلًا للتبدل، بل قضية ديانة ومروءة، وامتحان حقيقي لصدق الالتزام الأخلاقي.
ولهذا أجمع الحكماء وأئمة السلوك على أن حفظ السر عنوان النبل وكمال المروءة. قال الأحنف بن قيس: "المروءة كتمان السر"، وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: "إن من الخيانة أن تُحدِّث بسر أخيك". بل جعل سفيان الثوري كتمان السر ميزانًا لمعرفة صدق الصحبة، إذ لا يثبت على الأمانة إلا من رسخت مروءته واستقامت ديانته، لا من تحكمه الانفعالات أو الرغبة في إثبات الذات أمام الناس.
ويتأكد هذا كله في حقّ الميت؛ لأن حرمة الإنسان لا تزول بموته، بل تبقى مصونةً شرعًا وعقلًا.
وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل بقوله: «كسرُ عظمِ الميت ككسره حيًّا» (ابن ماجه وأحمد)
وهو نصٌّ في بقاء الحرمة بعد الوفاة. كما أن نشر خصوصيات الميت يفتح باب التأويل والظنون، ويعرّض سمعته وعِرضه لما لا يستطيع دفعه أو تصحيحه، وقد تقرر أن الضرر إذا تعلّق بالعِرض كان أشدّ وأبقى أثرًا.
ولهذا كان من الوفاء وحسن العشرة بعد الموت صيانة السر، وحفظ الخصوصية، والستر على ما لا مصلحة شرعية راجحة في إظهاره.
فإفشاء محادثات الموتى أو تسجيلاتهم أو رسائلهم ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل خيانة مضاعفة: خيانة للأمانة، وخيانة لحق من لا يستطيع الدفاع عن نفسه.
وقد ظهر في هذا السياق سلوكٌ مقلق، يتمثل في الإصرار على نشر محادثات مع الموتى لإثبات عمق العلاقة، أو درجة الحميمية، أو توسيع دائرة الاعتراف الاجتماعي بتلك الصلة، وكأن لسان حال بعضهم يقول: انظروا، لقد كنت قريبًا منه، وهذه الشواهد.
غير أن هذا المسلك لا يبرئ الذمة، ولا يثبت وفاءً، بل قد ينقلب - من حيث لا يشعر صاحبه - إلى تشهير، وإيذاء لأهل الميت، وإقحام لهم فيما لا يرضيهم، ولا يخفف عنهم مصابهم.
ومن الخطأ البالغ الظن بأن نشر هذه الخصوصيات هو وفاء للميت أو إظهارا لحقيقته الإيمانيّة أو الدعوية؛ فالحقيقة لا تحتاج إلى خيانة، والوفاء لا يكون بانتهاك الأمانة.
بل إن جوهر الصحبة ومعناها الحقيقي، خاصة بعد الموت، يتمثل في الدعاء الصادق، والصدقة، وإلحاق ثواب الأعمال، ووصل أهل الفقيد، وتعهدهم في السر، بعيدًا عن الرياء واستدرار العواطف. ولا بأس بنعيٍ عام، أو ترحّمٍ صادق، أو إبرازٍ متزن لخصال الميت، في حدود المعقول والمقبول، مما يثبّت معاني الخير ويعلي ذكر الصالحين دون انتهاك للخصوصيات.
ويزداد هذا الأمر حساسية في باب العلاقات بين الرجل والمرأة، وهو أدقّ أبواب التأويل، وأكثرها قابلية لسوء الفهم، خاصة في مجتمعاتٍ تُحمَّل فيها الكلمات ما لا تحتمل.
فقد يسلم اللفظ في ذاته، لكنه يُساء فهمه عند النشر، فيقع الضرر من حيث لا يُقصد. ولهذا قرر أهل العلم أن سدّ الذرائع معتبر، وأن ما كان مباحًا في ذاته قد يُمنع لما يترتب عليه من مفاسد راجحة.
وخلاصة القول: إن تسجيل المكالمات، ونشر المحادثات، وإذاعة الخصوصيات بغير إذن أصحابها اعتداءٌ مركب: خيانة للأمانة، وفتح لباب التأويل والفتنة، وإضرار بالثقة التي بها تستقيم العلاقات.
ولا يغيّر من الحكم دعوى خلوّ الكلام من المحظور؛ لأن الشريعة لم تُعلّق الأمانة على مضمون الحديث، بل على حق صاحبه في ستره.
ومن هنا كان حفظ الخصوصيات واجبًا شرعيًا، ومطلبًا أخلاقيًا، وعلامةً على كمال المروءة وصحة الديانة، في زمنٍ كثرت فيه وسائل الإفشاء، وقلّ فيه الورع عن الخيانة.
والله أعلم.
وأرجو أن تكون الفكرة قد اتّضحت، وأن أكون قد وُفِّقت في بيان المقصود، دون لبسٍ أو سوء فهم.

.gif)
.gif)













.png)