على مدار الساعة

12:07

بين القوة والقانون، الدعوة للحوار حول مكانة القانون في مجتمعنا

17 أكتوبر, 2018 - 10:21
الأستاذ: اليزيد ولد اليزيد

تم في الأخير انتخاب عسكري سابق رئيسا للجمعية الوطنية، وبذلك أصبح الشخصية الثانية في الدولة، بعد رئيس الجمهورية.

 

إن هذا الأخير عسكري أيضا، وصل إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري واحتفظ بها مرتين من خلال صناديق الاقتراع.

 

ويريد أنصاره أن يترشح لمأمورية ثالثة، بل تراوده الفكرة بنوع من الرغبة.

 

لكن الشائعات المضادة، التي تقول إنه راحل، تقدم واحدا من أكثر حلفائه إخلاصا كالخلف الراعي ـ وهو عسكري آخر.

إن أفقنا السياسي مرصع بالنجوم.

لقد عودنا العسكريون على طريقة الانقلابات العسكرية الفظة.

 

إن العسكريين الوحيدين المنتخبين في تاريخ بلادنا (ولد الطايع وولد عبد العزيز) ترشحا للانتخابات بعد أن وصلا إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري. وقد خلف كل واحد منهما نفسه، مرورا، إذا جاز التعبير، من رئاسة بالقوة إلى رئاسة عن طريق القانون.

 

ومع التحولات الجديدة في النظام، نشاهد اليوم سيناريو غير مسبوق: العسكريون الذين يسلكون طريق صناديق الاقتراع.

 

هل يعني ذلك أن عسكريينا قد اعتنقوا فضائل الديمقراطية (الجانب المتفائل من السؤال)؟ أو، على العكس، أنهم بالتأكيد أخذوا ديمقراطيتنا رهينة (الوجه المتشائم)؟

 

على أي حال، يطرح هذا مشكلة وصول الجيش إلى السلطة واحتفاظه بها. وفوق ذلك، هناك سؤال، كبير ودائم ومقلق ولا يمكن تجنبه، يطرح نفسه، ألا وهو مكانة القانون في مجتمعنا.

 

دعونا نذكر، لإنعاش ذاكرتنا، ببعض الحقائق التاريخية: في جميع الأزمان وفي كافة الأماكن، تسارعت كل البلدان التي يقودها العسكريون نحو الإفلاس، في مختلف أصقاع المعمورة.

 

إن أمريكا الجنوبية (البرازيل والأرجنتين وشيلي وغيرها) لم تعرف مسار التقدم (الصعود، كما يقال اليوم) إلا بعد أن طوت نهائيا صفحة الجنرالات الحاكمين.

 

كما بقيت إسبانيا الجنرال فرانكو وبرتغال ويونان العقداء في مؤخرة أوروبا الغربية القديمة: دولا زراعية أساسا، متأخرة وخانقة للحرية. ولم تعرف هذه البلدان الديمقراطية والتنمية إلا مع وصول المدنيين إلى السلطة والالتحاق بالمجموعة الاقتصادية الأوروبية.

 

وماذا يمكننا أن نقول عن إفريقيا والعالم العربي؟ لقد تم رهن التنمية البشرية بشكل كبير في هذه الدول من قبل جيوشها الحاكمة. ماذا نقول عن الجزائر وليبيا وزائير على سبيل المثال لا الحصر؟ ما هي الرياح العكسية التي يمكن أن تدفع النقيبين سانوغو وداديس كامارا والملازم يحيى جامي والكثير من أمثالهم إلى السلطة؟

 

ماذا عن سلطة بدون شرعية، ولا مشروع ولا كاريزما؟

 

يحكم الجيش بلادنا منذ عام 1978، ويشكل سطرا آخر على القائمة الطويلة للدول التي تعاني من حكم الجيش.

 

ولكي نبقى صادقين، يجب علينا أن نعترف بأن العديد من المدنيين، ولاسيما أولئك الذين يطلق عليهم اسم "المثقفين"، قد ساعدوا في تبرير هذا الوضع وإدامته.

