على مدار الساعة

ليال ليلاء بين مشافي ولايات ثلاث (2/4)

8 فبراير, 2026 - 17:06
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - كاتب وأستاذ جامعي جزائري - djellouli73@hotmail.com

من المظاهر التي ولدها استجلاب الكوبيين للطبابة في الجزائر، وجود صراع خفي يدور بينهم وبين نظرائهم من الأطباء الجزائريين، صراع ملحوظ ويظهر للعيان من حين لآخر. ومن الصعب تفسيره قانونيا أو طبيا إذا ما استمعت إلى شجاراتهم المتكررة عن القرار الطبي وتشخيص المرض، ناهيكم عما تعلمه ضيوفنا من أمريكا اللاتينية حينما يلتقون بصاحب المولود الجديد هاشا باشا، "كادو"! إنها عادة سيئة يمارسها أكثر الأطباء والممرضين والقابلات عندنا، غير متعففين بما يجري على أيديهم من رواتب مقبولة عموما. وبالعودة إلى ذلكم الصراع وتأمله، تجده ذا أبعاد شتى، منها النفسي ومنها الاجتماعي ومنها الاقتصادي.

 

الغيرة من الآخر الجاد المتمكن، قد تكون تفسيرا لبعض ما نلحظ من حزازات، فالكوبي جاء من وطنه لأداء مهمة، ويمثل في ذلك بلده، وربما يكون التعليم الجامعي أجود عندهم مما عندنا. كما أن الطبيب الكوبي يسابق ضميره أنانيته في التعامل مع حالة المرضى بين يديه، وربما يخاف من الخطأ وما سيترتب عنه. الطبيب الجزائري بشكل عام يعمل وهو مهتم بمساره المهني مستقبلا، يسعى للعمل في المؤسسات العامة والخاصة، ويفضل الخاصة لأنها تدر عليه مالا بمجهود أقل، ويتحين الفرصة للانتهاء من عقد العمل مع المستشفيات العامة ليفتح عيادته الخاصة، أو يبحث عن فرصة عمل في الخارج بمداخيل مضاعفة. ولا يعنيه كثيرا مآل المرضى أشفوا أم هلكوا. أما الصراع من المنظور الاجتماعي فصورة الأطباء لدى الناس، الذين يؤمون المستشفيات بلا انقطاع، فهم في النهاية زبائن الغد، ولا بد من إقناعهم بخطأ التشخيص الكوبي، الذي يقبض أصحابه بالعملة الصعبة أضعاف ما يقبضه نظراؤهم من الجزائريين رغم تعادل المشاق، ولعل ذلك ما يمثل الجانب الاقتصادي من هذا الخصام.

 

ولا غرو أن تجد الطبيب الجزائري يحظى بموقع مرجعي لدى المريض وأهله، لا يدفعه غالبا إلى التواضع أمامه، بل إنك لترى في سلوك الأطباء الجزائريين استعلاء مرضيا على الناس لا مبرر له غير ما تعود المجتمع الجزائري منذ الاستقلال إضفاءه عليهم، لقلة الأطباء آنذاك وللحاجة الماسة إليهم. ولا ننسى المناهج الفرنسية في كليات الطب وما يعنيه اكتساب لغتهم وما تختزنه من معارف ظن أهلها أنهم يفضلون العالم بها؛ فرضع هذا المسكين هذا اللبان بكدره وصفائه، ولم يستطع أن يتخلص منه إلى اليوم.

 وللمفارقة حقا أن تجد هؤلاء الأطباء المغتربين في الغرب والشرق تحت سلطة القانون والأفراد خاضعين، ولا يبالون بالجدية الزائدة في العمل في دول الغرب، ولا بالدونية التي يفرضها الكفيل وصاحب العمل على الأجير في الخليج.

 

يممنا شطر المدية عشاء بعدما استأجرنا سيارة خاصة، وقطعنا على عجل مسافة ثلاثين ومائة كيلومتر، ودخلنا مستشفى محمد بوضياف الذي فتح لنا حارسه أبوابه حينما أخبرناه بالرسالة، وأمرنا بالتوجه مباشرة إلى قسم التوليد، كانت لفتة طيبة منه على سذاجتها، لأننا ما كدنا ندخل فضاء المستشفى حتى وجدنا أنفسنا نسأل هذا وذاك عن هذا القسم، لأن المباني كثيرة ومتشابهة وقلما تجد فيها يافطات توجهك مباشرة إلى الهدف من دون لف ودوران. لن أخبركم عن النظافة في مسالك المستشفى، فلقد كانت مميزة وناطقة، وبينها وبين مستشفى عين وسارة بعد المشرقين. يكفي أن نذكر أن في هذا الأخير يجاور قسمَ التوليد فيه مكبُّ النفايات الطبية المعدية.

