على مدار الساعة

13:17

من مغانم الغنم

28 فبراير, 2017 - 20:32
بقلم محمدُّ سالم ابن جدُّ - bouz130@gmail.com

قد لا يعرف شباب اليوم أن للغنم على مجتمع الماضي أيادي جليلة لم يكدرها عيثها في البيوت، وإن نغصها عيث الذئب فيها هي، فمنها (أعني الغنم) شراب الصبي والمتعجل، وقرى الضيف، والاستهلاك المجزأ؛ خلافا للبقر والإبل، فلا يمكن استهلاك بعض الدابة منهما، بينما تتجزأ قيمة الرأس الواحد من أحدهما بين عدة رؤوس من الغنم؛ لذا عبروا عنها بأنها لا تقول: "ما انگد". ويؤثر أن شخصا استشار راعيا (لعله ديلول) في أقصر الطرق إلى الغنى فنصحه بامتلاك الغنم ونبذ الكسل، لكن السائل استشكل هذا الرأي، فقال الراعي: بم يبدأ من أراد التعلم منكم؟ قال: بالحروف، قال: الغنم هي حروف المال!

 

وحتى بعد موتها واستهلاك لحومها ففي جلودها مآرب حيوية جمة؛ فمن جلود الضأن تصنع الفراء وناهيك بها أغطية ناعمة في الشتاء وزرابي فاخرة للضيف ومراكب ناعمة للنساء (وتقاس مساحتها بالبنائق). ومن جلود المعز تصنع فرش الصلاة (آلواويش) وكأنما صممت على مقدار الساجد. ومنها تعد القرب؛ وللأخيرة أسماء مختلفة بحسب مراحلها وأنواعها، فالقربة "مَمْعَسْ" ما دامت محشوة بالقرظ والدباغ، وهي كذلك إذا قلبت فجعل شعرها إلى الداخل طلبا للتخلص من طعم آثار الدبغ والدهن، فإذا ثبتت عراها فقد عُقِّدتْ، فإذا تقادمت ونسل شعرها وظهر جلدها قاحلا فهي "شنة" وذلك أعذب ما يكون ماؤها، فإذا كانت كبيرة فهي "زَنَّانِيَّة" أو صغيرة فهي "تَيگِّط".

كما تصنع العِكاك من جلود المعز أيضا، ويطبخ التمر حتى تذهب حلاوته وينعقد رُبه فيجعل فيها ليكون غشاء مبطنا لها يسد مسامها منعا لتسرب السمن منها. وما أحلى الرب وما أحلى السمن ممزوجا به!

 

من جلود الغنم (بنوعيها) تعد السيور المناسبة لنسج الحُصُر وصناعات أخرى. ومن جلود صغارها تصنع الشكاء (جمع شكوة) والأسقية المحمولة (تيسفرن الشراب).

 

وكانت للقربة مكانة خاصة في المجتمع البدوي؛ لذا يعبرون عن انشقاقها بأنها "ماتت" وهي عبارة تستبطن اعتبارا مستحقا لها.

 

إذا أريد حمل القرب على الإبل أمكن حمل عدة قرب على البعير الواحد، فإن كان عليه رحل فقربتان توضع عروتاهما الأماميتان في القربوس وتناط الأخريان إلى مؤخرة الرحل (التنتفرتْ).

 

أما الحمار فهو أولى بهذه المهمة وأجدر. تجمع عرى القربتين (بعد ملئهما طبعا) فيدنى إليهما بعد أن يوضع على ظهره "أبَزَارْ" وهو حاجز من الحشيش أو الجلود أو الخرق أو غيرها (من أسمائه البردعة) فتحمل القربتان بطريقة خاصة تبدأ بإبعادهما منه قليلا ثم خطفهما إلى ظهره، وإذا كان الحاملان غير مسؤولين - أو أحدهما كذلك - فقد تصاحب الخطفة عبارات غير محبذة لدى مجتمع الأمس، من قبيل: "طارو وانشگو وامن أوراها ما اندَگو" (طارتا وانشقتا ولم ترقعا بعدها).

 

يتولى أقوى الحاملَيْن مؤخرتي القربتين، ويروون في ذلك أن رجلا نعي إليه أبوه وهو بمعزل – وكان الأب مليا - فبادر إلى أهله فصادفه يسقي قربه في المنهل، فلما حان حملها أراد الابن أن يلي مؤخراتها فنحاه الأب شفقة عليه وتولى المهمة باقتدار فقال الابن: "اگطعت آنَ مول الترِكَة!" (يئست أنا من نيل التركة) فذهب قوله مثلا.

 

إذا كان الحمار قويا أو القربتان غير متساويتين فربما وضعت قربة صغيرة بينهما (يسمى ذلك أَثَلاَّث) وربما أركب صبي بينهما، ولذلك جلسة خاصة لا يتقنها إلا من استطاب الإقعاء حبا في ركوب الحمير.

 

سقى الله أيام الصبا ما يسرها    ويفعل فعل البابلي المعتق!