 

وفعلا، لم يفقد قط العسكريون من يدافع عنهم من المدنيين. فكلما طرحت مسألة السلطة نفسها، تزاحموا على استوديوهات التلفزيون، وفي أعمدة الصحف، وعلى أثير الإذاعات، ليوضحوا أن الجيش هو حارس استقرار البلاد والمؤتمن الطبيعي على السلطة، وأن هذا الضابط هو أكثر كفاءة لممارسة السلطة من أولئك الذين سبقوه، الخ.

 

وفي مثل هذه الظروف، من المعقول أن نتساءل عما إذا كان يمكن إقناع الجيش بضرورة وجود سلطة مدنية، ما دام  المدنيون أنفسهم، وفي المقام الأول، نخبهم، يبررون ويعززون ويكرسون السلطة العسكرية بكل ما أوتوا من قوة.

 

كيف يمكن أن تتصور، في الواقع، أن يعترف لك شخص ما من تلقاء نفسه بأنه في غير مكانه إذا ما واصلت أنت إقناعه بالعكس؟

 

لقد سمعت أكثر من مرة بعض مثقفينا يوردون مثالي آيزنهاور وديگول ليخبرونا بأن العسكريين قد قادوا بنجاح دولا ديمقراطية عظيمة.

 

نسوا أن هذين الجنرالين قد تم تكوينهما وصقلهما في قالب أكبر حرب عرفها العالم (الحرب العالمية الثانية)، وأنهما حاربا باسم الديمقراطية والحرية، وخرجا منتصرين لهذه الحرب التي وضعتهما مباشرة أمام عالم جديد يترتب بناؤه.

 

من أي حرب خرج جنرالاتنا منتصرين؟ ضد أي عدو قاموا بحمايتنا؟ في أي شيء تم استخدام أسلحتهم، باستثناء تخويف وإخضاع مواطنيهم، عند الضرورة؟

 

عندما يصبح الجدل أكثر جدية، تقدم لنا نفس الترهات القديمة القائلة بأن موريتانيا بلد هش لا يمكن أن يحكمه سوى رجل قوي، وأن رئيسًا عسكريًا وحده يستطيع منع الموريتانيين من مجابهة بعضهم البعض، الخ. وبعبارة أخرى، لسنا سوى أطفالاً كبارا لا نعرف أين توجد مصلحتنا، التي يستطيع الوصي العسكري وحده أن يقودنا إليها.

 

بل تتنبأ لنا عقول رؤيوية بجميع أنواع الكوارث التي تحوم فوق رؤوسنا وبأن حضور الجيش المطمئن هو وحده  الذي يستطيع احتواءها.

 

ويحمل كل شيء على الاعتقاد بأن الجيش يحافظ على هذا الموقف بذكاء، وإلا فكيف نفسر الضعف الذي يميز أحزابنا السياسية ومؤسساتنا التي يبدو أن المواطن لا يجد نفسه فيها ولا الأمن اللازم لتبنيها.

 

يرتدي الجيش زي التمويه (على النحو المطلوب)، ويبدو أنه ينشئ الفراغ حوله، من أجل احتلال أفضل للميدان وللعقول.

 

سمعت من أحدهم كلمات قالها جنرال يلخص حالة أقرانه الذهنية: "لم يعد باستطاعتنا أن نوكل السلطة إلى مدني. كانت التجربتان مع المختار ولد داداه وسيدي ولد الشيخ عبد الله كارثيتين. ولن تكون هناك مرة ثالثة".

 

ربما نسي جنرالنا أننا تحملنا وتكبدنا وعانينا (الخ) حوالي عشرة من القادة العسكريين منذ عام 1978 كلهم أشد كارثية من الآخرين.

