على مدار الساعة

معالي العميد محمذن ولد باباه ذاكرة التأسيس والبناء

8 يناير, 2020 - 17:35
الهادي بن محمد المختار النحوي

تابعت حلقات برنامج الصفحة الأخيرة الذي يعده ويقدمه الأكاديمي والإعلامي الدكتور الشيخ سيدي عبدالله الذي استضاف فيه صاحب المعالي العميد محمذن ولد باباه.

 

كان صاحب المعالي العميد بما قدم وبين من سرد ماتع يمثل ذاكرة تأسيس وبناء الدولة الموريتانية الحديثة.

 

 وقبل الوقوف مع بعض المحطات الأساسية مما استعرضه العميد أود التنبيه بداية إلى أن قريتنا بئر الخير- إحدى قرى "لعقل" أو "آتكور"- التي تقع إلى الشمال من قريتنا برينة العامرة، كانت قد شرفت باستضافة أسرة آل باباه الكرام، وأتذكر هنا زيارة معالي الوزير محمذن ولد باباه للقرية في نهاية الستينيات ،ونحن أطفال لما ندخل المدرسة بعد. رسخت إقامة آل باباه في قريتنا جسورا من الود والتقدير نسجها السلف عبر الزمن.

 

أما الملاحظة العامة حول حديث معالي الوزير فيمكن تلخيصها فيما تميز به ،حفظه اللـه، من عفوية وتلقائية في الكلام هذا فضلا عن الصدق وإعطاء كل ذي حق حقه عند الحديث حول المواقف والمحطات المختلفة من تاريخ البلاد وعن الشخصيات التي ربطته بها علاقات في مرحلة المسؤولية في الدولة ومرحلة مرارة السجن والمنفى وغير ذلك.

 

عندما نتحدث عن العميد محمذن ولد باباه فنحن نتحدث عن رجل كانت له بصمته الواضحة في التعليم وإصلاحاته وتحديدا في تعريبه.

 

وعندما نتحدث عن العميد محمذن ولد باباه فنحن نتحدث عن الرجل الذي تولى مسؤوليات وملفات غاية في الأهمية في مرحلة التأسيس والبناء المبكر مثل قطاع التعليم وقطاع الصناعة وقطاع المالية بل وفي تأثيره في قضايا مهمة تتعلق بالسياسة الخارجية هذا فضلا عن توليه وزارة الدفاع في مرحلة حرجة حيث كانت حرب الصحراء في أوجها واستمر معاليه في هذه الوزارة حتى وقوع الانقلاب في العاشر من يوليو ١٩٧٨.

 

كشفت هذه الحلقات عن تميز العميد محمذن في إدارة هذه الملفات وكشفت كذلك عن حكمته وقدرته على إبلاغ صوت موريتانيا في الوقت المناسب وبالحجج المقنعة في مقابلاته مع الملوك والرؤساء ومن أمثلة ذلك "مرافعاته" في لقاءاته ضمن وفود رسمية موريتانية مع الملك فيصل والملك الحسن الثاني والرئيس هواري بو مدين رحمهم الله جميعا.

 

 فقد وفق الوزير في تعقيبه على حديث الملك فيصل الذي عبر عن استياءه من تقارب موريتانيا مع الصين فبين له الأستاذ محمذن ما معناه أن العرب تركوا موريتانيا فاجبرت إلى إقامة علاقات مع الصين وهي في مرحلة تأسيس وتحتاج إلى كل أنواع الدعم حتى قال له الملك فيصل: صدقت.

 

 وكذلك في "مرافعته" مع الملك الحسن الثاني حيث قدم له عرضا تاريخيا يثبت أن العلاقة بين موريتانيا والمغرب لم تكن علاقة تبعية وساق لذلك عدة أمثلة منها دولة المرابطين التي انطلقت من موريتانيا الحالية وتجاوز حكمها المغرب إلى الأندلس وقصة علي شنظورة وأهمية دور الأميرة اخناثة الموريتانية في تاريخ سلاطين المغرب وكذلك دور الشيخ العلامة المجاهد ماء العينين.

 

كما نجح الأستاذ محمذن في مهمته السرية والحرجة إلى الرئيس الجزائري هواري بو مدين المتعلقة بطلب دعم مشروع العملة الوطنية وهنا تبرز مرة أخرى أهمية اسهام العميد في بناء الدولة الموريتانية فقد كان من ضمن مجموعة محدودة أشرفت على مشروع العملة الوطنية وهو الذي اختار اسمها الحالي (الأوقية).

