هناك قرارات لا تُقاس آثارها بحدودها الإدارية، بل بما تكشفه عن علاقة الدولة بشبابها. تأجيل قمة شباب نواكشوط من هذا النوع. فهو ليس مجرد حدث أُجِّل، بل سؤال مفتوح حول حرية التنظيم، ومكانة الشباب، ومستوى الثقة الممنوحة لمن يريدون التفكير والفعل داخل وطنهم.
منظمو القمة لم يعملوا في الخفاء. أعلنوا مبادرتهم منذ البداية، قدّموا برنامجهم، كشفوا عن ضيوفهم، وحددوا أهدافهم. يؤكدون أنهم احترموا الإجراءات القانونية، ويبدون استعدادهم لتكييف البرنامج متى اقتضت المتطلبات الإدارية ذلك. أمام هذا كله، يظل السؤال قائماً: على أي أساس يُعطَّل حق مشروع دون توضيح؟
في دولة القانون، لا تُقاس مشروعية المبادرات بالانتماءات الفكرية، ولا بالمرجعيات المفترضة، ولا بالإرث العائلي. المعيار واحد: احترام القواعد. وما عدا ذلك يفتح باب الشك، والشك لا يصلح أساساً لإدارة الشأن العام.
من الخطير ترسيخ فكرة أن خيارات الآباء أو مواقفهم السابقة تُحدِّد حقوق الأبناء. هذا منطق يُنتج مواطنة منقوصة، ويُضعف الثقة بين الدولة وشبابها. وحتى حين تكون هناك ميول فكرية أو حساسيات أيديولوجية معلنة، فإنها لا تُبرر المساس بحق التنظيم أو الاجتماع.
أما مسألة الدعم الخارجي، فيجب تناولها بقدر من الواقعية. وجود مساندات مالية أو لوجستية من الخارج ليس ظاهرة جديدة، ولا حكراً على تيار بعينه. هو نتيجة لهشاشة المجتمع المدني، وحداثة البُنى السياسية، وضعف الموارد الداخلية. هذا الواقع لا يُدان في ذاته.
المعيار الحقيقي هو الشفافية، واحترام القوانين الوطنية. هنا يبدأ دور الدولة، وهنا ينتهي الجدل المشروع. أما تحويل هذه المسألة إلى أداة إقصاء انتقائي، أو استهداف فئة بعينها لإرضاء أطراف خارجية، فذلك مرفوض، ومناقض لأسس العيش المشترك.
الحل ليس في منع الشباب من التنظيم، بل في فتح المجال أمام غيرهم للتعبير وتنظيم فعاليات أخرى. المجتمعات المتوازنة لا تحمي نفسها بالتضييق، بل بالتعدد. النقاش المنظم يعزز الاستقرار، أما كتم الأصوات فيُنتج هشاشة صامتة.
والأهم هو احترام حساسية الشباب، وأن يشعروا بأنهم في وطنهم، وأن يكونوا فخورين به وبما يمثله. هذه الثقة لا تُفرض، بل تُبنى. تُبنى بدولة قوية، ومؤسسات مسؤولة، واحترام فعلي لسيادة القانون، ورؤية واضحة للتنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
كما تُبنى بالاستثمار في البنى التحتية الرياضية، والأكاديمية، والثقافية. هذه الفضاءات تمنح الشباب أدوات التعبير، وفرص الإبداع، ومساحات التحقق. شباب يناقش وينظم ويقترح هو رصيد وطني. احتواؤه بالشك إضعاف، ومرافقته بالسياسات الرشيدة بناء للمستقبل.
وفي هذا السياق، أعبّر عن تضامني الصريح والكامل مع عبد الرحمن سيّدي وإبراهيم محفوظ. ومهما اشتد الجدل أو تعاظمت الضغوط، فليعلما أمراً واحداً: لستما وحدكما.
إنهما يمثلان شريحة من الشباب ترفض التهميش، وتصر على التنظيم والتفكير والمبادرة، دون أن تُختزل في تصنيفات جاهزة أو إرث مفترض. مبادرتهما، سواء اتُّفق معها أم لا، حق أصيل ومسؤولية مدنية مشروعة.
وفي لحظات الالتباس، يجب قول الحقيقة بوضوح: هذا الوطن وطنهما أيضاً. لهما الحق في الفعل، وفي التعبير، وفي حمل مبادراتهما على أرضه، دون خوف أو وصم.
مجتمع يخاف من شبابه، يصنع عوائقه بيده.
ومجتمع يثق بشبابه، يمنح نفسه فرصة التقدم.

.gif)
.gif)














.png)