على مدار الساعة

وصفات قانون الفساد للتعاطي مع مخالطة المفسدين

3 أغسطس, 2020 - 12:14

الأخبار (نواكشوط) ـ ناقشت لجنة التحقيق البرلمانية تقريرها النهائي بعد اكتمال جلسات الاستماع إلى كبار المشمولين في الملفات التي تحقق فيها، وسط تأكيدات من اللجنة بالتوصل إلى أدلة قاطعة بوجود عمليات فساد وصفت بالضخمة خلال عشرية الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.

وأمام ترقب الرأي العام لإحالة التقرير إلى القضاء تتزايد التساؤلات عن مدى المسؤولية القانونية لـ «مخالطي» المفسدين من وزراء ومديرين وشركاء وغيرهم، خصوصا أن أغلب المسؤولين  برروا الأفعال المنسوبة إليهم خلال العشرية الماضية، والتي اعتبرتها لجنة التحقيق قضايا فساد، بأنها تمت بناء على أوامر عليا.

 

أغلب هؤلاء المسؤولين أكدوا أن الأوامر العليا صدرت إليهم من الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز نفسه، فيما كان لافتا أن آخرين نسبوا بعض الأوامر العليا التي كانوا يتلقونها خلال العشرية إلى أفراد من عائلة الرئيس السابق، رغم أن هؤلاء الأفراد لا يتقلدون أي مناصب عمومية.

 

وتتعلق قضايا الفساد التي بررها المسؤولون بأوامر عليا، بمجالات مختلفة تصدرتها صفقة مطار نواكشوط الجديد، وخيرية اسنيم، وبيع الأراضي، ورصيف الحاويات بميناء نواكشوط، إضافة إلى صفقات أخرى متعلقة بمجال الطاقة وتبييض الأموال، وغير ذلك. 

 

نصوص صريحة 

 

القانون رقم 014/2016 والمتعلق بمكافحة الفساد كان صريحا في النص على مسؤولية الموظف العمومي عن الأفعال التي يجرمها هذا القانون، وأكد على أن للمتمالئين العقوبة نفسها التي ينالها مرتكبو جريمة الفساد.

فقد جرمت المادة 20 من هذا القانون عدم التبليغ عن الجرائم، ونصت على أنه: «يعاقب بالحبس من سنة (1) إلى خمس (5) سنوات وبغرامة من مائتي ألف (200.000) إلى مليون (1000.000) أوقية كل شخص يعلم بحكم وظيفته الدائمة أو المؤقتة بوقوع جريمة أو أكثر من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون ولم يبلغ عنها السلطات العمومية المختصة في الوقت المناسب».

كما تنص المادة 16 والمتعلقة بالإثراء غير المشروع على أنه «يعاقب بنفس العقوبة كل شخص ساهم عمدا في التستر على المصدر غير المشروع للممتلكات».

وفي الفقرة الأولى من المادة 21 جاء النص على أنه «يعاقب المشاركون في الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون بنفس العقوبات المقررة للفاعلين الأصليين».

أما ظروف التخفيف والواردة في المادة 35 فقد ورد ذكرها مشروطة بإبلاغ السلطات المختصة عن الجريمة ومرتكبيها وشركائهم قبل الكشف عنها من طرف أجهزة البحث والمتابعة.

كما اشترط القانون لتخفيف العقوبة تقديم «كافة المعلومات الضرورية للحصول على الأدلة، وكل مساعدة من شأنها المساهمة في التعرف على الفاعلين والمشاركين في الجريمة ومنعهم من الحصول على العائدات واسترجاع تلك العائدات».

 

جرائم وعقوبات 

عرف القانون 014/2016 أعلاه الفساد بأنه «كل الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون»، كما خصص فصلا تحت عنوان: «التجريم والعقاب»، تضمن نحو عشرين مادة.

وتتعلق أقسى العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون بالمنتخبين أو القضاة أو المحلفين أو خبراء أو وكلاء الضرائب والجمارك والخزينة العامة أو منسقي البرامج أو الوكلاء القضائيين أو الموظفين السامين أو أي شخص معين بمرسوم أو مقرر وزاري مهما كانت صفته، جراء التماسهم أو قبولهم منفعة غير مستحقة للقيام بعمل أو الامتناع عن عمل من أعمال وظائفهم.

