مفاهيم ساذجة للحياة المثالية في الغرب
إيحاءات الجمال الطبيعي موجودة في كل مكان من العالم، وإيحاءات ما صنع الإنسان تحتاج من السياح المتهافتين الغوص في أعماق الحياة الاجتماعية للاسكتلنديين لنستمع إلى نبض الناس ماذا يقولون. هناك، حيث الحضارة المادية تلتهم جهد الإنسان وعمره كاملا من أجل أن تستمر الحياة بهذا الإيقاع و"تزدهر"، نحتاج من ذوي النهى إلى وقفة تأمل عميقة.
ولاية "نيويورك" رمز للتضخم والتخمة، البادية على أشكال سكانها كالسمنة والغرابة في السلوك. ماذا سيبقى من هذه الحاضرة لو أن إعصارا مدمرا أصابها أو زلزالا مفنيا ضربها؟ أين القيم الاجتماعية التي تعطي الحياة معناها؟ أظن بأن خللا ما أصاب الحياة فيها فغدت مشوهة، رغم ما هنالك من زينة الحياة الدنيا!
العجيب في هذه المدن التي تفوقت على غيرها في نمط العيش المادي أن القائمين عليها لم يستطيعوا فك متلازمة "الازدهار والجريمة"، وليت من بهره بريق الحياة عند هؤلاء قد اقترب من المجرمين ومن المدمنين وسألهم لماذا هم يجرمون؟ هنالك خيوط من نور تساعد على فك هذه المعضلة، بمراجعة معايير "العيش الفاضل" التي تكرسها هذه الحاضرة، والطريقة التي يتم بها تجميع المال في جسد "الثور الهائج"، وحق الضعيف من كل هذه العجقة، التي لا يبدو أن الضعفاء لهم فيها مجال.
منحوا المدنية وفرصة للحياة الدنيا أعمتهم عن الآخرة، حياة تؤخذ منهم على حين غرة كما أخذوها من شعوب كثيرة. إنها إرادة علوية لم ينتبه إليها الشيكاغيون، لأنهم يدورون حول رحى تأخذ أعمارهم كلها: العمل والمال والترف، ولا شيء غير ذاك. ولكن من أين لهم بكل هذا الثراء؟
الحياة في فنلندة صورة مشوهة عن الحياة المثالية للإنسان، تقدم كمؤشر على قمة السعادة، إنها أكذوبة حقيقية. ينتزع الطفل من حضن أمه صباحا ويرمى في أحضان امرأة مستأجرة لأن الأم تعمل! وإذا كان العراء خارج البيت مكسبا للطفولة فما أكثر الأطفال لدينا في الشوارع، ثم هل معدل الخصوبة للمرأة الفنلندية كاف لعمارة هذا البلد الواسع المهدد من الاتحاد الروسي ومثال يحتذى لبقية نساء العالم؟ إنها مهزلة حقيقية يراد للناس أن تصدق بأنها قمة السعادة!
للجمال إله يجدر أن يحمد عليه، سواء ممن فر بمسيحيته إلى الجبال في ألبانيا من بطش الشيوعية أم ممن جاء إلى هذا البلد المسلم سائحا. بيد أن للألبان ثقافة أخرى شائعة هي إسلامية الطابع لا يتنبه إليها "المستكشفون" الجدد، فافتقدت نظرتهم إلى الموضوعية والنزاهة. وللنصيحة، فإن النسوة اللواتي يأتين من الدول الغربية إلى ألبانيا ليتسلقن المنحدرات الشاهقة لا ينبغي لهن أن يعرضن أنوثتهن الجميلة للمخاطر، ودفء البيوت أولى بهن. طبعا هذا إذا أحسنا الظن، وإلا فإن للغزاة عبر التاريخ ربايا "سياحية وثقافية" لا تخطر على بال.
لقد أحسن الله بالخليقة أن وجهها إلى نمط العيش في حضن الطبيعة، لأنها الأصل في الحياة منذ بدأت على ظهر البسيطة، ولكان للبشرية شأن آخر لولا أن الرأسمالية ومن نظّر لها وللمدينة الحديثة- وهم معروفو الأصول- كيما يحبسوا الناس في سجون العمارات والأحياء المكتظة، ويمنعوهم من تلبية حاجاتهم بعمل أيديهم في الحقول والمزارع؛ بغية تحويلهم إلى عبيد "بطريقة متحضرة" لخدمة مصالح الرأسماليين المتحالفين مع السلطة، مصالح هي في الأساس اقتصاد منظم لتلبية حاجات من حبس، في خدعة كبرى انطلت على العقل الإنساني قرونا من الزمن، رغم ما لديه من علم وثقافة؛ الأمر الذي يحيلنا على سؤال الوعي الحقيقي لابن آدم من أين يتشكل؟ ولربما يكون هذا التحول نحو الطبيعة بداية لأن يتعرف الإنسان على ربه ويدرك ماذا يريد هذا الرب منه؟
عجبا! حتى التقارير التي تنشر عن جنوب إفريقيا تعزز النظرة العنصرية للإنسان، وتربط الجريمة بالرجل الأسود؟ ولا تبحث في الجذور. وماذا عن الجرائم "الراقية" للبيض خلال "الأبارتايد"؟ وما دور القيم الأخلاقية في الحد منها؟ ألم يك لغزو الرجل الأبيض جنوب إفريقيا أثر في شحن العلاقة بين البيض والسود؟ كما أن "رأس الرجاء الصالح" كان معروفا لأهله ولجيرانه قبل أن يأتي المستكشفون الغزاة، يا لحماقات الأوروبيين ومن والاهم!
