على مدار الساعة

من يُجرِّم الاستعمار وكيف؟ بقلم: عزالدين مصطفى جلولي

20 يناير, 2026 - 18:22
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - كاتب وأستاذ جامعي جزائري - djellouli73@hotmail.com

هنا لكم خاصية بارزة من خصائص المحلل السياسي حينما يحلل وهو مسلم، تفرقه عن غيره من المحللين الأجانب أو من الذين ينتمون إلى جلدتنا لكنهم يتبنون الحيادية باسم الموضوعية في النظر إلى الأمور، تتمثل بالموضع الذي يجب أن يقف عليه هذا المحلل المسلم كي يرى ما يحدث في عالمنا من تغيرات من زاوية الأمة أين تكمن مصالحها، أي يعتبر نفسه جنديا يخدم سيد الملة (عليه الصلاة والسلام). وهذه نقطة مهمة جدا في تلقي المحلل الدعم الروحي الذي يتفرس به مآلات الحوادث، كما أشار بذلك صاحب الرسالة يوم الأحزاب على حذيفة بن اليمان (رضي الله عنه): "إنَّه كان في القومِ خبَرٌ، فأْتِني بخبَرِ القوم".

 

هل يُجرَّم الاستعمار بقانون؟

الاستعمار لا يجرم بقانون جاء بعنوان فضفاض، يحمل في طياته مواد مائعة وبنودا هزيلة، كالذي أقره البرلمان الجزائري في غرفته السفلى مؤخرا، ليدخل القانون بعدها في نفق مظلم طويل، من قبله عوائق تحول دون تنفيذه. ومهما يكن الشأن، فالقانون لم ينجز ليكون بمستوى يليق بالشعب الجزائري وطموحاته، بعودة الدولة الجزائرية إلى أصولها التي تأسست عليها في إبان الأمير عبد القادر، من إسلام ولغة وتوجهات، وإلزام فرنسا بالاعتذار والتعويض؛ لذلك فحمل النواب والوزراء العلم على الرقاب أثناء التصويت عليه وتحمل أبواق النظام الدعاية الفارغة له من المحتوى المطلوب لا يبرئ النظام كله من تأخير فتح هذا الملف والمضي فيه بما يلزم طيلة سبعة عقود. وعلى كل حال، فالقانون مناسبة سانحة جدا لأن يتعرف شعبنا المستضعف على أسماء واحد وثمانمائة (801) من المسؤولين الجزائريين الذين يملكون أصولا مالية "غير مبررة" في فرنسا وحدها، هددت حكومتها بفضح أسمائهم إذا ما استمرت العلاقات الثنائية في التدهور.

 

وهنالك حرب خاسرة أخرى لا يعبأ بها الاقتصاد الجزائري، المتعثر سعيه لبلوغ أرقام خيالية غير موثوقة عن الناتج المحلي، تمثلت في تجافيه عن الأخذ بالشرع الحنيف في إدارة المال العام في مجتمع متشبث بإسلامه حتى النخاع، وإصراره على الولوغ في المعاملات الربوية بأوسع نطاق، والتقتير على المعاملات الإسلامية في أضيق مجال. نعم للقروض الحسنة، أما القروض الربوية والتأمين الجبري فلا. ولا خير في سلطة تسهل الحرب على الله وعلى الرسول، ولا كثّر الله من هؤلاء العرابين. ولدى الفلاحين من أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) وصية خالدة من نوح (عليه السلام) فيها أفضل طريق للغنى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}.

 

بين التقريب والتفريق

التقارب بين الدول الإسلامية أمر محمود، ولكن لماذا أتى هذا التقارب بين تونس الخضراء والجزائر البيضاء بطعم أمني؟ ولم يك ذا طعوم أخرى سياسية وثقافية واقتصادية على الأقل، تمس الجوانب الحياتية المباشرة للشعبين الشقيقين؟ والجواب واضح، إذا ما استحضرنا طبيعة النظامين القائمين في البلدين، وبالتالي سنستشرف مستقبل هذا الاتفاق تلقائيا.

 

التعاون المشترك بين الدول الإسلامية مندوب إليه، شرط أن يكون في مصلحة الأمة ولم يك مقصده الأسمى حماية الأنظمة السياسية القائمة على وضع الحق في غير مكانه، ولعل في هذا الاتفاق - إن كان حاصلا فعلا - إشارة إلى مخاطر جمة تتهدد هذه الأنظمة من كافة الجهات.

