وظائف ومناقصات

على مدار الساعة

حان وقت تغيير الإعلام الرسمي ...

9 فبراير, 2019 - 10:10
السالك زيد ـ صحفي

على مواقع التواصل الاجتماعي، ثارت موجة من التساؤلات حول التجديد الذي طرأ على قناة الموريتانية، والذي ظهر مع استضافة الناطق الرسمي باسم الحكومة سيدي محمد ولد محم، في برنامج مباشر على القناة، وقام المقدمان بطرح أسئلة جريئة وقوية على الوزير، كسرت الروتين المعروف على وسائل الإعلام العمومية، فما الذي حدث؟

 

لسنا في وارد الإجابة على هذا السؤال، لكننا نطرحه على أية حال، لكي نعرف ما إذا كانت تلك الطريقة الجديدة الجريئة، ستتواصل على القناة الرسمية، وستصل عدواها إلى الإذاعة، أم أنها مجرد سحابة صيف، أريد بها ما أريد، وانتهت القضية.

 

ومهما تكن الإجابة على هذا السؤال، ومهما تكن المآرب وراء تقديم برنامج مباشر بذلك الأسلوب مع وزير بهذا الحجم، تبقى النتيجة واضحة للمشاهدين الذين ملوا طريقة البرامج الحوارية الطويلة والمملة على الإعلام الرسمي، وأصبحوا يبحثون عن أي بديل وفي ظل وجود البدائل، فلن تكون المهمة صعبة على من يحمل الرمونت كونترول.

 

تغييب المواطن

يبحث المواطن الموريتاني، عن نفسه منذ عقود في الإعلام الرسمي، دون أن يجدها، ولولا حسنة تحرير الفضاء السمعي البصري، وظهور قنوات وإذاعات خاصة، لكان الشعب وصل درجة من كره الإعلام الرسمي، تصل إلى مرحلة رشق سياراته في الشارع بالحجارة والطماطم والبيض وكل ما تيسر.

 

لا أفهم شخصيا كيف يتخلى الإعلام الرسمي عن دوره الحقيقي، في ظل رفع الدولة لشعار محاربة الفساد، والرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ، لا أفهم كيف تغيب هذه المواضيع عن إعلام حكومة تبحث عن الإصلاح، وكأنه هناك إصلاح يمكن أن يحصل دون دور الإعلام.

 

إن عناوين مثل "غادر الرئيس" و " عاد الرئيس " واستضافة مسؤول في برامج تدوم لمدة ساعات، يتحدث بأريحية عن إنجازات قطاعه غير الموجود أصلا على أرض الواقع، وبث تقارير عن مدن تم ترحيلها من "جهنم" إلى "الجنة" هي في الحقيقة سياسة حان لها أن تتغير ويوضع لها حد نهائي.

 

لقد تخلى الإعلام الرسمي، بسبب من أداروه عن المواطن، الذي تعمل هذه المؤسسات بالضرائب التي ترهق كاهله، دون أن تقدم له أبسط خدمة، فالمواطن لا يريد أن يعرف بأن الرئيس غادر، بقدر ما يريد أن يرى معاناته تعكسها مرآة الإعلام الرسمي، لكي يعرف المسؤول الوصي بأنه لم يقم بعمله، ولكي يعرف الرئيس بأن ما يقوله هذا المسؤول أو ذاك غير صحيح.

 

وبسبب من حكموا زمام الأمور في الإعلام الرسمي، لم يقدر أي صحفي في هذه المؤسسات، أن يقوم بمحاولة جريئة، إذا ما استثنينا برنامج "السلطة في ميزان الشعب" وإن كانت مساءلته خجولة بعض الشيء، إلا أنه البرنامج الوحيد الذي كان يمكن أن يسكت عنه على الإعلام الرسمي، وقد توقف لسبب أو لآخر.

 

هل الرئيس يريد إعلاما يمجد ويدجن فقط؟ هل الخوف والطمع وأمور أخرى جعلت كل من يدير مؤسسة إعلامية عمومية، يجتهد في التصفيق ويتصرف من بنيات أفكاره، حتى تصبح المؤسسة بين يديه آلة هدم لا آلة بناء.

 

إن صمت الإعلام الرسمي عن الفساد في الإدارة وتخليه عن دوره الرقابي، هذا في الحقيقة يجعله آلة هدم لا بناء، ومشاركة الإعلام في ترويج الكذب للشعب، مشاركة في الهدم لا البناء وصنع للوهم الخطير.

 

إن للمواطن البسيط على الإعلام الرسمي حق، وللمواطن الموريتاني على إعلامه حقوق وحقوق وحقوق وحقوق وحقوق وحقوق ...لمن يعيش دون ماء حق، ولمن يعيش دون تعليم حق، ولمن يعيش دون كهرباء حق، ولمن يعمل دون رواتب حق، ولمن يعاني ارتفاع الأسعار حق، ولمن يبحث عن قطعة أرض يسكنها حق... وأهل الحقوق كثر وكثر، فهل شاهد أحد من هؤلاء يوما معاناته على القناة الرسمية أو سمعها على الإذاعة أو قرأها في ملف على جريدة الشعب أو الوكالة الموريتانية للأنباء؟

 

صحافة من كوكب آخر

الإعلام الرسمي، مرتع حقيقي للزبونية والقبلية والجهوية وأصحاب النفوذ، فكم من صحفي أو صحفية بلا مستوى معرفي يشغل أو تشغل، مكانا مهما في مؤسسة إعلامية مستقلة؟ وكم من صحفي (ة) راتبه (ا) يأتيه (ا) نهاية كل شهر دون أي مردود للمؤسسة؟

 

التقارير التلفزية والإذاعية التي نشاهد ونسمع، لا تتماشى مع أبسط معايير الإعلام، سواء في التصوير أو تحرير الفيديو أو الكتابة، فأين التكوين المستمر. وأين تطوير القدرات؟

 

عندما نتحدث عن التكوين، داخل موريتانيا فهو مهزلة، وعندما نتحدث عن التكوين خارج موريتانيا فهو فرصة تنتهز من رؤساء القطاعات والمديرين ومن هم أقرب إليهم من الأفراد، والأقرب ثم الأقرب في ذلك.

 

ورغم أنه هناك شباب لديهم مواهب واضحة للعيان ويبحثون عن فرصة لإظهار قدراتهم، إلا أنهم يصطدمون في الغالب بحائط فولاذي عبارة عن رؤساء ومديرين لا يفهمون في الإعلام، سوى ثقافة التطبيل، وفي النهاية يفرض على الشاب أن يجاريهم في ما يعرفون أو يخرج من المؤسسة بحثا عن مكان جديد.

 

لقد حان للإعلام الرسمي أن يضع حدا لتغييب المواطن، وأن يستبدل "صحافة الكوكب الآخر" ويعطي الفرصة لأصحاب الكفاءة ويفتح لهم الباب أمام كل المواضيع، السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.. وإلا فإنه سيجد في القريب العاجل نفسه في سلة المهملات بالنسبة للمواطن، وقد يحذفها من جهاز الاستقبال، إن المواطن مهما طال سكوته وصبره، فسيأتي يوم ينفجر فيه، وإذا انفجر فلا منجي لأصحاب الكذب والظالمين من عقاب أليم.