على مدار الساعة

المحتوى المحلي والحاجة إلى الدفع بالقطاعات الاستخراجية نحو صناعات ذات قيمة مضافة، قطاع المعادن نموذجا

9 فبراير, 2026 - 18:45
محمد الأمين تاويّه - مهندس معادن

السياق

كَثُر الحديث مؤخرًا عن المحتوى المحلي بمناسبة تفعيل الأمانة الوطنية المعنية بتثمينه، والتي أُنشئت بموجب قانون تم اعتماده في نوفمبر 2025. وفي السياق نفسه، تم مؤخرًا تعيين رئيس لهذه الهيئة. غير أن هذا النقاش اتسم بغياب فهم واضح لخلفيات إنشائها، ولسياقها الاقتصادي، وللدور المنتظر منها في دعم الاقتصاد الوطني. ولا يمكن فصل هذا النقاش عن سؤال أوسع يتعلق بكيفية إدارة الثروة الاستخراجية بحيث تتحول من مصدر دخل ظرفي إلى رافعة تنموية مستدامة.

 

نظرة عامة

ارتبطت الصناعات الاستخراجية بتاريخ الدولة الموريتانية منذ نشأتها، ورافقتها خلال أصعب مراحلها الاقتصادية، باعتبارها أحد أهم مصادر العملات الصعبة عبر تصدير المواد المعدنية الأولية، وعلى رأسها خام الحديد. لقد شكّل هذا القطاع ركيزة استراتيجية في بناء الدولة الحديثة؛ فمن خلاله تم ربط الشمال النائي بالمحيط الأطلسي عبر سكة حديدية تمتد لأكثر من 700 كيلومتر، وهو إنجاز بنيوي غير مسبوق في سياقه الزمني. كما أتاح القطاع فرص عمل لآلاف الموريتانيين، خاصة خلال سنوات الجفاف والعزلة الاقتصادية.

ورغم أن النشاط ظل لفترة طويلة مقتصراً على تصدير المواد الخام دون تحويل صناعي أو قيمة مضافة محلية، فإن عائداته — في ظل دولة فتية بإمكانات محدودة — كانت تمثل آنذاك رافعة اقتصادية وملاذاً مالياً ضرورياً. وعلى مدى عقود، بقيت صادرات موريتانيا المعدنية شبه أحادية، متمثلة أساساً في خام الحديد. لاحقاً، أدى اكتشاف واستغلال مناجم النحاس والذهب في منطقة إنشيري إلى إدخال قدر من التنويع على القطاع عبر استثمارات شركات دولية خاضعة لمعايير تشغيلية والتزامات اجتماعية وبيئية واضحة. ورغم أهمية هذا التطور في توسيع قاعدة الصادرات المعدنية، فإنه يظل محدوداً مقارنة بالإمكانات الجيولوجية الكبيرة التي تشير إلى فرص واعدة لموارد معدنية أخرى.

 

المحتوى المحلي في قطاع التعدين: من إدارة الثروة إلى بناء قيمة تنموية مستدامة:

يرتكز مفهوم المحتوى المحلي على ثلاث دعائم أساسية: الإنسان المؤهل، والمؤسسة الوطنية القادرة، والصناعة ذات القيمة المضافة. هذه المرتكزات لا تعني الانغلاق على الذات أو رفض الاستثمار الأجنبي، بل تعني إدارة الثروة بطريقة تجعل أثرها باقياً داخل الاقتصاد الوطني.

 

من المسلَّم به أن أي مستثمر — أجنبياً كان أو محلياً — لا يأتي بدافع بناء الدول بقدر ما يأتي بحثاً عن الربح، بأقل التكاليف وفي أقصر الآجال الممكنة. هذه حقيقة اقتصادية تعبّر عن طبيعة الاستثمار ذاته. لذلك نرى شركات تعمل في بيئات تعاني الحروب أو الفساد أو الفقر دون أن يمنعها ذلك من تحقيق أرباح قياسية. في المقابل، فإن مسؤولية التنمية وبناء الاقتصاد الوطني لا تقع على عاتق المستثمر، بل على عاتق الدولة ومواطنيها ونخبها. وقد اعتدنا في كثير من الأحيان على تحميل الشركات الأجنبية مسؤولية هدر الثروات، دون الالتفات إلى أن وجود مستثمر أجنبي ذي مصداقية عالمية قد يكون عاملاً أساسياً في جذب مزيد من الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وفتح الأسواق. التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود المستثمر الأجنبي، بل في كيفية إدارة العلاقة معه بما يخدم المصلحة الوطنية.

