على مدار الساعة

12:07

ولد محم وترامب و"المشاهد الأوحد"

7 نوفمبر, 2018 - 14:14
محمد عبد الله لحبيب

قطعت الجهود الرسمية للأنظمة، والحكومات المتعاقبة في موريتانيا شوطا في محاربة الرق، خاصة فيما يتعلق بالترسانة القانونية المجرمة للاسترقاق، وتحسين هامش التعاطي مع بعض محاربي الظاهرة ومخلفاتها.

 

وما زالت الجهود على المستوى التنفيذي، وروح المبادرة الحكومية دون ما يتطلبه الأمر الجلل من مثابرة، وجدية وصرامة، وانسيابية في التعاطي.

 

ما زال التضييق على أغلب النشطاء في محاربة الظاهرة سننا للأجهزة الحكومية، وما زال ممارسو العبودية برآء حتى تُثبت براءتهم..

 

وما زال النائب برام ولد الداه عبيد يخضع لحبس تحكمي!

 

وما زال الإنكار السياسي عنوانا لخطاب الجهاز الرسمي ولواحقه، رغم الاعتراف الرسمي بوجود الظاهرة، واستمرار وجودها.

 

وما زالت المكابرة بشأن مخلفاتها العميقة ثقافة سائدة، متواطأ عليها.

 

كان على الولايات المتحدة، أن تأخذ هذه الحيثيات، مجتمعة، وتخفض حدة قرارها تجاه موريتانيا.

 

وكان على الوزير الناطق باسم الحكومة رئيس الحزب الحاكم، أن يتذكر أن الناطق الرسمي، صفة لا تتنحى في تويتر، خاصة حين يكون المعلق عليه أمرا ذا علاقة بعلاقة الدولة، بدول أخرى، وردا على قرار لرئيس دولة ورد فيه اسم الرئيس ووصفه، وليس مجرد عقيقة ابنة أخي معالي الوزير الرئيس!

 

كتبت مرة أن ولد محم يجانب أحيانا حصافته السياسية في بعض التصريحات، وتجانبه أحيانا حذاقة المحامي في التمشي على رؤوس الأصابع، وانتقاء الكلمات. وكان هذا في حدود المتفهم إبان الحملات الانتخابية، وفي بعض الصراعات المحلية التي تتحول إلى مناكفات حدية، أما مع الدول الأخرى، ففي سلم الإدانة، وتعدد عباراتها، ما يغني عن الضرب على حَرّات وجوه الرؤساء غير موطئي الأكناف، أمثال ترامب.

 

***

لي سنة مع وزراء الإعلام منذ مجيء الدكتور إزيد بيه ولد محمد محمود إلى المنصب آخر مرة، كدت أخلفها هذه المرة مع الأستاذ سيدي محمد، بسبب بعض انشغالات صارفة.

 

لا أذكر المرة الأولى التي لقيت فيها الأستاذ سيدي محمد ولد محم، ولا المرة الأولى التي سمعت به فيها.. عقلت وأنا أسمع عنه، وألقاه في المناسبات التي يمكن أن تجمع صحفيا مثلي بمحام، وسياسي، مثله.

 

من اللقاءات التي يصعب علي نسيانها لقاء جمعني به في البرلمان، غداة تشكيل "محكمة العدل السامية" التي كانت جزءاً من حلقات الانقلاب على الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله. بادرته بسؤال، كأنه تعليق على طبيعة التشكيلة، فأجابني؛ وهل لديك اعتراض على خبرة أعضائها القانونية؟

 

 

قلت: وجه اعتراضي يتعلق بـ"تفاصيل أيديهم". قال: ذيك ماه "شگطة".

كنت أعرف أن هذا سيكون جوابه، وأردت أن أسمعه، فضولا مني.

 

مما قرأت عن الرجل وسمعت، ومن خلال معرفتي المباشرة به، تبين لي أن من أهم مفاتيح شخصيته أنه لا يعد "تفاصيل ليدين شگطة".