 

هل نسي، جنرالنا، أن بصيص الأمل الديمقراطي الوحيد خلال الأربعين سنة الماضية كان انتخاب سيدي ولد الشيخ عبد الله في عام 2007؟ وأن سيدي وإن كان "مرشحا لعسكريين"، قد مثل رغم كل شيء سببا حقيقيا للأمل بالنسبة لغالبية الموريتانيين الذين بدئوا أخيرا يثقون في المستقبل؟ وأن سيدي، وحتى بمراقبة مقربة من كبير حراسه العقيد الذي أصبح جنرالاً، كان يرمز إلى وعد بإبعاد الجيش عن المجال السياسي، بشكل تدريجي، ولكنه حتمي ؟

 

في سجل الأفكار الخاطئة حول الجيش، يعتقد بشكل عام أن الجندي شخص بليد وعنيد. وهذا من شأنه أن يفسر، بالنسبة للبعض، أن الجيش عندما يصل إلى السلطة، لن يتخلى عنها، وهذا خطأ.

 

إن للجيش إحساسًا عمليًا كبيرًا يأخذ في الحسبان موازين القوة. إن هذا جزء من تكوينهم. لا شك، أنهم بطبيعتهم الحربية، يهاجمون وينتصرون في الحروب، ولكنهم أيضا، عند الضرورة، يتراجعون، ويوقعون الاستسلام والهدنة.

 

يستخدمون القوة، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، ولكن عندما تكون القوة في خدمة القانون، فإنهم يحترمون هذا الأخير.

 

إن معظم الجيوش الكبرى في العالم موجودة في دول القانون.

 

لكن هذه الدول لا تعرف التناقض الكبير الذي نعيش هنا، والمتمثل في تنظيم دستوري للدولة مع مؤسسات جمهورية، وعلى أساس مبدأ الفصل بين السلطات، من جهة، وممارسة مختلفة تمامًا تعتمد على سلطة رابعة، بل سلطة غير مكتوبة يجسدها الجيش، من جهة أخرى.

 
إننا ندين اليوم ببعض من التسرع الإسلام السياسي على أساس أن الدين لا ينبغي أن يكون مرجعية سياسية لأنه ملك للجميع ويجب أن يوحد المواطنين بدلا من تفريقهم.

 

لكن دعونا لا ننسى أن الأمر نفسه ينطبق على الجيش. يجب ألا يشكل الجيش بأي حال قوة سياسية لأنه يخدم الأمة كلها. ومهما يكن من أمر، فلا يجوز استخدام أسلحنه عليها لأغراض سياسية داخلية، وإلا انتهت السياسة والديمقراطية بطبيعة الحال.

ولهذا، لا ينص الدستور، على المستوى الشكلي، على أية سلطة سياسية للجيش.

ولتجاوز هذا التناقض، تم استخدام ذريعة بمناسبة الانقلاب العسكري في 10 يوليو 1978، لتبرير تدخل الجيش على المستوى السياسي، حيث تم تقدم بأنه المؤتمن في نهاية المطاف على الشرعية الشعبية. لقد تم تحويل هذه الذريعة إلى قاعدة دستورية. وحتى اليوم، يعتقد الكثير من مواطنينا أن الجيش هو "حارس" الدستور والمؤسسات. لكننا نعرف أنها مجرد خرافة. وفيما عدا الدستور والشعب (الذي هو المؤسس)، لا يستطيع أي كيان أن يدعي، وبالأحرى من تلقاء نفسه، أنه المؤتمن على أية سلطة سياسية.

 

وتتفاقم الأمور ويتعقد الوضع بمستوى آخر من التناقض، حيث نلاحظ في الواقع منذ سنوات عديدة أن أفرادا من الجيش هم الذين يمسكون السلطة، وليس الجيش كمؤسسة.

 

وبالتالي، يجد الجيش نفسه موظفا سياسياً لإضفاء الشرعية، أو على الأقل القوة، على شخص أو عدة أشخاص يمارسون السلطة باسمه.

 

تعي الغالبية العظمى من ضباطنا هذه التناقضات ونتوفر دون أدنى شك على الأساس اللازم لجيش جمهوري.

 

بل، يجب التنويه بالأغلبية الساحقة من أفراد قواتنا المسلحة الذين يخصصون وقتهم لمهمتهم وحدها، بتفان وإخلاص.

 

لكن هذا لا يمنعنا من التذكير، كلما كان ذلك ضروريًا، بدور ومهام الجيش، جيشنا، كما حددها القانون في إطار منظومتنا القانونية.

