على مدار الساعة

لماذا يغيب العنف في الخطاب السياسي الموريتاني؟

15 يناير, 2026 - 16:10
فاروق محمد

يُلاحظ المتابع للمشهد السياسي الموريتاني مفارقة لافتة: فبينما تمارس السلطة، بشكل مباشر أو غير مباشر، مختلف أشكال القوة العمومية لفرض واقع سياسي مغلق، يغيب العنف كخيار أو حتى كفكرة في الخطاب السياسي المعارض. هذا الغياب لا يأتي من فراغ، ولا يعني بالضرورة اقتناعًا جماعيًا بشرعية النظام القائم، بقدر ما يعكس تعقيدات أعمق تتصل بطبيعة الدولة، وبنية المجتمع، وشكل المعارضة نفسها.

 

فالسلطة في موريتانيا لا تكتفي بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، بل تحوّل الانتخابات إلى آلية إجرائية تُنتج نتائج معروفة سلفًا. وهي في ذلك لا تعتمد فقط على القمع الصريح، بل على شبكة من الأدوات: احتكار القوة العمومية، التحكم في الإدارة، توظيف القضاء، وضبط المجال الإعلامي. إنه عنف لا يظهر في الشارع بالضرورة، لكنه حاضر في البنية، عنف يجعل التنافس السياسي شكليًا، ويحوّل المشاركة إلى طقس بلا مضمون.

 

ورغم هذا الواقع، يظل الخطاب المعارض أسير مفردات سلمية محضة، يتجنب بشكل شبه مطلق أي نقاش حول العنف، حتى بوصفه وسيلة اضطرارية لاستعادة السيادة الشعبية. ويجري التعامل مع العنف وكأنه شرّ مطلق، لا سياق له ولا تاريخ، متناسين أن الدولة نفسها نشأت وتستمر عبر احتكار العنف المشروع، وأن ما يُسمّى بالاستقرار غالبًا ما يكون استقرارًا مفروضًا بالقوة.

 

غير أن الحديث هنا لا يدور حول العنف بوصفه هدفًا في ذاته، ولا باعتباره ممارسة عبثية أو انتقامية، بل كأداة سياسية استثنائية، تُطرح حين تُغلق كل المسارات السلمية الفعلية، وحين تتحول الشرعية إلى غطاء شكلي لإدامة حكم الأوليغارشية. فالعنف، في هذا السياق، ليس نقيض الديمقراطية بالضرورة، بل قد يُنظر إليه، في تجارب تاريخية عديدة، كوسيلة لفتح المجال العام وإعادة السلطة إلى الشعب.

 

لكن غياب هذا الطرح في موريتانيا يعود إلى جملة أسباب. أولها الخوف العميق من الانزلاق إلى الفوضى في مجتمع هش، متعدد الولاءات، لم تُحسم فيه بعد مسألة الدولة الوطنية الجامعة. فالعنف، في ظل غياب تنظيم شعبي واعٍ وقادر على ضبطه، قد لا يُوجَّه ضد السلطة بقدر ما ينفجر داخل المجتمع نفسه.

 

وثانيها أن جزءًا معتبرًا من النخبة المعارضة اندمج، جزئيًا أو كليًا، في بنية النظام، أو على الأقل في قواعد لعبته. هذه النخبة تراهن على إصلاح تدريجي، أو على تسويات سياسية، وتخشى أن يؤدي أي خطاب صدامي إلى فقدان ما تبقى لها من هامش قانوني أو اعتراف دولي.

 

أما السبب الثالث، فيكمن في نجاح النظام في احتكار تعريف الشرعية. فكل عنف يصدر من الدولة يُقدَّم بوصفه حفظًا للنظام العام، وكل عنف يُفكَّر فيه خارجها يُصنَّف فورًا كفوضى أو تهديد للاستقرار. وبهذا تُجرَّد أي مقاومة جذرية من بعدها الأخلاقي قبل أن تولد.

 

إن السؤال الجوهري، إذًا، ليس لماذا لا يُمارَس العنف، بل لماذا لم تتشكل بعد قوة اجتماعية منظمة قادرة على فرض كلفة سياسية حقيقية على السلطة، سواء عبر العصيان، أو المقاومة المدنية الواسعة، أو حتى التهديد الجدي بتغيير قواعد اللعبة. فالعنف، في غياب هذه القوة، يتحول من أداة لتحرير الشعب إلى مقامرة قد تعيد إنتاج الاستبداد بأشكال أكثر قسوة.

 

في المحصلة، يغيب العنف عن الخطاب السياسي الموريتاني لا لأنه غير مبرَّر نظريًا، بل لأن شروطه السياسية والاجتماعية لم تنضج، ولأن كلفته المتوقعة، في ميزان القوى القائم، تفوق مكاسبه المحتملة. غير أن استمرار هذا الغياب، دون بناء بدائل حقيقية للقوة، قد يعني شيئًا أخطر: تطبيع الاستبداد، وتحويل السلطة من حق للشعب إلى واقع يُدار باسم الاستقرار.