ما أبدعه الخالق عجيب حقا، سواء أكان في هذه القارة الأوروبية أم في غيرها، وما صنعه الإنسان فيه ما يعجب وفيه ما يعاب. فليست الناطحات فكرة خلاقة تصلح للعيش والعمل، كما أن المستكشفين الإنجليز ليسوا أول من عرف جنوب إفريقيا، فللبلاد أهلها، ولأهلها جيران. والنظرة التي تمجد الأنا الغربية لا تكشف للناس كل للعجائب.
هناك قاسم مشترك في جل الحواضر التي يسلط عليها الإعلام الغربي الضوء من الناحية السياحية في جنوب إفريقيا، الاهتمام بالبنية المادية ونقدها فقط، وليته تحدث عن "الكأس المرّة" التي تجرعتها غالبية السكان الأفارقة ليغدو هذا البلد هكذا، كما قال الراحل "نلسون مانديلا".
كيف يتلقف الخليجيون نموذج الحياة الغربية؟
البحرينيون مساكين فعلا، غرتهم الحياة الدنيا بنمط غربي جاف لا روح فيه، وبدل أن يقدموا لـ"ضيوفهم" الأجانب اللؤلؤ والمرجان، ممثلا في تعاليم الإسلام كما كان يفعل سيد البشر، راحوا يقدمون إليهم فطائر وقهوة وحلويات ورقصا وخمرا والعياذ بالله! ويباهونهم ببنيان متطاول صنعه ضيوفهم أنفسهم، بل إن هؤلاء ليأخذون بعضا مما آتى الله البحرينيين وهم لا يشعرون، يا لسخرية الأقدار بأهلنا هناك!
بذل القطريين الوسع في التنافس مع دبي وتباهيهم بإبهار العالم بتنظيم كأس العالم لكرة القدم وبالمباني العالية ورفاهية العيش والتسوق سفه حقيقي، ثم هل هذا ما يميز الدول القوية؟ أين الإيمان؟ أين القادة؟ أين العلماء؟ أين القيم الاجتماعية في هذا الخليط من البشر؟ أين المنعة والاكتفاء؟ أين التنمية المستدامة التي لا تعتمد على الريع؟ أين التريليونات التي "تهدى" لطواغيت العالم؟ علما بأن أمن هذا البلد هش جدا، فقد تعرض للقصف في العام الماضي مرتين من جهة الشرق ومن جهة الغرب، ولم يستطع أن يحمي حماه.
سلطنة عمان قطعة من بلاد المسلمين، واجب على أهلها الاعتزاز بالإسلام وإظهار شعائره، خاصة أمام الأجانب، لا أن يلبوا لهم ما يريدون، ولو كان فيه معصية لله عز وجل. ماذا تحتوي جدران العمانيين من عباد وزهاد وعلماء وحرائر ومجاهدين؟ تلكم هي الكنوز الحقيقية، لا الأبنية والشوارع والسماح للفاجرات بأن يجبن الشوارع متهتكات بزينة وهن بمسقط، عاصمة الإباضيين المتمسكين بمبدأ "مرتكب الكبيرة".
خمسون سنة كانت كافية لتنقل كوريا الجنوبية من الفقر إلى الغنى، والسبب مرده إلى أن من خطط لهذه النهضة احترم ثقافة الكوريين الخاصة واستثمر في التعليم ووعى المخاطر التي تتهدد البلاد وأخطرها الفساد والعدو الخارجي، وهذه مرتكزات كافية لتنهض أي دولة. لكن هل أدرك الكوريون أنهم مستغلون كثيرا؟ وأن بوذا ليس إلها يستحق أن يعبد؟ وأن هنالك حياة أحسن من هذه يمكن أن يجدوها في آخر خطاب إلهي للبشرية؟

.gif)
.gif)













.png)