على مدار الساعة

17:41

موريتانيا إلى أين (الحلقة قبل الأخيرة)

16 مايو, 2019 - 10:15

كتاب: "موريتانيا إلى أين؟" للباحث د.بدي أبنو، يُنشر في حلقات أيامالإثنين والخميس.

 

الحلقة قبل الأخيرة : من كــــــدية الجـــــــلد إلى سيـــــنلوي

 لا مراء في أن هذه التحولات التي أشرنا إليها تحولات ضخمة ومتفاقمة ولكنها ما تزال مكبلة بأصفاد جدية.

 

فقدْ تفكّك المجتمع التقليدي بشكل عميق وإن ظل التفكّك، مادةً وصورةً، خفيا نسبيا. ظل خفيا وخطيرا في نفس الوقت لأن التفكّك التدريجي للمجتمع التقليدي لم يترافق مع نمو مواز للمجتمع المدني وللفضاء المواطني. العرى الاجتماعية التقليدية تتقطّع دون أنْ تَحل محلها عرى جديدة. وقدرة المقاومة للمجتمع التقليدي انقبضتْ بشكل مذهل دون أن تتكوّن بالمستوى الكافي فضاءات مدنية بديلة وبأخلاقيات بديلة.

 

ومن ثم ظلتْ كلُّ مراحل تفكّكه مراحلَ تحولٍ مع وقف التنفيذ. وهو ما ترافق تلقائيا، خصوصا في ظل مستويات متقدّمة، شرائحياً وعرقياً، من تمزيق الحشود ككتلة اجتماعية، مع أزمة أخلاقية كان أحد تمظهراتها توسّعُ ثقافةِ إعادة تدوير "الفساد العضوي" الملازم للريع الامتيازي.

 

وفي فئات واسعة تأَجّجتْ تصاعدياً، في ظل تحول الندرة التقليدية إلى "فقر" بالمعنى الحديث أي إلى بؤس وشعور بالحرمان، تأججتْ الأنانية النفعية في مستواها الغريزي أو البدائي الذي يُبَضّع أو يسلّع العلاقات الاجتماعية بما فيها العلاقات العصبية التقليدية ممّا دفعَ تدريجيا إلى شلّ مذهل لثقافة مقاومة الامتهان الفوقي وخوّلَ بذاك فرضَ مستوى تضخّمي من معادلة الجزرة والهراوة أيْ من تسليع الذمم.

 

الواقع، كما رأينا، أنْ إعادة صياغة وإعادة استثمار البنيات التقليدية الزومبية قد رهّلا وحجبا الحركية الفعلية للمجتمع وأوهما أنها قد تعطلتْ.

 

ووصلَ الأمرُ مثلا درجة مراجعة انتماءات سياسية وشبه مدنية عديدة لصالح الانتماءات التقليدية المحدَثة أو المستحدثة بما طال مساحات اجتماعية واسعة، بما في ذلك طبعا القاعدة الاجتماعية المحسوبة على فئات المعارضة المنظمة.

 

نُظِرَ إلى البنى التقليدية المحدَثة كحصن أو ملاذ وحيد يُتوسم فيه توفير الكفالة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي الذين لا تمنحهما البنى الاسمية المنسوبة إلى الدولة.

 

هكذا تُصبح البطالة و"استقالة" الدولة وإعادة شحن القيم التراتبية الهرمية التقليدية وما في معناها، بين آليات أخرى متداولة، وسائل لتكريس مشروعية الإطار العصبي الشرائحي العرقي، لا كما كان قبل الدولة بل كما يراد له أن يستثمر في الفضاء العام كبنية قديمة جديدة تمثّلُ الوسيطَ الأساسي الذي تقبلُ به ضمنا وممارسة مختلف السلطات المهيمنة. فالأخيرة تعتقد أنه يضمن لها منعَ تكوّن فعاليات اجتماعية جديدة، أي قائمة على أسس اجتماعية جديدة وأنّه يمكّنها من خنق الطموحات الصاعدة وتدجين الإرادات الوليدة.

