وظائف ومناقصات

على مدار الساعة

موريتانيا إلى أين؟ (الحلقة التاسعة)

22 أبريل, 2019 - 09:57

كتاب: "موريتانيا إلى أين؟" للباحث د.بديأبنو، يُنشر في حلقات أيام الإثنين والخميس.

 

الحلقة التاسعة: من الكتـــــاب إلى الــــــركاب

 

    لم يعن العاشر من يوليو فقط أن إحدى مؤسسات الدولة الموروثة عن سينلوي قد استولتْ على الدولة والتهمتْ بقية المؤسسات، بل عني كذلك أن آخر المؤسسات تشكلا وظهورا هي التي قد ارتهنتْ لها المؤسسات الأخرى.

وهو ما أكّد من جهة - وزاد تأكيدا مع الزمن - هشاشة المؤسسات الأولى التي لم تكن قادرة على أن تخلق توازنا بين مكونات الدولة الموروثة وارتهنتْ لمؤسسة لا يزيد حينها عمرها الحقيقي عن سنوات حرب الصحراء الثلاث.

وهو، من جهة ثانية، ما أثبتَ أن النشاط المدني أو شبه المدني الذي بدأ يدشّن، بنسبةِ ما، مسلسلَ الاعتراف الاجتماعي والسياسي به أواسطَ السبعينات والذي كان يُفترض فيه أن يمثل طرفا فاعلا في مواجهة السلطة السياسية، المدنية ثم العسكرية، لم يصلْ النضجَ الكافي لعدة أسباب وعوامل ذاتية وسياقية أبرزُها تحديدا حرب الصحراء التي شلَّتْه في لحظاته المؤسسة.

لنتذكر هنا أنه كان من حظ الدولة الموروثة عن سينلوي أنها عكسا لأغلب الدول المابعد استعمارية لم ترثْ مؤسسةً عسكريةً منظمة قادرة على هزّ توازنها الهشّ في ساعات ترعرعها الأولى. ولكنّه حظٌّ قضتْ عليه فجأة مغامرةُ حرب الصحراء.

وبذلك مثلتْ الحربُ، بين أشياء أخرى، حرباً على الدينامية المدنية الوليدة.

وهو ما عني انسدادا في الأفق السياسي قاد في بعض جوانبه مكوناتٍ معينة في المجتمع السياسي إلى إظهار رغبة ما في التخندق في أطر مرتبطة بانتماءاتها الثقافية الخاصة. وقد تجلّى ذلك مثلا عشية العاشر من يوليو في ارتداد مجموعات عديدة إلى مرجعيات هوياتها الجزئية بشكل صريح أو ضمني. كما تجلّى في نفس الفترة - أواخر السبعينات - في تكتّلِ عددٍ من النشطاء في جمعيات ثقافية تدافع سياسيا عن الخصوصيات الثقافية والفئوية أي عن الهويات الجزئية لأصحابها.

من هنا نفهم دلالة الفاعلية الواعدة التي عرفتْها أواسط السبعينات ونفهم محورية الصدمة التي مُنيتْ بها المواطنة المترعرعة مع اندلاع الحرب. 

لم تكن الدولة الهزيلة الموروثة لتتحمل حربا وتُنشئ مؤسسة عسكرية تدخلُ في منافسة قاتلة مع مؤسسات الدولة الأخرى كمؤسسات هشّة لمْ تتجسّد بعدُ بالحد الأدنى.

المفاهيم الحديثة للهوية أخذتْ تعاد ترجمتها وصياغتها كانتماءات فئوية وعرقية إلخ. وبذلك كان العاشر من يوليو الهزة الأولى التي أفضتْ إليها سنوات الحرب بينما كانت الأزمة العرقية التربوية لسنة تسع وسبعين الهزة الثانية التي أثمرها نفس المسلسل.

فشلتْ الدولة إذاً في أن تمنح هوية سياسية جامعة تتجاوز الانتماءات الجزئية بينما عملتْ السلطة، إراديا أو لا إراديا، عبر الحرب على شلّْ النشاط المدني الذي مثّلَ وعداً مترعرعاً بفاعلية مواطنية أو ذات مضمون مواطني يتجاوز نسبيا المستويات الفئوية والعرقية.

وبذلك أجّجتْ السلطة بل الدولة أزمة الانتماء وأوصلتها إلى حالة شبه الانفجار المستديم.

فقد عنيتْ مأساة ست وستين تكريس الفئات الثلاثة التي برزت تراتبيا غداة ما يسمى بالاستقلال بالرغم من أن الحدود الفاصلة بين هذه الفئات ظلتْ، ولو إلى حين، شبْهَ مبهمة وقابلة للتجاوز وللتشكل وفق معايير جديدة. فقد لا تتمايز وتتصارع عموما وتتداخل وتتحالف استثناء وفق المنحى الثلاثي الذي أشرنا إليه إلا من منظور المشكلة الثقافية ومن زاوية ربطها بإشكال التعايش وربط الأخير مفرداتٍ ومساراً بمفرداتِ ومسارِ المؤسسة التربوية، أي بالتموقعالدولتي.

ولكن تشكّلَ مؤسسة عسكرية بفعل اندلاع حرب الصحراء وظهور ألغاركية عسكرية غداة العاشر من يوليو قد شحنا التقسيم الثلاثي بمعان إضافية أكثر صلابة وثخونة.

الوجاهة الإجرائية للتقسيم الثلاثي كانت قبل مرتبطةً، على الأقل في المستوى المباشر، بالمحتوى الخاص بالصراع حول المشكلة الثقافية. ولكن التوظيف الشرس الذي تعرضتْ له الأخيرة منذ استيلاء الألغاركية العسكرية على السلطة واستغراق هذا التوظيف لأغلب اللحظات الثخينة في التاريخ السياسي الموريتاني المعاصر أعطي في المحصلة للصراع النخبي الذي توكأ على المشكلة الثقافية حمولة دلالية أكثر اتساعا وحساسية.

وفوق ذلك فإن وجاهتها لم تزدد مع الزمن إلا ترسخا أمام ارتهان الدولة لما يمكن أن نسميه "ببرزخ فترة آخر" يلتهم الزمن أو يوقف حراكه، أي ارتهانها للحظتها المؤسسة ولطبقتها الوريثة بشكل ما زال يوهم بجمود الحركية الاجتماعية وما انفك بعد ستّة عقود يعيد طرح أسئلة البداية بنفس المفردات بل بإلحاح أكثر وبشحن أعنف.