على مدار الساعة

حصاد التربية المستعارة

26 أكتوبر, 2020 - 09:35
باباه ولد التراد ـ كاتب صحفي

يرى كثير من المفكرين أن أي بلد يدين في الأصل بعقيدة معينة لا يستطيع أن يتبني النظريات التربوية والثقافية والأخلاقية لمجتمع آخر دون أن يتخلى عن جزء من عقيدته وهويته ومبادئه .

 

لذلك يخشى أن يكون قدرا كبيرا من التشوه قد لحق حياتنا الفكرية والسلوكية والثقافية ومنظومتنا التعليمية بسبب التربية اللغوية والمدنية المستعارة، والاستلاب الحضاري واللغوي  ، والخلود المطلق في الطرف السفلي لثقافة الاجنبي ، التي أدت إلى استكانة الحكام أمام العدو ،  ومحاولة إفساد عقول الشباب ،من أجل القضاء على الاحساس الفطري بالانتماء الديني والوطني والعزة والكرامة لكي يتم التفكير بعقلية الغرب الدخيلة تحت مظلة العولمة وحرية الاديان الزائفة وحمولة اللغة الوافدة التي فتحت الباب على مصراعيه للانحراف والاستلاب العقدي والأخلاقي بدون ضابط ولاحياء ، وهو ما يؤكد أن أزمة التربية المستعارةأضحت معضلة تستأثر باهتمام الجميع .

 

ولأجل الارتقاء بمستوى القدرات الذاتية وتجاوز ما نعانيه اليوم من تبعية وسطحية وضيق أفق، أصبح من الضروري اعتماد الطرق التربوية الأصيلة - التي يتأكد كل يوم أنها استثمار في البشر- ، بما يقوي العقيدة الإسلامية ويعزز مكانة الهوية والوحدة الوطنية ، لأن من أهم الأهداف التي تسعى المجتمعات الى تحقيقها هو تكوين أجيال ونخب تستجيب للمتطلبات الدينية والوطنية والقومية ، وهذا لايمكن تحقيقه إلا إذا تشبعت منظومتنا التربوية من الروافد المستمدة من ديننا الاسلامي الحنيف، لأن الرجوع الى الفكر العربي الاسلامي الاصيل في بناء الفلسفة التربوية يشكل صمام أمان في وجه الهجمة الشرسة التي يتعرض لها ديننا الحنيف  وهويتنا الحضارية في هذا الظرف بالذات.

 

ومن هنا تأتي أهمية التربية الإسلامية - بشقيها المحظري والمدرسي - لكونها الوسيلة العملية الوحيدة في بناء وتكوين أفراد المجتمع حتى يكونوا قادرين على الدفاع عن مقدساتهم ،  من خلال قوة العقيدة وما تضمنته الشريعة من  ضرورة الدفاع عن الكليات والآداب الروحية والأخلاقية التي تجعل المتعلم يعيش في ظلها حياة ملؤها السعادة والاطمئنان ، و يشعر بالراحة النفسية والاجتماعية، لأن الإسلام دين يقوم على العقيدة الراسخة والعبادة الخالصة لله وحده دون خشية من غيره ، وهو دين يدعو الى التفكير والنظر ،ويحث على الأخلاق الكريمة والعلم والعمل.

 

أما الإنسان الذي فرضت عليه التربية المستعارة أو أعرض عن التعاليم الدينية ،أوتم حجبها عنه لأي سبب ، فسيشعر بالإحباط والقلق والتوتر والاضطراب النفسي والفراغ الروحي والاكتئاب ، ويكون معرضا أكثر من غيره للإلحاد والعقوق والإدمان على المخدرات والانتحار والفساد الخلقي والاجتماعي .

 

لذلك أولى الإسلام عناية كبيرة،  بالشباب من حيث تربيته وتنشئته على الخير والصلاح، وحمايته ووقايته من الشر والفساد .

 

واستجابة لهذا التوجه فإن المتعلم الذي اهتم بدينه الحنيف حري به أن يعرف قيمة الدنيا، و يعلم أنها مطية الآخرة وأن ما عمله فيها سوف يجده ويحاسب عليه ، كما أنه يدرك أن التربية الإسلامية هي التي تنظم حياة المسلم وتحقق له السعادة في الحياة الدنيا والآخرة، لأن المضامين المعرفية لهذه المادة تكتسي صيغة تعليمية قابلة للتحول الى أنشطة تساهم في تشكيل ذات المتعلم وشخصيته المستقبلية .

 

ورغم أهمية هذه الخصائص والمميزات فلا زالت مادة التربية الاسلامية في بلادنا تعاني من التهميش والتبخيس الذي يطال موقعها ضمن المنظومة التربوية مما يجعلها معطلة الأهداف والمحتوى .

 

لأن واقع تدريس مادة التربية الاسلامية ،التي أصرت الأدبيات على تسميتها بأم المواد لارتباطها بوجدان المجتمع الموريتاني ومرجعيته الحضارية والثقافية ،يؤكد تحجيم دورها على مستوى التنشئة .

 

ومن العوامل التي تكرس هذا الوضع نجد:ان مادة التربية الإسلامية محدودة بساعات قليلة في الاسبوع ولها حيز زماني هزيل مما يعطي انطباعا سلبيا لدى التلاميذ أن هذه المادة ليست مهمة .

 

كذلك فإن ضعف المعامل بالنسبة لمادة يعتمد عليها في الصياغة الاخلاقية ليعد من أكبر الاختلالات على مستوى هندسة البرامج ونظام المعايير المتحكمة في الامتحانات ، فكلنا يعلم أن نسبة المعامل تعتبر محفزا نحو الدفع بالتلاميذ إلى الاهتمام بالمادة إذا كان هذا المعامل قويا، أما إذاكان ضعيفا في أي مادة فإن ذلك يعتبر سببا لعدم اهتمام المتعلم بتلك المادة ، وهذا هو الحاصل عندنا للأسف مع مادة التربية الاسلامية والمواد العربية المساعدة لها .

 

وأخطر ما في هذه القضية أن الأمر مقصود لكي لا يستفيد الموريتانيون في الامتحانات من استعدادهم الفطري لتقبل مادة التربية الإسلامية على حساب المواد المدرسة باللغة الأجنبية التي تقدم محتويات تعاكس بشكل سافر القيم والمفاهيم التي تقدمها مادة التربية الاسلامية ، ولعل أبرز مثال على ذلك يتجلى في وحدة لغة الخصم التي لايمكن الفصل بينها وبين ثقافتها لما تضمنه اللغة من مفاهيم ومصطلحات تكون في العادة وليدة لبئتها ومحيطها ،ولذلك يحتاج المربون الى بذل جهود كبيرة لملاءمة اللغة الوافدة مع الثقافة الأصلية ،وبالتأكيد فإن البرنامج لايسمح بذلك فتنقل اللغة حمولتها الثقافية الى المتعلم ،وهو ليس قادرا بعد على فهم الأبعاد الحقيقية للاختلاف .

 

ناهيك عن استهزاء الافرنكفونيون بالقيم الاسلامية ومحاربتها وتصويرها على أنها سبب للتخلف والانحطاط ، وان سبيل التقدم هو في اتباع الغرب ومنهجه   فحسب .

 

والواقع أن الجهل بالتربية الإسلامية واللغة العربية هو الذي يؤدي حتما إلى التخلف والاستلاب والزيغ والضلال ،لذلك يعتبر بعض العلماء الموريتانيون أن تفشي ظاهرة الإلحاد مؤخرا في بلادنا قد يكون مردها أساسا هو الابتعاد عن تعاليم ديننا الاسلامي الحنيف والإقتداء بشخصيات ملحدة ، والركون إلى ثقافات فجة ورخيصة ،أملتها لغات أجنبية لها باع طويل في محاربة  الإسلام كما هو حاصل الٱن شعبيا ورسميا من الجانب الفرنسي .