 

ميزة "تفاصيل ليدين" تسعف كثيرا في جمهوريات العسكريين الذين يتداولون على سياستنا.. أسعفت المحامي الشاب حين كان العقيد يريد انتزاع قيادة الهيئة الوطنية للمحامين، فنافح ولد محم بلسان ذرب عن النقيب الذي "صاغ" له النظام انتخابات الهيئة، ونأى بنفسه وبالهيئة عن تلعثمات النقيب، واختلاط أوراقه بين السياسة والنقابة في مؤتمر صحفي مشهود.. وقال كلمة في التطبيع لا يجرؤ السائرون في فلك ولد الطايع على قولها...

 

وبالمناسبة فموقفه المعلن من التطبيع مطرد مشرف.

 

وساعدت الميزة ولد محم على التألق في مواجهة قاضي واد الناقه، أيام محاكمة فرسان التغيير، رغم موقعه من النظام، ولكن عدم تفريقه بين المقامات، أو عمق خبرته في التفريق بينها، قادته إلى سجن روصو سحابة يوم.

 

وأسقط بالميزة هذه "عمَّهُ" أحمد ولد سيدي باب في انتخابات المستقلين، وتأهل لقيادة الكتيبة البرلمانية، فالوزارة، فرئاسة الحزب، فالوزارة.. فـ....

 

ولولا هذه الميزة لما أقيلت مديرة التلفزيون في أول اجتماع لمجلس الوزراء يحضره!

 

ثمة مشكلة عميقة في الوزير ولد محم أنه لا يحسن العيش بعيدا عن الأضواء، على ما يبدو، وتكثر مع الأضواء سقطاته الإعلامية، وتقوده ميزته الشموس إلى غلطات منكرات، منها قصة المعزاة في قضية المصحف، وكان في غموض القصة، وعدم جلاء تفاصيلها مندوحة لو أسعفت الحصافة الوزير.

 

حين تلتقط الأضواء ولد محم يكون في ذهنه أن عزيزا يشاهده وحده، يغرق في استحضار "المشاهد الأوحد" (بتعبير أستاذنا وديعة) فينزلق إلى مستنقعات قول لا يبرح وحلها به حتى يقعده.. وهو ما يجعل الاحتفاظ به باهظ الثمن.

 

من يتابع تويتريات ولد محم يدرك أنه والرئيس يغرفان من نفس نوتة افتعال الشجارات، وعدم احترام المنصب، وشيء غير يسير من الاستهانة بالخصم، والاستهتار بالموقع... تتذكرون المقطع الذي انتشر للرجل وهو يمسح بكرامة شباب حزبه الأرض!!

 

تحتاج مشاريع الرئيس عزيز، ظاهرها ومضمرها، إلى محام حصيف، ويريد عزيز، وقد بلغ عقده النهاية، من يكون صدى لطنين أفكاره على صفحة جمجمته.. وحاجة ولد محم إلى بقية المراكب يعبر بها لُجَّ ما بعد تصفيات تركة الرئيس المنصرف.

 

يحتاج الوزير الناطق أن يوفق بين متناقضات صعبة؛ فلا بد من مواصلة إرضاء الرئيس، حتى نهاية المأمورية، أو على الأقل حتى اتضاح ملامح مشهد ما بعد التسليم، ويدرك ولد محم، أكثر من الآخرين، أن أدوات التحكم التي يصوغ بها الرئيس المشهد وهو رئيس، ستختلف حين محاولة التحكم عن بعد.

 

في الأولى يحتاج من يناكف بصوت مرتفع، ويكثر من ترداد اسم سيادته صعودا وهبوطا، وفي الثانية يحتاج من يوصل معلومة، ويتوارى عن رصاصة صديقة، ويستثمر سابق ود مع آخرين، بعضهم خصوم اليوم، أصدقاء غدا، وبعضهم أصدقاء اليوم خصوم غدا.. ولا يرد اسم الرئيس على خاطره في حال.

 

ويدرك أيضا، وهذه مزعجة جدا، أن أول إجراءات ترتيب الانتقال، ولو كان شكليا، إخفاء رموز المرحلة الحدية.

 

ما يريده عزيز اليوم ليس هو ما يريده غدا، وما يريده غير عزيز ليس شيئا مما يريده عزيز، لا اليوم ولا غدا.. وولد محم يريد عزيزا اليوم وغدا.. ويريد غير عزيز غدا.

 

فما ذا يفعل، وما ذا يقول؟