 

البيئة "المثالية" التي تولد فيها مثل هذه المشاريع الميتة في مهدها - أعني إعلان بيادق "الماك" استقلال منطقة القبائل - تتجلى في طبيعة الدولة الجزائرية التي تشكلت بعيد الاستقلال، والتي لم تقم على الحق والعدل وخصائص الشخصية الجزائرية، بل قامت على مسخ كل ذلك وتبني توليفة من الحكم لم تنتح دولة قوية في الشمال الإفريقي، وفقا لمحدداتها الواضحة في بيان أول نوفمبر؛ وبناء عليه، يجد المستعمرون الجدد في هذه البيئة العفنة فرصة للاستثمار بمثل هذه المهازل السياسية، واتخاذ شخوصها بيادق يثير بها الفتنة داخل البلدان. وللعلم، فإن المجتمع القبائلي المحافظ على الشرعية الثورية وعلى خصائص الشخصية الجزائرية لا يعبأ بمثل هذه الحركات ولا يعتبرها مشاريع لها في منطقته أفق، ناهيكم أن من يقود هؤلاء مرتزقة يباهون بعلاقتهم الحميمة مع الاستعمار التقليدي والكيان المحتل في فلسطين، وهما مقتلان لأي مشروع سياسي خبيث.

 

البعد حجاب حقا يحول دون أن يدرك الباكستانيون طبيعة الشمال الإفريقي، التي تستنكف عن قيام كيانات تفتيتية في المنطقة، وبالتالي فإن الحس السياسي قد خان القيادة الباكستانية بهذه الخطوة، إذ كان من الواجب أن يوطد الساسة الباكستانيون العلاقة مع السلطة في طرابلس لا مع حفتر ببنغازي. ومهما يكن الأمر، فإن اليد الخليجية، التي تدير أجندة غير استراتيجية البتة لا تختلف كثيرا عما يريده الصهاينة للمنطقة، واضحة بصماتها في هذه الصفقة، وخاصة الإمارات العربية والمملكة السعودية. وعليه، فإن المنطقة ستدخل في سباق تسلح معاند، يأخذ من موارد الأمة التي تحتاج إليها في نهضتها الحضارية، حتى يأذن الله بنزع الملك من هذا وإيتائه إلى ذاك.

 

نأي الأزواديين عن باقي المكونات في دولة مالي الساعية إلى إقامة الشرع الحنيف لا يخدم وطنيتهم، ويؤخر إقامة التوافق العادل بين أبناء هذا البلد ويمكّن الغزاة من التسلل إلى المنطقة لترتيب الأمور وفق مصالحهم، وللغربيين خبرة في هذا المضمار اكتسبوها عبر بلدان كثيرة سقطت أنظمتها بأيديهم، ولكنها لم تنعم بعد بالاستقرار؛ لذلك فالوحدة بين الخيرين من أبناء مالي لازمة لتفويت الفرصة على الأعداء والمضي قدما نحو عودة هذا البلد إلى حضنه التاريخي.

 

اللغة الأم وتبلبل الألسنة

الانقلاب اللغوي الذي تبنته السلطة الجزائرية بتعميم الإنجليزية بدلا من الفرنسية، لم يكن وليد دراسة علمية ورصد لحال الثقافة العالمية بأي لسان تتوسل، إنه قرار سياسي كان نتيجة مناوشة بين قصري المرادية والإليزيه، على خلفية قضايا تهم النظامين لا الشعبين، كتخندق الحكومة الفرنسية إلى جانب الأطروحة المغربية في قضية الصحراء المغاربية، وقضايا أخرى تتعلق بأزمة الطاقة الأوروبية، وعودة المزاج الاستعماري للعقل الغربي. ومهما يكن الأمر، فقد ألزم أساتذة الجامعة الجزائرية بممارسة اللغة الإنجليزية تعلما وتعليما في كثير من التخصصات رغم قلة الزاد فيها، كما أدرجت هذه اللغة في المراحل التعليمية الأولى، بلا خطة متدرجة لواقع لم يك متهيئا أبدا لمثل هذه التحولات. ومن المضحك حقا، أن تظل الإدارة الجزائرية العميقة مفرنسة للغاية، وموظفوها السامون يتحدثون إلى شعبهم باللسان الفرنسي لا باللسان الإنجليزي ولا باللسان العربي.

 

ومن نافلة القول، بلا حاجة إلى كد الذهن، أن نلحظ تجارب العالم المتشبث بهويته والمستيقظ من سباته، كالصين والكيان الصهيوني، كيف يلتزم بلغته الأم ويبني عليها نهضته، غير غافل عن الاغتناء بلغات الغرب والشرق معا، ومنها العربية؛ في موقف حضاري لم يتأسس على التبعية، بل على التنافسية العلمية والثقافية. ومن هنا نستطيع تلمس الخلل في هذا التحول اللغوي المرتجل في الجزائر، القاضي باستعمال الإنجليزية في المجتمع مجانا، في زمن يتراجع فيه الإنتاج العلمي والثقافي بهذه اللغة لصالح لغات أخرى، في ازدراء فج للغة العربية، المؤهلة علميا لأن ترث ما أنتجته الإنسانية من معارف، والمقتدرة على إدارة تعارفها وتخليده إلى قيام الساعة.