 

يكفي التأمّل في هذه السوسيولوجيا الطريفة والكثيفة الدلالة: أعني ما يمكن أنْ نطلق عليه سوسيولوجيا التعيين وسوسيولجيا المراسيم الرئاسية والحكومية وأنتروبولوجيا أيام الأربعاء. كل المؤشرات تدل على أن أكثر من ثمانين بالمائة من موظفي الدولة على كل الصعد، من الحكومة إلى قاعدة الهرم، ليس لهم عمل بالمعنى المهني التخصصي للكلمة. يستفيدون من شبه بطالة معوضة. وبالتالي فإن معايير الاستقطاب والصعود في المناصب غير معنية كثيرا بالعمل والمهنية والكفاءة والمهارة إلخ، ولكنها معنية بالزبونية، أيْ بالعمل على الحصول على نسبة من الريع المجّاني.

 

وطبعاً تتجاوز دائرة تدوير الفساد الزبوني هذا الإطار لتغطي معظم تمفصلات الدورة الاقتصادية المحلّية. ففي قمّة الهرم الزبوني الامتيازي تَمنحُ الدولة المخوصَصة الثراءَ الفاحش نسبياً لألغاركيتها الصاعدة. وتجعل إذاً هذه الألغاركية اسماً مرادفا للأغنياء الجدد. إنها مفارقياً تَمنحُ الثراء الفاحش بشكلٍ "سحري" في أحد أكثر بلدان العالم فقراً (مكافآت الولاء والزبونيات التحاصصية التي تُنجبُ الأموال بأعجوبة إلخ.)، وهي بذلك تُكرّسُ ما يسمَّى بثقافة الأغنياء الجدد، أيْ أنها تُكرّسُ استعراضيةَ محدثي الثروة المعروفين انتروبولجياً، خصوصاً حين يكون استغناؤهم منحةً مجّانية لا محدودة من دولة الريع المحدود، بطابعهم الموغل في الإنفاق الاستهلاكي المتفاخر والعبثي.

 

فالزبونية الامتيازية المعبّئة للهويات الزومبية لا تمارس فقط عنفاً ماديا ولكنها بداهةً تمارس تزامنيا عنفاً رمزياً شديدا عبر المفردات التقليدية على ضحاياها. والانفاقُ المتفاخر هو الذي تناط به حاليا مهمتا رسملة العنف الرمزي وموضعةُ الامتياز ومنحِ الأخير "المصداقيةَ" التي يخولها وهمياً تمجيدُ السرديات النسبية التي تُعادُ صياغتها أو يتمّ تحيينُها زبونياً حسَبَ الطلب والثمن.

 

نفهم في هذا الأفق ما الذي تعنيه هذه التواطآت بالنسبة للثراء "الفجائي" الامتيازي وثقافة "الاصطفاء" االيانصيبي للأغنياء الجدد، أيْ لللألغاركية الصاعدة وزبنائها وثقافتها الشعوذية الاستعراضية المفرطة في السذاجة والبدائية.

 

والألغاركية الصاعدة بذلك المسلسل التواطئي "السرمدي" تمارسُ عنفاً ماديا ورمزيا لا حدّ له على الحشود المحرومة، وبهذا العنف أيضا تَغرسُ معاييرَ الثقافةِ الريعيةِ في عقول هذه الحشود، وتؤجِّجُ برْكانياً شعورَ الأخيرة بالحرمان.

 

إن مساءلة الإشكالية الاجتماعية والسياسية والمؤسسية التي سادت وتراكمت خلال العقود الستة الماضية تحيل اليوم إلى ذاتية عامة مشتركة ومفكّكة معاً لدى أغلب الأجيال التي نما وتشكل وعيُها وسلوكُها الاجتماعي والسياسي خلال هذه العقود. وهي بشكلٍ عامٍّ ذاتية تشترك فيما يمكن أن نطلق عليه تسمية النرجسية الجماعية النازفة والطموحات المفجوعة أو القتيلة.

