على مدار الساعة

البطالة في موريتانيا: أزمة تهدد المستقبل

18 فبراير, 2026 - 16:49
أحمدو ولد امباله/ نائب رئيس البرلمان

تشكل البطالة في موريتانيا أزمة هيكلية حقيقية، وليس مجرد مشكلة عابرة فالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في البلاد يظهر أن سوق العمل ضعيف ولا ينتج فرص عمل كافية لاستيعاب طاقات الشباب المتزايدة، وهو ما يعكس فشل السياسات الحكومية في التعامل مع هذا التحدي.

وبالنظر للأرقام تتكشف عمق الأزمة، فوفق بيانات البنك الدولي وبيانات سوق العمل المحدثة:

   •    معدل البطالة العام حوالي 10.37% عام 2024، لكن هذا الرقم لا يمثل الواقع الكامل للسوق لأن مشاركة القوى العاملة لا تتجاوز نحو 40.85% من السكان فوق 15 سنة، ما يعني أن أكثر من نصف السكان في سن العمل إما غير نشطين أو لا يبحثون عن عمل بشكل رسمي — وبالتالي لا يحتسبون ضمن العاطلين.  
    •    معدل بطالة الشباب (15–24 سنة) يقارب 23.2%، أي نحو واحد من كل أربعة شباب في سن العمل بلا وظيفة رغم بحثه عنها.  
    •    الفجوة بين الجنسين في سوق العمل واسعة: مشاركة النساء في القوة العاملة تقارب 26% فقط، مقابل نحو 57% للرجال، مع بطالة أعلى لدى النساء. 

 

هذه الأرقام تؤكد أن الواقع أعمق من الأرقام الرسمية المعلنة، وأن هناك فئات واسعة إما خارج السوق نهائيا أو تعيش في شبه عمالة أو اقتصاد غير رسمي.

 

آثار البطالة: أكثر من رقم

 

آثار اقتصادية حادة: تتمثل في الآتي:
1-    انخفاض الإنتاجية والنمو الحقيقي للوظائف
على الرغم من ادعاء معدلات نمو اقتصادي جيدة في بعض السنوات، لا يصاحبها خلق وظائف منتجة بالكميات المطلوبة وهو ما يسميه الاقتصاديون نمو بلا توظيف.
2-    اتساع الاقتصاد غير الرسمي:
فنسبة عالية من المشتغلين في موريتانيا يعملون في قطاعات غير رسمية أو في أعمال ذات دخل غير منتظم، وهو ما لا يترجم إلى تحسين ملموس في مستوى المعيشة.
3-    هجرة الكفاءات:

مع ضعف فرص العمل الجدية، يبحث الكثير من الشباب المتعلم عن فرص في الخارج، ما يحرم البلاد من طاقاتها البشرية الضرورية للتنمية.

 

آثار اجتماعية وصحية:
    •    تفكك بعض الأسر والضغط النفسي على العائلات نتيجة غياب مصادر الدخل.
    •    ارتفاع معدلات إحباط الشباب وخروجهم عن المسار الإنتاجي عند استمرار الإقصاء من سوق العمل.
    •    تدهور الخدمات الأساسية بسبب هدر الإيرادات الضريبية الناجمة من التشغيل.

 

آثار سياسية مؤثرة:
    •    تراجع الثقة في المؤسسات الحكومية عندما لا تكون قادرة على توفير فرص عمل أو ضمان عدالة في التوظيف.
    •    تصاعد الخطابات الشعبوية مما عزز حالة الإحباط السياسي و زاد من التوترات الاجتماعية.

 

مسؤولية الحكومة: سياسة غير فعّالة أم تجاهل متعمد؟

 

السياسات المتبعة من قبل الحكومات المتعاقبة تجاه التشغيل في موريتانيا يمكن تلخيصها في:

1-    تقديم أرقام غير كاملة:

الاعتماد على معدل البطالة العام فقط يخفي جانبا كبيرا من حجم المشكلة، خصوصا عندما لا يتم احتساب الأشخاص الذين توقفوا عن البحث عن العمل كعاطلين، رغم أنهم خارج سوق العمل بالفعل.