 

في منبر حر سابق مخصص للدستور، لاحظت التذبذب الدائم في موريتانيا بين القوة والقانون.  ويجب التسليم بأن هذه الإشكالية تتواجد هنا بنفس القوة.  

 

خرجنا للتو من انتخابات تشريعية، حيث لم يرق النقاش السياسي لسوء الحظ إلى مستوى وعوده. لكننا ندخل سنة من الانتخابات الرئاسية حيث يسمح بكل الآمال. دعونا نستخدم هذه المرحلة من تاريخنا لاستخلاص الدروس وتصحيح أخطاء الماضي. يجب علينا عدم تكرار سيناريوهات الفرص الضائعة.

 

خلال الانتخابات الرئاسية لعام 1992، كانت البلاد مقسمة إلى معسكرين: معسكر السلطة التقليدية الذي يجسده ولد الطايع في معارضة قوى التقدم التي كان أحمد ولد داداه حامل لوائها. فاز ولد الطايع وقتها، لكن ديناميكية قد انطلقت مع ذلك، وهبت ريح جديدة زرعت الأمل في الديمقراطية ودولة القانون.

 

بعد أكثر من عقد من خيبة الأمل، بلغ ذروته في محاولة الانقلاب الدامي في يونيو 2003، جاء منعطف جديد في عام 2005.

 

بشرت الفترة الانتقالية 2005 ـ 2007 بميلاد عالم جديد. وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام المستقبل. وقد اعتقدنا أن ذلك بداية مستقبل مشرق وديمقراطي.

 

كانت الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية التي تلت ذلك بمثابة قمة لممارسة الديمقراطية، وبدا أن انتخاب الرئيس ولد الشيخ عبد الله قد فتح الطريق أمام كل الإمكانيات.

 

لكن الحلم لم يدم طويلا. شكل عام 2008 كابوسا سياسيا، بلغ ذروته يوم 6 أغسطس مع الانقلاب العسكري الألف والعودة إلى المربع الأول.

 

كانت الانتخابات البرلمانية ثم الرئاسية التي تلت ذلك بمثابة قمة لممارسة الديمقراطية، وبدا أن انتخاب الرئيس ولد الشيخ عبد الله قد فتح الطريق أمام كل الإمكانيات.

 

لكن الحلم لم يدم طويلا. كانت عام 2008 كابوسا سياسيا، بلغ ذروته يوم 6 أغسطس مع الانقلاب العسكري الألف والعودة إلى المربع الأول.

 

في سنوات 1992، 2005، 2007...، في كل مرة، مثل غوته في فالمي، هتفنا قائلين "سوف يتغير كل شيء". لقد عشنا كل حدث بمثابة قطيعة تاريخية بين واحد قبله وآخر بعده. وفي الواقع، سرعان ما اكتشفنا، حتما، أن الفترات تندمج مع بعضها البعض وأن المستقبل يشبه الماضي بشكل غريب.

واليوم، لحماية أنفسنا من هذه الإحباطات المتجددة باستمرار، ربما يتعين علينا مباشرة عمل جوهري. ودون ادعاء إعطاء أي دروس أو تعليمات أخلاقية، أعتقد أن عملنا يجب أن يستهدف العقليات، والعمل الجوهري (الثقافة) لتحديد أفضل للشكل (الأحداث).

 

وفي هذا الصدد، إذا كانت هناك مسألة يجب البت فيها، فإنها بالتحديد مسألة مكانة القانون في مجتمعنا. ليس فقط القانون الذي يحكم العلاقات بين الأفراد، أو القانون الإجرائي كما يجري أمام المحاكم، بل فكرة القانون نفسها، وهي الأرضية التي تقوم عليها الدولة والمؤسسات.

