على مدار الساعة

لماذا تتجاوز المشاريع العمومية الكبرى الميزانيات والآجال المحددة؟

9 يناير, 2026 - 01:19
عبّاد ولد الشيخ المصطفي - القنصل الفخري للجمهورية الإسلامية الموريتانية في هامبورغ وشمال ألمانيا

دروس عملية من الخبرة الدولية لتحسين إدارة المشاريع في موريتانيا

تشكل المشاريع العمومية الكبرى – في مجالات البنية التحتية، الطاقة، المياه، الموانئ، والصحة – ركيزة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. غير أن واقع التنفيذ في العديد من الدول، بما فيها دول نامية ومتقدمة على حد سواء، يُظهر أن نسبة كبيرة من هذه المشاريع تتجاوز الميزانيات المقررة والآجال الزمنية المحددة.

 

السؤال الجوهري هو: لماذا يتكرر هذا الإخفاق؟ والأهم: كيف يمكن تفاديه مستقبلاً؟

 

أولاً: أسباب شائعة لتجاوز الميزانية والوقت

التقليل من تعقيد المشروع في مرحلة التخطيط

غالباً ما يتم إعداد دراسات أولية متفائلة، لا تعكس الحجم الحقيقي للتعقيد التقني أو المؤسسي للمشروع، إما بدافع تسريع الموافقة أو بسبب ضعف البيانات.

 

تحديد ميزانيات غير واقعية

في بعض الحالات، يتم اعتماد ميزانيات أقل من الكلفة الحقيقية المتوقعة، على أمل "تعديلها لاحقاً"، وهو ما يؤدي إلى طلب اعتمادات إضافية وتأخير التنفيذ.

 

توسع نطاق المشروع (Scope Creep)

إضافة مكونات جديدة أثناء التنفيذ، دون مراجعة شاملة للميزانية والآجال، تمثل أحد أخطر أسباب الانحراف المالي والزمني.

 

سلوك بعض المقاولين والاستشاريين

قد تُقدم عروض منخفضة في البداية للفوز بالمناقصة، ثم تُطرح لاحقاً طلبات تعديل وتكاليف إضافية، مستفيدة من صعوبة تغيير المتعهد أثناء التنفيذ.

 

ضعف التنسيق ونقص الموارد البشرية المؤهلة

غياب فرق داخلية قوية لدى الجهة المالكة للمشروع يؤدي إلى الاعتماد المفرط على أطراف خارجية، ويضعف الرقابة واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

 

مشاكل التكامل مع الأنظمة القائمة

خصوصاً في مشاريع التكنولوجيا والطاقة والمياه، حيث تُفاجأ الجهات المنفذة بصعوبات دمج أنظمة قديمة أو غير موثقة.

 

ثانياً: الدروس المستفادة لإدارة أفضل للمشاريع العمومية

الاستثمار في التخطيط الواقعي

كل دولار يُنفق على التخطيط الجيد، يوفر أضعافه أثناء التنفيذ. الدراسات الفنية والاقتصادية يجب أن تكون مستقلة، دقيقة، ومبنية على سيناريوهات متعددة.

 

اعتماد معايير إدارة المشاريع الدولية

مثل معايير PMP / PMI التي تركز على إدارة المخاطر، وضبط النطاق، والحوكمة، والشفافية.

 

تعزيز قدرات الفرق الوطنية

بناء كفاءات محلية في إدارة المشاريع يقلل الاعتماد على الخارج ويعزز الاستدامة المؤسسية.

 

حوكمة واضحة واتخاذ قرار سريع

المشاريع الكبرى تحتاج إلى هياكل حوكمة واضحة، وصلاحيات محددة، وآليات سريعة لحل الإشكالات.

 

ربط المشاريع بالتنمية البشرية

نجاح المشروع لا يُقاس فقط بإنهائه، بل بمدى مساهمته في التشغيل، نقل المعرفة، وبناء القدرات.

 

إن تجاوز الميزانيات والآجال ليس قدراً محتوما. بل هو نتيجة قرارات يمكن تحسينها، وأنظمة يمكن تطويرها، وكفاءات يمكن بناؤها.

 

من خلال التخطيط الواقعي، وإدارة المشاريع الاحترافية، والشراكات الدولية المتوازنة، تستطيع موريتانيا أن تنفذ مشاريع عمومية في الوقت المحدد، وضمن الميزانية، وبأثر تنموي حقيقي.