على مدار الساعة

عامُ "تَصْحِيحِ البداياتِ"

2 أغسطس, 2020 - 23:39
المختار ولد داهى - سفير سابق

مرت سنة على تحمُّل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أمانة رئاسة الجمهورية وهي مناسبة مألوفة في الدول الديمقراطية و الدول السائرة في طريق الديمقراطية لمساءلة الحصيلة وتقييمها ابتغاء فصل الإيجابيات عن الاختلالات كي تُثَبَّتَ الأولى وتُعزَّزَ وتُنَقَّح الثانية وتُصحَّح.

 

ولا يكون التقييم موضوعيا ولا سائغا إلا إذا خلا من آَفَتَيْنِ وجائحَتين استوطنتا – أسفًا - المشهد السياسي الموريتاني منذ زمن طويل وهما "الرضى المطلق" للموالاة عن أعمال النظام و"السخط المطلق" للمعارضة عن أفعال الحاكم وما نجم عن تَيْنِك الآفتين من حكم جاهز  لجزء غير يسير من الرأي العام بأن "كل مُوَّالٍ متملق و إن تعفف وعَدَلَ وكل معارض صادق وإن خاصم فَفَجَرَ".

 

وأول ما تحتاجه الموالاة (التي أنا منتسب لها الآن ويعنيني نصحها أكثر من نصح المعارضة) هو القطيعة مع "آلية الرضى المطلق" فهو  دفاع فاشل، ضارٌّ أشبه بالنيران الصديقة.

 

وفي تقديري  أن تقييم العام الأول من مأمورية الرئيس غزواني يمكن أن يتم من خلال مساءلة مؤشرات ثلاثة (لغرض الاختصار)؛ أول هذه المؤشرات وسيِّدها هو استعادة دولة العدل والقانون  وفى هذا المجال أعتقد أن الرئيس غزواني وصحبه حققوا مكاسب مهمة منها وقف الظلم فلم أعلم بظلم استجد  خلال هذه السنة وأغلب الأخطاء الإدارية التي حدثت يتم تصحيحها حالَ الانتباه لها.

 

ضف إلى وقف الظلم تصفيةَ بعض المظالم الموروثة ذات الخلفية السياسية في حق رجال السياسة ورجال الأعمال وبعض الشيوخ السابقين وبعض رجال الإعلام ومشاهير الأدب والفن كما يعتبر حياد الدولة والحزب الحاكم إزاء انتخابات نقيب المحامين سابقة ومؤشرًا على احترام الحرم القضائي وكل ما يمت له بصلة.

 

ورغم الحصيلة الإيجابية في مجال استعادة دولة العدل والقانون فإن خطوات لم تُتخذ وكان يمكن اتخاذها في مجال ترفيع خبرات القضاة ومكافأة القضاة الأكفاء العادلين وتهميش منتسبي القضاء الذين لهم سوابق مؤكدة في أخطاء قضائية عن عمد أو "ضعف مناعة مهنية" أو "نقص علم".

 

المؤشر الثاني هو مؤشر تطبيع وتهدئة المشهد السياسي وأعتقد أنه في هذا الباب حقق النظام مكاسب كبيرة من براهينها انتظام اللقاء التشاوري الفصلي مع زعيم المعارضة وخلق إطار تشاوري بين أحزاب الموالاة والمعارضة الممثلة بالبرلمان والتشكيل التوافقي (موالاة ومعارضة) للجنة تحقيق برلماني حول شبهات الفساد أنجزت تقريرا توافقيا رائعا سيكون له ما بعده سياسيا وإداريًا وترسيخًا لثقافة الحكامة الراشدة ضف إلى تلك البراهين الاستقبال التشاوري للزعماء التاريخيين للمعارضة والمترشحين المنافسين في الاستحقاقات الرئاسية...

 

وتقييمي أن الحصيلة السياسة هذا العام ممتازة لا يُنَغِّصها إلا ما كان ممكنا أن يتم هذه السنة ولم يتم من تكليف بعض المناضلين الراسخين في المعارضة الجامعين بين خَصْلَتَيْ الكفاءة والنظافة بمأموريات إدارية وتسييرية سامية رفعا "لِفِيتُو" سياسي دأبت عليه الأنظمة السابقة حيفا وظلما.

 

أما المؤشر الثالث فهو مؤشر الحكامة الاقتصادية والاجتماعية وفي هذا المجال سجل النظام خلال هذه السنة نقاطًا إيجابية منها التنفيذ المتزامن للبرنامج التنموي السنوي المسمى "أولوياتي" والمخطط الاجتماعي المعروف بـ"تآزر" والصندوق الخاص لمواجهة جائحة كورونا بأغلفة وأرصدة مالية كبيرة بلغت على التوالي: 41؛ 42؛ 43 مليار أوقية قديمة.

 

ولو تعززت الحكامة الاقتصادية والاجتماعية بالابتعاد مطلقًا عن إسناد  بعض الوظائف السامية إلى  "أصحاب السوابق التسييرية" و"مشاهير الولاء على حرف" لكان ذلك أكثر طمأنة للرأي العام.

 

وإجمالا كما بينتُ، فإن هذا العام حقق فيه النظام مكاسب هامة لم تخلُ من منغصات كان يمكن تفاديها وأتوقع اجتنابها مستقبلا، وهو عام تمكن عنونته "بعام تصحيح البدايات" آملًا أن تكون خطوات الإصلاح ابتداء من العام الثاني أكثر جرأة ومبادرة وأسرع وتيرة وخطى...