 

جوهر أي صناعة هو الإنسان. فبدون تأهيل الكادر البشري وضمان انتقال المعرفة والخبرة من الأجنبي إلى المحلي، يظل أي استثمار هشاً وعابراً. لذلك يشكّل التكوين والتعليم وتوطين المهارات القيمة الحقيقية المتبقية بعد رحيل المستثمر وأرباحه. هذه هي الثروة المستدامة التي لا تنضب. كما أن الشركات العاملة في القطاع الاستخراجي تعتمد بشكل كبير على شبكات من شركات الخدمات والمقاولات. بناء نسيج من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وفق معايير مهنية وتنظيمية واضحة يتيح لها تلبية احتياجات هذه الشركات، واكتساب خبرات تقنية وإدارية، وخلق فرص إضافية للتشغيل والتكوين. إدماج هذه المؤسسات في سلاسل القيمة يتطلب تأهيلاً منهجياً، واعتماد معايير الجودة والسلامة، والاستفادة من نماذج دولية ناجحة في تنمية المحتوى المحلي.

 

أما القيمة المضافة، فهي الحلقة الأضعف في تجربتنا حتى الآن. تحويل المواد الأولية — ولو جزئياً — داخل البلاد عبر إنشاء مصانع تحويل ومصافٍ صناعية من شأنه أن يرفع قيمة الصادرات، ويقلص كلفة الاستيراد، ويخلق بيئة صناعية مولِّدة للوظائف والدخل. العائق هنا ليس تقنياً فقط، بل يرتبط بالطاقة والإرادة السياسية والاستقرار التشريعي.

 

لقد شهدت موريتانيا مبادرات مهمة في هذا الاتجاه، من بينها إنشاء مدرسة للمهندسين بتمويل جزئي من أرباح الشركات العاملة في القطاع، وهو ما ساهم في "مرتنة" الوظائف التقنية والإدارية داخل الشركات الأجنبية بدرجة معتبرة. كما تلعب الشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة دوراً متزايداً في سلاسل التوريد، رغم الحاجة إلى مزيد من التنظيم والعقلنة وتبني نماذج تشغيل عالمية. نجاح هذا المسار يمكن أن يشكّل قاعدة لتعميم التجربة على قطاع البترول. وتجارب دول أخرى تؤكد أن هذا التحول ممكن: فدول الخليج نقلت خبرتها المؤسسية من النفط إلى قطاع التعدين المستجد في تلك البلدان، بينما تمثل تجربة تشيلي في النحاس نموذجاً لافتاً، حيث ربطت الدولة بين التكوين الجامعي، وشركات الخدمات المحلية، وبرامج إلزامية للمحتوى المحلي، ما حوّل قطاع التعدين من مجرد مصدر خام إلى منظومة صناعية وتقنية قادرة على التصدير وخلق قيمة مستدامة. مثل هذه النماذج — إلى جانب تجارب جنوب إفريقيا وكندا — لا تحتاج إلى الاستنساخ الحرفي، بل إلى فهم عميق وتكييف ذكي مع واقعنا.

 

الخاتمة:

يتعلق المحتوى المحلي أساساً بكيفية توطين الصناعات، بحيث يصبح وجود المستثمر الأجنبي مرحلة انتقالية لنقل الخبرة ورأس المال إلى الفاعل الوطني، عبر خلق فرص العمل وتمكين الشركات المحلية من تقديم الخدمات والمشاركة الفعلية في سلسلة القيمة. غير أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق تلقائياً؛ فهو يتطلب مبادرة جادة لتأهيل الكادر البشري من القاعدة، وتشجيع الشركات الوطنية على الالتزام بالمعايير المهنية المعتمدة في القطاع، إضافة إلى إعداد استراتيجية واضحة لتحويل المواد الخام إلى قيمة اقتصادية محلية. كما يستلزم توفير بنية طاقوية — خصوصاً في مجالي الطاقة والغاز — قادرة على دعم هذا التوجه الصناعي. وكل ذلك يظل رهين الاستفادة الذكية من نماذج دولية ناجحة، يتم تكييفها مع واقعنا بدل استنساخها حرفياً.