2-    التركيز على التوظيف العمومي:

بدل تحفيز القطاع الخاص المنتج، فقد اتجهت السياسات إلى خلق وظائف في القطاع العام، ما أدى إلى:
    •    كتلة رواتب ضخمة تجهد الميزانية.
    •    وظائف قليلة الإنتاجية مقارنة بحاجات السوق.

3-     غياب العدالة في التوظيف

 

ومن أكبر مظاهر الفشل المؤسسي في موريتانيا:
    •    تفشي الفساد والمحسوبية والوساطة في التعيينات والاكتتابات، دون معايير واضحة.
    •    غياب الشفافية والمعايير الواضحة في الدخول إلى الوظيفة العمومية.
    •    هذا الوضع يعمق الشعور بأن الفرص لا تمنح على أساس الكفاءة أو الجدارة، بل بناء على الانتماءات والوساطات.
وهو ما سبب فقدان الثقة في المؤسسات الحكومية، وتغذية حالة الإحباط لدى الشباب الباحثين عن فرصة عادلة في سوق العمل.

 

حلول واقعية وعملية: 

لا يمكن حل أزمة البطالة بنقل أعداد صغيرة من العاطلين إلى الوظيفة العمومية؛ بل المطلوب إصلاحات جذرية تشمل التالي:

1-    محاربة الفساد وإرساء العدالة في التوظيف
    •    وضع قواعد معيارية واضحة للاكتتابات.
    •    إجراء مسابقات شفافة ونشر معايير التقييم.
    •    التحقيق في شكاوى والمحسوبية والوساطة ومعاقبة المتورطين.

هذه الإجراءات ستعيد الثقة في النظام، وتضمن أن تكون الفرص مبنية على الكفاءة لا على العلاقات.

2-     تنويع الاقتصاد والتركيز على قطاعات منتجة:
    •    الزراعة التحويلية والصناعات الغذائية.
    •    الخدمات الرقمية واللوجستية.
    •    الطاقة المستدامة والبنية التحتية.

 

التركيز على هذه المجالات يمكن أن يولد وظائف أكثر من النمط التقليدي للوظيفة العمومية.

3-    إصلاح التعليم وربط التكوين بسوق العمل

إعادة توجيه التعليم والتكوين المهني ليتوافق مع متطلبات القطاعات الواعدة، ولن يقلل الفجوة بين مهارات الخريجين واحتياجات السوق.

4-     تحسين بيئة ومناخ الأعمال:

تبسيط الإجراءات الإدارية، توفير التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وحماية المستثمرين من الممارسات غير العادلة، ستخلق بيئة أكثر جذبا للاستثمار وبالتالي خلق المزيد من الوظائف.

5-    أهداف تشغيل واضحة ومساءلة دورية:

 

تحديد هدف واضح مثل خلق 50–60 ألف وظيفة سنويا، مع جداول زمنية للتنفيذ ونشر تقارير دورية قابلة للقياس، سيساعد في تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة.

 

والخلاصة ان أزمة البطالة في موريتانيا ليست نقص موارد، بل عجز في السياسات ورؤية اقتصادية فالأرقام الرسمية تؤكد ضعف مشاركة القوى العاملة، مع معدلات بطالة شباب تجاوزت نحو 23%، وسط ضعف في فرص العمل المنتظمة.  

 

الحل ليس في توسيع التوظيف الحكومي فحسب، ولا في الأرقام الرسمية السطحية، بل في إصلاح الاقتصاد، محاربة الفساد، تعزيز العدالة في التوظيف، وتنمية قطاعات قادرة على خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.
بدون ذلك، سيبقى الشباب أكثر الفئات تضررا، وستظل البطالة عنوانا لأزمة عمرها عقود في موريتانيا