إن هذه القواعد العملية نسبيا، والتي تسنها نصوص متفرقة (الدستور والقوانين والنظم...)، تطبق أو لا تطبق، فأين روحها؟ أين يقع تماسكها؟ في أي مصدر أولي تستمد عقلانيتها؟ ما هو المثل الأعلى الذي تتجه إليه؟ متى تصل الشرعية إلى المشروعية؟ باختصار، ما هي مكانة القانون في مجتمعنا وما هي فائدته؟

 

عندما نبتذل نصا أساسيا مثل الدستور، أو نترك القوانين غير مطبقة، أو نطبقها على البعض لا على الآخرين، فإننا نخفض قيمة المنظومة القانونية بأكملها ونشجع على ازدراء القوانين. ويسبب هذا، حتى في نظام سلطوي مثل نظامنا، عصيانًا عامًا للقانون، صريحًا أو ضمنيا، ضارًا ببناء دولة القانون بل بالدولة نفسها.

 

لكن يجب علينا ألا نخفي الحقيقة عن أنفسنا: لم تخرج دولتنا من العدم. نحن ننتمي إلى عالم يتطور ويتحسن، وله تاريخ ذو معنى. إننا لا نعيش على هامش الإنسانية. ومع العولمة، يوجد كل بلد في قلب العالم ونحن، سواء أحببنا ذلك أم لا، ورثة للآخرين.

 

إن ميراث عصر الأنوار ملك لنا نحن أيضًا.

 

كما نمتلك "روح القوانين"، وهو مقال كتبه مونتسكيو منذ حوالي ثلاثة قرون وأسس الفلسفة القانونية لقرن الأنوار، وهو أصل مفهوم الفصل بين السلطات. استعاد جان جاك روسو وعمق أفكار مونتسكيو،  فشكلت أصل المفهوم الأساسي "للعقد الاجتماعي" الذي يؤسس مشروعية وشرعية الدولة العصرية.

 

كما نمتلك أيضا نظرية التسلسل الهرمي للقواعدمعايير (القانون الأساسي، والقوانين والنظم، الخ)، التي صيغت في القرن العشرين من قبل قانونيين ألمان (هانز كيلسن وآخرين...) والتي ستلد مفهوما جديدا، ألا وهو  دولة القانون.

 

وخرجت دولة القانون اليوم من المصطلحات القانونية الفنية لتصبح عقيدة ديمقراطية. وتمت عولمة المصطلح، حيث يدعيه الجميع، بما في ذلك بلدنا، ويشكل أفضل دليل على عالمية الثقافة القانونية.

 
قد يحدث التراجع في بعض الأحيان، وهزات الأمم موجودة لتشهد عليه. لا ننسى عمل القانوني الألماني الكبير من القرن التاسع عشر جهرينگ، الذي حث مواطنيه الألمان على الكفاح من أجل القانون (Kampf umsRecht)، وتلاه بعد قليل هتلر، ذو الروح العسكرية، الذي دعاهم إلى نوع جديد من الكفاح (Mein Kampf) المشؤوم.

 

وفي مكان وزمان أقرب منا (وأقرب إلينا)، فإن مثال مصر جدير بالتدبر: أمة قديمة فخورة وقوية، حيث كان القانونيون ورجال الثقافة فيها يمثلون مصدر فخر للأمة العربية، والتي كان الأوروبيون يهاجرون غليها بشكل جماعي بحثا عن العمل والتي تردت، مع وصول الجيش إلى السلطة، في منتصف القرن العشرين، في كابوس الفقر والتخلف الذي لا تزال تتخبط فيه اليوم.

 

يمكن أن نعطي ألف مثال ومثال على القانون الممجَّد والقانون الذي يداس بالأقدام.

 

من جانبنا، فما زلنا نتردد في اتباع مسار العالم.

 

إننا أسرى تقاليدنا لما قبل الدولة، وورثة تفسيراتنا القديمة للمذهب المالكي التي تملي علينا امتثالية سياسية صارمة، فلا زلنا نتمتع بالولاء للقائد المنصب.

 

ولا نطرح على أنفسنا الأسئلة الأساسية: ما فائدة القانون دون عقل منظم؟ ما هي فائدة القواعد القانونية دون عقلانيتها؟ هل ينبغي أن يكون القانون هو التعبير الشكلي للعقد الاجتماعي، أي التعبير عن الإرادة المشتركة، أو على العكس من ذلك يجب أن يظل أداة معيارية في أيدي القادة الحاكمين؟

 

نتجنب هذه الأسئلة حتى ولو كان مستقبلنا رهنا بالإجابة عليها.