 

تجشمت السليمة عناء الصعود على السلم العالية درجاته، وكانت أروقة القسم شبه فارغة، فالوقت كان يقارب منتصف الليل، استقبلنا فيه الحارس عابس الملامح يرتدي مئزرا أبيض مفتوحا صدره مشيرا إلينا بقاعة الانتظار. ولم أنتبه إلا والحارس بعدها يأمرني لائما بالخروج من القاعة لأنها مخصصة للنساء، فأجبته بألا شيء يدل على ذلك كيلا نلج مع مرضانا. ودفع بي وبسائق السيارة إلى رواق بارد كالصقيع وضعت فيه كرسي حديدية، ولا أحدثك عن منتصف ليلة شتوية كهذه من ليالي يناير في المدية. ووقف هو مستندا بدبره على وحدة من وحدات التدفئة المركزية وقتا طويلا، سألته عن توفر الطبيبة المختصة فأجاب بالنفي، فقلت: "لم أرسلونا إليكم إذن"؟ فقال: "كلهم يرسلون المرضى إلى المدية، ولماذا لم يبعثوكم إلى الجلفة"؟

 

 لمحت أثناء ذلك طبيبة عامة اتجهت إلى غرفة المعاينة، كتبت بعدها خطابا توجه فيه المريضة إلى مستشفى مصطفى بن بوالعيد بولاية البليدة، التي تبعد حوالي أربعين كيلومترا، لأنه لا مختصة بالتوليد تداوم هذه الليلة في مستشفى المدية! ثم عادت إلى زميلتها الممرضة إلى حيث كانتا تثرثران، وتركت المريضة وشأنها. فأخبرتها ألا مجال لدي للسفر وهي بهذا الحال، وأن على إدارة المستشفى أن تتكفل بنقلها لأن هنالك مسؤولية منوطة بي في هذا الوقت المتأخر من الليل، خاصة إذا ما تعطلنا في الطريق أو لم نجد متخصصين حيث وجهنا، فلم تبالي بما طلبنا، وكان علي تبليغ الشرطة، التي حضرت بسرعة على عين المكان وتجادلت مع الناظر الليلي من دون جدوى، واكتفت بتحرير محضر والإشارة علينا بكتابة شكوى إلى مديرية الصحة والتوجه فورا إلى البليدة بمركبتنا الخاصة، لأنه لا سيارة إسعاف جاهزة غير واحدة موضوعة لحالات أخطر من هذه!

 

لم يكن لنا من بد من إكمال الطريق وحدنا في ليل بهيم أليل، وجالت ببالي خواطر الله أعلم بها، واستيقنت أنه كان بإمكان إدارة المستشفى بالمدية تقديم خدمة تمنعت من تقديمها، لأن كل ما جرى بيننا من مجادلة كانت توحي إلي بأن الموظفين يفضلون ألا يزعجهم مريض بساعة ليل، كما يفضلون التخلص منه بأدنى حجة، وإن بادروا بتلبيس قولهم بأنهم يشيرون علي بالانصراف من الجانب الإنساني. وكل ذلك كان حيلا منهم لا أخلاقية فيها؛ وأوضحت لهم بأنه إن كان القانون لا يلزمهم بإيجاد حل يرفع عني المسؤولية ويلزمهم بالاعتناء بالحالات الاستعجالية ثم يترك المواطن الجزائري بعدها إلى مصير مجهول_ فنحن إذن أمام أزمة حقيقة.

 

استحضرنا كل علاقاتنا الاجتماعية مع معارفنا من أهالي المدية في تلك الساعة المتأخرة من الليل، لعل أحدا منهم نافذ يستطيع أن يقنعهم بما نريد ولا يريدون، وعبثا حاولنا ذلك، لأن الوساطات التي وجدناها لم تكن في الخدمة الفعلية ليلتها. وتبدت لي في معاملة الإدارة والأطباء للمرضى على أربعة أصناف؛ فإن كان المريض من القيادات العليا للبلاد أو من ذويهم، فإن المستشفى سيبذل طاقته القصوى ويزيد عليها ليلبي، وجلا من هذه الجهات التي لن تتوانى عن إلحاق الضرر بهؤلاء الموظفين على أدنى تقصير. وصنف ثان يحظى بعلاقات خاصة مع المستخدمين سيسهلون عليه ما يريد. وثالث سيخاصم الإدارة والأطباء ويشتكي وليس له من وراء ذلك غير تطبيق القانون بصورة سلبية لا رحمة فيها. أما الصنف الرابع فهو الأغلب الأعم، تقدم له الخدمة الطبية بحدها الأدنى، ويدفع دفعا إلى الانصراف أو يوجه إلى الخواص أو يبتز، وليس له من ملجأ إلا الله عز وجل، ونعم المولى ونعم النصير!

 

أمر آخر شغل بالي ولا يزال، هو كثرة الفتيات العاملات بالإدارات العامة، كيف بهن قد رضين أن يستبدلن دفء البيوت والأمن الأسري بخلطة الرجال بالليل والنهار، وكيف بهن قد اكتسبن لغة خطاب خنثى، لا هي رجالية فتعرف كيف تجيبهن، ولا هي أنثوية لتدع المريضات يرددن عليهن؛ إنها كارثة أخلاقية حلت بمجتمعنا وليس للجزائر فيها خير. ومن عجيب ما رأيت في تلك الليلة في مستشفى المدية، وجود أطفال بالقرب من ذويهم داخل المكاتب، كأن أحد الأبوين أو كليهما قد اصطحبهم معه إلى حيث يعمل، لأن مناوبته كانت ليلا، وما من أهل يتكفلون بهم في بيوت أمست اليوم شبه خالية.