تكشف تطورات المشهد الدولي المتلاحقة أن الأزمات الدولية المعاصرة لم تعد تُدار بالأدوات والمؤسسات التي أُنشئت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إذ بات واضحًا أن النظام الدولي، وفي قلبه منظمة الأمم المتحدة، يعاني اختلالًا بنيويًا عميقًا جعله عاجزًا عن الاستجابة الفاعلة للتحولات المتسارعة في بنية الصراع العالمي.
وفي هذا السياق، كشفت وكالة "بلومبيرغ" خلال الأيام الأخيرة وثيقة تتحدث عن إنشاء "مجلس سلام" ذي طابع دولي أهمية استثنائية، وثيقة لا تتعلق بمبادرة عابرة وحسب، بل تمس جوهر النقاش المتجدد حول مستقبل الشرعية الدولية وآليات إدارة السلم والأمن العالميين.
الوثيقة، كما عرضتها بلومبيرغ بدقة وتحفظ مهني، لا تقدم المجلس بوصفه إطارًا رمزيًا أو استشاريًا فقط، بل ككيان عملي يتمتع بسلطات تقريرية واسعة، وبنية عضوية انتقائية، وآليات تمويل غير مسبوقة في تاريخ العمل الدبلوماسي الدولي.
الملفت في هذا المقترح ليس فقط تجاوزه المؤسسي للأمم المتحدة، إنما إعادة تعريف مفهوم "الشرعية الدولية" ذاته، بحيث لا يقوم على الإجماع أو التمثيل المتوازن، وإنما على القدرة السياسية والمالية على الانخراط في نادي محدود لإدارة النزاعات، وهذا التحول يطرح سؤالًا مركزيًا طالما جرى تأجيله:
هل نحن بصدد إصلاح للنظام الدولي القائم، أم أمام تفكيك واعٍ له وإعادة تركيبه وفق منطق القوة والصفقات والمصالح، بدلًا من منطق القانون والشرعية الجماعية؟
في مقالي السابق "البداية والنهاية"، نبهتُ إلى أن الأمم المتحدة دخلت مرحلة الشيخوخة الوظيفية، وأن فشلها المتكرر في منع الحروب أو إدارتها بعد اندلاعها ليس طارئًا، بل نتيجة طبيعية لبنية تجاوزها الزمن وتحولات ميزان القوة، وما تكشفه وثيقة "مجلس السلام" يؤكد أن مراكز القرار الدولي، أو الولايات المتحدة على الأقل، لم تعد تفكر في إصلاح الأمم المتحدة من الداخل، بل في تجاوزها وتأسيس بدائل أكثر مرونة وأقل التزامًا بالضوابط القانونية والأخلاقية التي حكمت النظام الدولي منذ منتصف القرن الماضي.
وبحسب ما أوردته بلومبيرغ، يمنح المجلس المقترح رئاسته صلاحيات استثنائية، تشمل تعطيل القرارات حتى في حال حصولها على أغلبية الأصوات، وهو ما يعكس تصورًا سلطويًا لإدارة السلام يختلف جذريًا عن الفلسفة التوافقية التي قامت عليها الأمم المتحدة، ينضاف إلى ذلك أن ربط العضوية الدائمة في المجلس بمساهمات مالية ضخمة يثير إشكالًا أخلاقيًا وقانونيًا عميقًا، حيث يحوّل السلم الدولي من قيمة إنسانية مشتركة إلى سلعة سياسية تخضع لمنطق السوق والقدرة على الدفع.
هذا النموذج يعيد إنتاج مفهوم "السلام مدفوع الثمن"، حيث تصبح القدرة على التأثير في مستقبل الشعوب مرهونة بالإمكانات المالية، لا بالالتزام بالقانون الدولي أو احترام حقوق الإنسان أو مراعاة مصالح الشعوب المتضررة من النزاعات. كما قد يفضي هذا التحول إلى تسريع تفكك النظام متعدد الأطراف، وتعزيز النزعات الانفرادية في إدارة الأزمات، بما يجعل النظام العالمي أكثر هشاشة وأقل قدرة على احتواء الصراعات قبل تحولها إلى حروب مفتوحة.