 

وفي ملف الدفاع تميز الأستاذ محمذن في إدارة هذا الملف مع أنه ليس عسكريا وقد بين ذلك للرئيس المختار ولد داداه رحمة الله عليه ولكن الرئيس أصر عليه لتولي هذه المسؤلية، ومن النجاحات التي تسجل له وهو الرجل المدني أنه تمكن من تأمين القطار وهو الأداة الأساسية لنقل الحديد من الزويرات إلى ميناء نواذيبو وقد ركزت عليه البوليزاريو وأصابته بأضرار عديدة ولكن الأستاذ محمذن كلف الضابط المتميز الشيخ سيد أحمد ولد بابا أمين بملف القطار فأمنه ونجح في تلك المهمة وفقا لما ذكر العميد. 

 

ذكريات الانقلاب 

دخلت البلاد في نفق مظلم بعد اندلاع حرب الصحراء وتدهور الاقتصاد وتعطلت المشاريع التنموية وعانت موريتانيا بشكل عام من الآثار المدمرة لتلك الحرب مع انعدام أي حل في الأفق لهذه المأساة لتصبح الظروف مهيأة لانقلاب عسكري.

 

 ولعل من حكمة الرئيس المختار ولد داداه أنه لم يسع لافشال الانقلاب وقد جاءته معلومات مؤكدة من الملك الحسن الثاني والرئيس موبوتو ومن الجهات الأمنية تفيد بأن الجيش يخطط للانقلاب عليه ولكنه لم يتحرك لمواجهته ، وهنا روى العميد حادثة غريبة حيث قال إنه كان في اجتماع مع الرئيس المختار ولد داداه والمقدم المصطفى ولد محمد السالك رحمه اللـه ، قائد أركان الجيش آنذاك ، وأثناء الاجتماع قال الرئيس المختار للمصطفى: "إذا قمتم بانقلاب فاهتموا بهذا الشعب فهو ضعيف". 

 

سرد العميد مواقف مؤلمة تعرض لها أثناء سجنه خاصة في المرحلة الثانية من السجن حيث أطلق سراحه هو وبقية الوزراء بعد تولي العقيد أحمد ولد بو سيف ، رحمه اللـه، السلطة لكنه أعتقل مرة ثانية بعد سقوط طائرة العقيد بو سيف ويذكر العميد هنا مسألة خطيرة مفادها أن سقوط الطائرة كان مدبرا وفقا لما روى عن  العقيد كادير "محمد ولد عبدالقادر" ، رحمه اللـه.

 

رحلة ولاتة 

استعرض العميد ذكريات مؤلمة وقاسية أثناء فترة سجنه في ولاتة ومن ذلك أن الحكومة قررت له ألفي أوقية في الشهر وقد رفض ذلك الراتب وأرجعه إليهم وذكر أنه كان يعيش في تلك الفترة على بعض الزاد البسيط من البسكوت والفستق إلى أن جاء شهر رمضان فذكر للحارس أنه يحتاج إلى تغيير النظام الغذائي قليلا  فدبر له هذا الحارس ، خلسة ، طريقة للحصول على علبة من الحليب كانت هي الفطور والسحور.

 

 ويظهر في بداية هذه الرحلة الشاقة كرم وسخاء عميدنا حيث أنه خرج من نواكشوط وفي جيبه عشرة آلاف أوقية، اقترضتها والدة العيال ،  صرف جزءا منها لشراء بعض الاحتياجات في الطريق وأهدى الخمسة آلاف المتبقية لعسكري كان يرافقه وقد طلب منه مساعدة لمناسبة اجتماعية  ((ويؤثرون على أنفسهم)).

 

رحلة العودة

قبل رحلة العودة زار المقدم محمد خونا ولد هيدالة سجن ولاتة وقضى بعض يومه في الغرفة المحاذية لغرفة العميد وطلب أحد الحراس من العميد أن يقابل هيدالة لعل ذلك يكون سبيلا إلى خروجه لكن العميد رفض.

 

وفي رحلة العودة من ولاتة مر العميد بمدينة كيفة وكان الوالي ،آنذاك، الإداري المحنك "انجم لاروان" ، عليه رحمة الله، وكان يعرف العميد ولما رآه في تلك الحالة كاد أن يبكي واعتنى به عناية خاصة مأكلا ومشربا وملبسا وسهرا على راحته وذكر له أنه حول إلى ولاية آخرى ولكنه أوصى من يعتني به بعده، واستمر العميد في طريق العودة إلى قريته، أوليجات،  للإقامة الجبرية فيها ، وفي الطريق توقف عند والي لبراكنة الذي كان يعرفه معرفة جيدة لكنه تنكر له فشتان بين الاثنين انجم لاروان الذي بكى أو كاد شفقةً لحال العميد واعتنى به كثيرا وبين هذا "الصديق" الذي تنكر وتخلى عن إنسانيته ففاز والي العصابة وخسر والي البراكنة.