ومن بين الجرائم الواردة في هذا الفصل: الرشوة، الزيادة في الفوترة والنفقات الوهمية، اختلاس الممتلكات أو إتلافها، الإعفاء والترخيص غير الشرعي، استغلال النفوذ، الإثراء غير المشروع، إخفاء العائدات الإجرامية، إعاقة سير العدالة، تهديد الشهود والخبراء والمبلغين، عدم التبليغ عن الجرائم، المشاركة والمحاولة.

وتراوحت العقوبات المنصوص عليها في قانون الفساد ما بين الحبس من سنة إلى 20 سنة، وبغرامات مالية ما بين 200 ألف أوقية قديمة إلى 10 ملايين، إضافة إلى الحرمان من الحقوق المدنية، كما نصت المادة 30 على مصادرة كافة أملاك المحكوم عليه المتحصل عليها من جرائم فساد لصالح الخزينة العامة.

قانون الفساد أشار في مادته رقم 24 إلى أن الدعوى العمومية تتقادم بمرور خمس سنوات من تاريخ اكتشاف هذه جرائم الفساد، إلا أنه استثنى حالتي إفلات الجاني من العدالة وتحويل عائدات الجريمة إلى الخارج.

 

منفذو الأوامر العليا

ومن بين كبار المسؤولين العموميين الذين برروا قضايا اعتبرتها لجنة التحقيق عمليات فساد، الوزراء الأول الثلاثة في عهد ولد عبد العزيز وهم:
ـ مولاي ولد محمد الأغظف: تولى المنصب في الفترة ما بين 2008 و2014
ـ يحيى ولد حدمين: تولى المنصب في الفترة ما بين 2014 و2018
ـ محمد سالم ولد البشير: تولى المنصب في الفترة ما بين 2018 و2019.

ومن بينهم أيضا وزراء احتفظوا بمناصبهم في التشكيلة الحكومية الحالية، وآخرون تم تعييهم بمراسيم رئاسية وقرارات حكومية في عهد الرئيس الحالي محمد ولد الغزواني.

ولا تزال أغلب الشخصيات التي استندت في أفعالها الموصوفة بالفساد إلى الأوامر العليا، تشغل مناصب سامية في الدولة، وعاد بعضها إلى مزاولة مهامه الحكومية بعيد انتهاء جلسة الاستماع لجنة التحقيق البرلمانية له في قضايا فساد.

وفي انتظار إحالة التقرير الصادر عن لجنة التحقيق إلى القضاء، يتوقع أن توجه اتهامات إلى عدد من الشخصيات السامية وفق قانون الفساد.

 

صفقات مثيرة

الوزير الأول الأسبق مولاي ولد محمد الأغظف ألقى بالمسؤولية على ولد عبد العزيز في ملف اتفاقية الحكومة مع شركة النجاح لإنشاء المطار الجديد، كما حمله مسؤولية شراء خيرية شركة "اسنيم" لأعلاف حيوانات مخزنة منذ سنة، «وهي كمية سبق أن رفضتها مفوضية الأمن الغذائي لعدم تلاؤمها مع المواصفات، وأكدت مفتشية الدولة أنه غير ملائمة".

أما ولد حدمين فقد أكد أن ولد عبد العزيز أصدر له تعليمات بإبرام الاتفاقية مع شركة النجاح وكان حينها وزيرا للتجهيز والنقل، كما أكد وعدة وزراء آخرين أن ولد عبد العزيز أصدر تعليماته "بالعمل على بيع المدارس، وجزء من الملعب الأولمبي، وجزء من مدرسة الشرطة، وكتيبة المرافقة».

وزير الاقتصاد والتنمية السابق سيدي ولد التاه كان بين الوزراء الذين أكدوا تلقيهم تعليمات من ولد عبد العزيز بإبرام صفقة المطار الجديد.

كما ألقى الإداري المدير العام للشركة الوطنية للصناعة والمناجم "اسنيم" محمد عبد الله ولد أدواع على ولد عبد العزيز بالمسؤولية في قضية اكتتاب صهره محمد ديدي امصبوع في ظروف وصفتها اللجنة بأنها "بعيدة من النظامية، ثم فرض اكتتابه في باريس".

وحسب مسودة أسئلة اللجنة للرئيس محمد ولد عبد العزيز التي اطلعت عليها الأخبار، فإن عدة أسئلة تركزت حول التعليمات أعطاها للمسؤولين، غير أن ولد عبد العزيز رفض الحضور إلى جلسة الاستماع التي دعته إليها لجنة التحقيق البرلمانية.