أما على مستوى القارة الإفريقية، فإن تداعيات هذا التوجه تبدو أكثر خطورة، نظرًا لكون إفريقيا ساحة تقاطع للمصالح الدولية، ومختبرًا دائمًا للنماذج الجديدة في إدارة النزاعات وبناء السلام وفرض الاستقرار، وتحويل السلام إلى مشروع تديره مجالس فوق أممية غير خاضعة للمساءلة الجماعية قد يكرس في القارة نمطًا جديدًا من الوصاية السياسية، يُقدَّم تحت شعارات برّاقة، لكنه يهمّش الفاعلين المحليين ويقوض السيادة الوطنية.
كما أن تراجع دور الأمم المتحدة - رغم كل أعطابها - يعني إضعاف المنصات القليلة التي تمتلك فيها الدول الإفريقية صوتًا رسميًا، ولو كان محدود التأثير، في مقابل صعود آليات بديلة لا تتيح تمثيلًا متكافئًا.
المفارقة أن مجلس السلام المقترح يستمد جزءًا من منطقه من فشل المنظومة الأممية ذاتها، لكنه يعالج الخلل عبر تقليص التعددية وتكريس المركزية، بدل تعميق المشاركة أو تطوير آليات اتخاذ القرار الجماعي، وهو ما يجعلنا أمام انتقال من نظام دولي يعاني الشلل والبطء، إلى نظام بديل قد يعاني الاستبداد المؤسسي، حيث تُختزل القرارات المصيرية في يد فاعلين محدودين يتمتعون بسلطات غير خاضعة للمساءلة.
إن قراءة بلومبيرغ للوثيقة، بما اتسمت به من تحفظ وعدم تهويل، تكشف أن المشروع لا يزال في طور التصور، لكنه تصور جدي بما يكفي ليعكس اتجاهًا متناميًا في تفكير دوائر النفوذ العالمي.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، في انتقال الأفكار التي كانت تُناقش همسًا داخل مراكز التفكير إلى مشاريع مكتوبة قابلة للتداول والتنفيذ، بما يحمله ذلك من انعكاسات بعيدة المدى على بنية النظام الدولي.
وتبدو من ملامح الوثيقة حقيقة أن العالم لا يتجه بالضرورة نحو سلام أكثر عدالة، بل نحو سلام مُدار، تُحدد شروطه مسبقًا، وتُوزع أدواره وفق اعتبارات القوة والمصلحة، لا وفق قواعد العدالة أو التمثيل المتوازن بين الدول.
وفي غضون ذلك يبقى التحدي الحقيقي أمام الدول، ولا سيما في إفريقيا، هو ألا تتحول من شركاء نظريين في النظام الدولي إلى موضوعات تُدار أزماتها من الخارج، دون مشاركة حقيقية في صياغة الحلول أو تحديد الأولويات، كما أن النخب الفكرية والأكاديمية مطالبة بتفكيك هذه المشاريع في مراحلها المبكرة، وعدم الاكتفاء بمتابعة نتائجها بعد أن تتحول إلى أمر واقع يصعب مراجعته أو مساءلته.
لقد كان التنبيه إلى أفول الأمم المتحدة، كما ورد في "البداية والنهاية"، محاولة لقراءة المسار لا لتأبين مؤسسة، واليوم تؤكد الوقائع أن ذلك المسار يتسارع بوتيرة أكبر مما كان متوقعًا.
إن مجلس السلام، بصيغته المقترحة، ليس مجرد بديل تقني أو إداري، بل إعلان ضمني عن انتقال مركز الثقل من الشرعية إلى الفعالية، ومن القانون الدولي إلى منطق الصفقة السياسية، وهذا الانتقال، إن تم دون ضوابط أخلاقية وقانونية واضحة، قد يجعل العالم أكثر قابلية للانقسام، وأقل قدرة على احتواء النزاعات، وأكثر عرضة لانفجارات أمنية واسعة النطاق.

.gif)
.gif)














.png)