 

العميد وعزة النفس 

بعد أن قضى العميد عدة شهور في إقامة جبرية في "أوليجات" عاد إلى مدينة نواكشوط حيث اتصل به وزير التعليم وأبلغه رسالة يبدو أنها من الجهات العليا مفادها أن عليه أن يقبل العمل معهم وإلا فالبديل هو السجن وعرض عليه وزير التعليم العالي منصبين أحدهما رئاسة الجامعة التي كانت تحت التأسيس لكن العميد رفض العرض لاعتبارات مبدئية لأنه لا يريد العمل في مناصب سياسة أو شبه سياسية وقال للوزير إنه يمكن أن يقبل بوظيفة مدرس في الثانوية وذاك ما تم فعلا وهكذا يظهر مدى ثبات ووفاء العميد وأيضا مدى تواضعه حيث عاد إلى المدرسة مدرسا إلى أن عين ، بعد ذلك،  مديرا للمعهد التربوي الذي استمر فيه حتى مرحلة التقاعد.

 

عن الرئيس المختار ولد داداه

تعرض العميد لجوانب ومواقف متعددة تحدد ملامح شخصية الرئيس المختار ولداداه.

 فالرئيس الذي يتهم بالعمالة لفرنسا هو الذي رفض معونة فرنسا لميزانية الدولة حيث كانت تتحمل 50% من الميزانية لكن الرئيس طلب من فرنسا سحب مساهمتها في الميزانية بعض أن سعوا لعرقلة التعاون التجاري والاقتصادي بين موريتانيا والصين.

 

والرئيس الذي يتهم بالعمالة هو الذي أمم ميفيرما سنة 1974 موجها بذلك ضربة قوية لفرنسا.

 

أما عن إلقاء الرئيس خطابه لإعلان الاستقلال باللغة الفرنسية فقد شرح العميد ذلك مبينا أولا: أنه في تلك السنة لم يكن يوجد في موريتانيا آلة طباعة عربية واحدة وثانيا: أن الحضور كان من الرؤساء والمسؤولين الأفارقة مع غياب الحضور العربي وثالثا: أن الموريتانيين مع اعتزازهم بعروبتهم وحبهم للغة العربية لكنهم يواجهون بعض الصعوبات في الارتجال.

 

أما عن زهد الرئيس فيقول العميد إن مائدة الرئيس كانت عبارة عن أرز أبيض (عليه كردوس) وذكر أنه قال مرة للرئيس أن هذه المائدة غير قابلة للاستخدام الآدمي.

Ce n est pas mangeable

 

مواقف إنسانية

لم ينس العميد التنويه بشجاعة قادة الجيش الموريتاني وتميزهم في الدفاع عن بلدهم.

 

ولم ينس كذلك ذكر فضل رجال الأعمال الموريتانيين الذين أحسنوا إلى بلدهم ومجتمعهم وأحسنوا إليه هو شخصيا وإلى أسرته في ظروف حالكة مثل سيدي محمد ولد العباس وعبد الله ولد نويكظ وبمب ولد سيد بادي وحاب ولد محمد فال وأحمد سالك "الصحراوي".

 

في هذه الفقرات لم نتحدث عن الأستاذ محمذن المهتم بالشأن الثقافي ومحمذن المؤلف ومحمذن المؤرخ فلعل ذلك سيكون موضوع الحلقة المقبلة من الصفحة الأخيرة.

 

كانت هذه وقفات سريعة وغير مفصلة عن متابعتي لحلقات الصفحة الأخيرة حول سيرة وعطاء الشخصية الوطنية العميد محمذن بابه حفظه اللـه.

 

يستحق العميد ما هو أفضل مما تعرض له في السجن والمنفى فقد خدم البلاد في ظروف صعبة وكانت بصمته واضحة في قطاعات حيوية من تعليم واقتصاد وصناعة وسياسة خارجية .

 

كان العميد يستحق التكريم والتعزيز ولكن مكافأته كانت السجن والمنفى وهو أحد المؤسسين والرواد وبناة هذا الوطن.

 

حفظ اللـه العميد وجزاه عن البلاد خير الجزاء.

 

 

وصلى اللـه وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه