على مدار الساعة

بين ألم الفقد وأمل الإنصاف...

20 يونيو, 2020 - 22:19

الموت نهاية كل حي فكل نفس ذائقة الموت، وكل من عليها فان ولا باقي إلا الله، هذه حتمية معروفة مألوفة، لكن بعض الناس وإن لفَّت القبور جثامينهم فإنها لا تستطيع أن تمحو آثارهم، إنما المرء حديث بعده فكن حديثا حسنا لمن وعى.

 

مات سيدامين الإنسان ليبقى سيدامين الإحسان، رحل سيدامين الميت إلى قبره ليلة ووري الثرى - جعله الله له روضة من رياض الجنة - وبقي سيدامين الفعل والذكر خالدا في قلوب الناس...

 

استطاع الرجل أن يحرز لنفسه رحلة علمية متميزة حصد فيها الشهادات العليا من جامعات محترمة في اختصاصات علمية راقية، وولج باب التوظيف مبكرا كما تبين ذلك سيرته الذاتية الثرية، لكن استشعاره بمستقبل بلده واستحضاره لمشاكل المواطن البسيط، كل ذلك جعله يولي وجهه شطر السياسية واعيا ما ينتظر صاحبها من مشاكل وصراعات لا تهدأ، فشجعه حلمه الكبير في جعل السياسة وسيلة لخدمة الوطن وتحقيق بعض أمل الشعوب، وخاض غمارها وأدار لعبتها بنجاح وأدرك أن أول وقود ينبغي توفيره هو الجماهير، فنزل فيها خادما ومواسيا وآسيا، مسخرا إمكانياته لحل مشاكلها المختلفة اقتصادية واجتماعية وصحية، فالتفت حوله ورأت فيه أملها المفقود ورجلها المنتظر...

 

صعد الرجل بطموح تعضده مؤهلات جمة، كفاءة مهنية، ورؤية وطنية، وحنكة سياسية مكنته من نزال الكبار أحيانا والانتصار عليهم...

 

ظل سيدامين وفيا لقواعده الشعبية حتى في سنوات القحط المهني والسياسي لأنه ليس من أولئك الذين يعرفون الشعب في المواسم السياسية فقط، يستغلونه للتصويت، فإذا ولت اختفوا عنه وأمطروه بمواعيد عرقوب، وهذا ما تميز به الرجل وهو وفاء نادر في الساسة لأنهم أحيانا يعجزون عن جلب المنافع حين يكونون خارج القطيع المحظوظ، ولإدراك الناس أن العلاقة السياسية من المتحول الذي لا يبنى على أساس عميق..

 

قرائي الأعزاء سترافقونني قليلا إلى جمهورية مالي حيث عمل المرحوم سيدامين سفيرا للجمهورية الإسلامية الموريتانية هنالك، وهو رجل يحسن العمل الديبلوماسي لأنه ذو أخلاق رفيعة، طلق الوجه باسم الثغر، طيب الكلام، حسن النية، لكنه اقتنع أن تمثيل الوطن ليس بالإنسان فقط بل بكل ما يحمل علم الوطن، بنايات، سيارات، أثاث إلخ و لكم أن تقارنوا بين بنايات السفارة وسياراتها وتجهيزاتها يوم نزل فيها الرجل ويوم رحل عنها (انظر إلى الصور)، كانت الدور متهالكة، متصدعة الجدران، متآكلة السقوف، سيئة المنظر لا تصلح إصطبلا للحمير، كانت مستوطنة لأنواع الحشرات، والخفافيش وهوام الليل، يعسر أن يتمتع فيها الإنسان بنوم لذيذ، يشعر النائم فيها بوحشة وخوف وكوابيس غريبة، أعذروني أيها الناس أنا لا أحكي الخرافات هذه حقائق عشتها، كانت هيبة الدولة غائبة تماما، وأنا آسفة حين أقول إن بعض من تستأمنهم الدولة على بعض مرافقها يقول حالهم خذ خيرها ولا تجعلها وطنا، مؤسف حقا أن يرى المسؤول أنه في سباق مع العزل وأن عليه أن يجمع ما قدر عليه من أموال الأمة ليجعلها ممتلكات خاصة، لا ينجو من هذا إلا من حفظ الله...

 

لكن سيدامين كان رجلا وطنيا، مؤمنا أن المسؤولية تكليف وليست تشريفا، وهكذا آلمه حال السفارة بنيانا وأثاثا وتجهيزات، فبادر إلى غسل العار، وإزالة القبح عن وجه سفارتنا، وكلفه ذلك جهودا مضنية وتضحيات جساما ألجأته إلى الاستدانة من بنوك مالية، حتى حقق هدفه النبيل وظهرت السفارة في الصورة التي تناسب موريتانيا تاريخا وحضارة وشعبا...

 

ولكن! أشعر الآن بغصة ألم لا أتحملها، هل تعرفون أحبتي ما كان جزاء الرجل الذي ضحى بنفسه وسمعته وبمستقبل أسرته ليرفع وجه سفارة بلاده عاليا جميلا بين سفارات الأمم العظيمة في تلك البلاد الإفريقية؟؟   كان جزاء سنمار!!

 

نعم تغير الحكم 2008 وبحكم طبيعة الرجل وعلاقاته المتداخلة مع النظام المعزول لم يبادر إلى دعم السلطة الجديدة، خلافا لما تعودته الأنظمة المتعاقبة من تأييد وإشادة ومظاهرات دعم، عزل الرجل من منصبه وحوصر وعاش في منفى مهني سياسي ست سنوات، ليتم استدعاؤه إلى وظيفته الأخيرة وإن كانت لا تناسب حجم تضحياته وكفاءاته لكنه كان متمسكا بالعمل في وطنه، للرجل علاقات كبيرة مع كبار الشخصيات في العالم وإفريقيا خاصة، رؤساء وسفراء ووزراء وشخصيات عامة، كانت هذه العلاقات كافية لمنح الرجل فرص عمل تدر عليه دخلا كبيرا وسمعة عالمية كبيرة، لكنه كان دائما يقول إنه لا يستطيع أن يسبح في نعيم خارجي ويترك أهله ومواطنيه في جحيم المعاناة..

 

ظلت ديون البنوك المالية تؤرقه، وتكدر صفوه وهو لا يرى أملا في الخروج من ضائقتها، ولجأ أخيرا إلى الاستدانة من مؤسسات بنكية محلية ليسدد عن الدولة ديون السفارة، مرض الرجل وتدخلت الدولة لإنقاذ حياته مشكورة لكن قضاء الله لا يؤخر ونحن بما قضى ربنا راضون...

 

سيدي الرئيس تابعت في الأسابيع الماضية تدخلكم لإرجاع حقوق إلى أصحابها وقد شملهم ظلم استمر سنوات حرمهم من ممتلكاتهم ورواتبهم ووظائفهم، وسعدت بذلك كثيرا لأني ككل إنسان أكره الظلم وأستبشر باستعادة المظلوم لحقه.

 

سيدي رئيس الجمهورية لقد ضحى المرحوم سيدامين من أجل سمعة بلده وبنى له سفارة تظهر الآن في أبهى فنون العمارة العالمية، تتمتع بسرب سيارات تناسب مكانة دولتنا، وتجهيزات مختلفة حديثة كل ذلك كما قلت في مكان سابق من هذا المكتوب بوسائل خاصة تفوق قدرته الذاتية آملا أن الدولة ستعوضه ما استدان، وهو ما لم يحصل حتى اليوم، وألجأه ذلك إلى الاقتراض من بنوك مالية، ليضطر إلى الاستدانة من جديد من بعض البنوك المحلية ليقضي دينا بدين، وما زالت تبعات تلك الديون قائمة حتى اليوم، ولأن هذا الحق مشروع، ولأن أطرافه تشعبت وشملت ورثة الرجل فإنني وكل الوثائق والمستندات المبينة لتفاصيل هذه القضية موجودة ألتمس منكم الإنصاف...

 

وتقبلوا فائق التقدير...

 

أسرة المرحوم سيدامين ولد أحمد شلل