 

وبالرغم من أنّ أيّ بنية تحتية صناعية ولو في حدودها الدنيا لم تظهر فقد ظهرتْ "طبقية" مبنية أساسا على درجة الاندماج المباشر، في الحلقات الزبونية المستفيدة من الامتيازات الريعية، أو على الاندماج غير المباشر عبر التدوير الزبوني للفساد الامتيازي.

 

واعتباراً لذلكً، فإنّ غياب ظهور أي نواة للبنية الصناعية ولو كمشروع،  قد حلّ محلّه ظهورُ "طبقية" ريعية مفرطة، وظهرَ معها ما يرافقها عادة، لدى الفئات العريضة، من البؤس الشرس ومن الشعور القاتل بالحرمان. والأكثر خطراً أنّ النقمة المتصاعدة التي أنجبتْها هذه الظواهر لمْ تعبّر عن نفسِها في الخطاب العمومي بمفردات تُترجمُ وعياً ذاتيا بما هي من حيث هي، بل استقطبتها آلياً طاحونةُ الهويات الجزئية الزومبية باعتبار هذه الأخيرة القاموسَ الوحيد الذي تقبل التداول عبره الزبونية الامتيازية المهمينة.

 

وزاد من حدّة ذلك أن الفئات التي اعتقدتْ في مرحلة ما أنها تنتمي للطبقة، مجازاً، الوسطى أوْ أنها قيدَ الالتحاق بها عبْــرَ بوابتي التمدرس والعمل، قدْ وجدتْ نفسها تتراجع في سلّم الهرم الزبوني وتصبح من بين الفئات الأكثر عرضة لهذا العنف المادّي والرمزي. وجدتْ نفسَها منفيةً خارج فضاء إعادة تشكّل الزبونيات المتنافسة.

 

وانطلاقا من هذا الاعتبار، لمْ تُعبّرْ النقمةُ "الطبقية" عن نفسها بلغة جديدة منسجمة معها، أي قادرة على التعبير عنها كما هي دون حجب أو إزاحة. على العكس من ذلك سجنتْ نفسها في مفردات حاجبة للوعي، سجنتْ نفسها في قاموس التمفصلات العتيقة العرقية والشرائحية والقبلية والجهوية وفي شحنات العنف الرمزي الذي يغلي في الثنايا الدلالية لهذه المفردات وما تعنيه من رِدّة عدمية. وكأن الوعد الوحيد المتاح هو إعادة إنتاج التمفصلات التقليدية في الفضاء العام المخوصَص.

 

لم يترك الجرح النرجسي الجماعي النازف في الفضاء العمومي المخوصَص مجالا يُذكر لدروب العمل الطليعي أو لفضاءات الفعل المدني من حيث هو. أحتكرَ الوعيُ المزيّفُ أغلبَ الفضاءات وحاصر الهوامشَ التي لم تندمج فيه أو لم تستقلْ لصالحه.

 

بشكل عام، لم تعد المفردات التي ارتبطت في بداية مسلسل الأدولة والتي تبناها بشكل خاص الحراك المدني الوليد مقنعة للأجيال التي كانت قد تبنّتها ولا للأجيال اللاحقة. ولم تعد هذه المفردات من باب أحرى أرضية ملائمة لتشكيل نفسية سياسية إيجابية أي لنفسية سياسية قادرة على تغذية طموحات ومشاريع وقادرة على الاحتفاء بها وعلى الرغبة في شرعنتها في الفضاء العمومي أو فيما كان يُعتقد أنه سيصبح فضاء عموميا.

 

في هذا المستوى، لم تعد هناك فكرة عمومية مقنعة، أو لم يعد هناك نموذج قادرٌ على جذب أغلبية ما أو على إعطاء الحياة العمومية معنى، وهذا بالضبط هو المرادف راهنياً لانتصار العِظَامية المتوهَّمة على العصامية المفجوعة، أيْ المرادف راهنياً للحالة النفروزية الجماعية المتفاقمة التي يُترجمها القاموس السائد.