على مدار الساعة

من تحديات العربية في موريتانيا

20 ديسمبر, 2018 - 02:24
د. يحي عابدين

اللغة مصدر من لغو أي تكلم، وقد قال ابن جني في تعريفها: هي رموز يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، من هذا التعريف نكتشف أن اللغة صمام أمان للوحدة، وأداة للتواصل والتفكير والتاريخ، ودفاع كل قوم عن لغتهم لا يعني أنهم يهاجمون اللغات الأخرى، بل إنه تجب الإشادة بجميع اللغات والحث على تعلمها لأنهم يقولون: من ازداد لسانا فقد ازداد إنسانا، لكنه لا بد أن يكون لكل قوم لغة أمّ هي أولى بالأهمية من غيرها، ولكل لغة في العالم قوم يتكلمون بها، لكن اللغة العربية تختلف عن كل هذه اللغات فهي أقدم لغة حية اليوم، وهي أعظم لغة سيكتب لها البقاء بفضل ما أودعت من أسرار الوحي وحديث خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، فما هي تحديات اللغة العربية في موريتانيا؟

 

إن من أكبر تحدياتها عندنا عدم تطبيق المادة السادسة من الدستور للتمكين لها داخل المخاطبات الإدراية و الدوائر الحكومية.

 

كما أن آخر إصلاح للتعليم سنة 1999 مزج بين العربية والفرنسية ظنا منه أن في ذلك توحيدا للصف ودمجا للأجيال التي كانت منفصلة قبله، لكن توحيد الصف لايكون إلا من خلال توحيد الهوية فقد ظهرت مصطلحات الأمن اللغوي خوفا من الاستلاب الحضاري في ظل تيار العولمة الجارف، وهو ما يجب أن نراجع بموجبه منظومتنا التربوية وتوحيد لغة التعلم داخلها، والتمكين لها بتدريس كل العلوم بها، ولوأن من حجج البعض أن العلوم العلمية تطورت بلغات أخرى، وأن العربية لا يمكنها أن تساير التطور العلمي، وقد أجاب عن ذلك حافظ إبراهيم قديما بقوله على لسان العربية:

 

وسعت كتاب الله لفظا وغاية *** وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة *** وتنسيق أسماء لمخترعات

 

ففي الآونة الأخيرة افتتحت مراكز علمية للغة، وأصبحت الدولة تولي الإرادة الشعبية عناية بالتخليد الرسمي ليومها العالمي، وهذا جهد يذكر فيشكر، لكنه يظل ناقصا ولا يكفي للتمكين لهذه اللغة والمحافظة على الوحدة الإجتماعية والتطور العلمي للناشئة، والتعريف بالثقافة الخاصة بنا ودعم التطور التكنولوجي بها للمحافظة على البقاء، فمن استلب لسانه غابت ثقافته، ومن غابت ثقافته غابت هويته واختفت ذاته، فعلينا جميعا مثقفين ومسؤولين تدارك الأمر قبل فوات الأوان، وقد لاحظنا بعضا من ذلك حين تجد خريجي العربية لا مكان لهم في بلدهم وكأنهم غرباء، والأمر بسيط ولايحتاج سوى قرار سياسي وبدونه سيبقى الاحتفاء باللغة العربية حبرا على ورق.