 

إن أكبر تقدم للإنسان منذ فجر التاريخ هو بالتأكيد إنشاء المؤسسات، تلك الكيانات المجردة في حد ذاتها ولكنها ملموسة جدا في تأثيرها، وبالتالي كونه قد جعل القواعد الملزمة التي تحكم حياة الجميع قواعد عامة تنطبق على الجميع، بعيدا عن الاستثناءات الشخصية. ويشكل مفهوم الدولة مثالا حيا على ذلك.  

 

كم من الرجال والنساء، في بلدان أخرى، ضحوا بحياتهم لمجرد فكرة، فقط للدفاع عن حق أو مؤسسة؟

 

غير أنه في موريتانيا، نلاحظ يوما بعد يوم وعلى مضض، أننا لا نؤمن بمؤسساتنا.

 

نتصرف كما في لعبة المرآة التي تعكس لنا صورة أنفسنا التي نعرف أنها كاذبة ولكننا نرتاح لها رغم كل شيء.

 

واليوم، لا نصدر النصوص القانونية السامية (الدستور والقوانين) لتنظيم وضبط السلطة، بل نسنها لحماية تلك السلطة وإدامتها أينما كانت.

 

لماذا؟
 

إلى متى سنقبل البقاء خارج التاريخ؟

 

إن الديمقراطية، إن كانت هدفاً لنا، لا يمكن أن تقوم على أساس سلطة أو امتياز محتكر من قبل البعض وممارس ضد الجميع، بل على العكس من ذلك على المكانة والقانون المعترف بهما لكل واحد.

 

ما العمل لكي تخرج بلادنا من هذا الوضع وتعرف أخيرا حياة سياسية ومؤسسية طبيعية؟ هذا هو جوهر السؤال.

 

على أية حال، لا ينبغي لنا أن نتصور أن الحل سينزل علينا من السماء.

 

لقد انتهى زمن الوحي والمعجزات. وليس المستقبل سوى ثمرة للتسلسلات المنطقية. كما ينبثق الغد حتما من اليوم وهلم جرا.

لذا، فإن السؤال مطروح أكثر من أي وقت مضى: الاستمرار في الخضوع للقوة، أو على العكس من ذلك، العمل على جعل القانون هو الذي يحكمنا.

 

يؤكد خبراؤنا الأمنيون أن لدينا جيشًا ممتازًا. لله الحمد!

 

إن حراسة حدودنا، وضمان الأمن الداخلي عند الضرورة، وتكوين قوة رادعة بما يكفي للأعداء المحتملين، تشكل بالفعل عملا ضخما وإنجازا حقيقيا، إذا نجح فيه جيشنا.

 

طالما خصص جيشنا نفسه لمهمته الطبيعية، فسوف نفخر به.

 

ولكن دفعه إلى تجاوز هذه المهمات، وتشجيعه على تسيير وإدارة البلاد بأكملها، يشكل خطرا على مهمته الأساسية ويبقي بلدنا على مسارات سيئة يجب أن يخرج منها في أسرع وقت ممكن.

 

إن معركتنا الأولى هي التنمية والعدالة والديمقراطية. وغني عن القول أن الجيش يجب أن يلعب دوره، كل دوره، ولا شيء غير دوره.

 

ومن الواضح أن هذا الدور يبدأ بالعودة إلى مهامه الطبيعية خارج أي محاولة للاستيلاء على السلطة.

 

قد يحدث، في ظروف تاريخية استثنائية، أن يستولي الجيش السلطة، وهذه حادثة وليست القاعدة.

 

الجمع بين السياسة والجيش استثنائي، ويجب أن يظل كذلك.

 

إن الخلط بين هذين القطبين الكبيرين من القوة يؤدي إلى إفسادهما كليهما، كما نشاهده منذ أربعين عاماً في بلادنا.

 

أما آن الأوان لإنهاء هذه الحقبة الطويلة والمؤسفة لنعود أخيرا إلى حسن استخدام القانون الذي يمكن وحده من تحقيق التنمية التي طالما تقنا إليها؟