على مدار الساعة

قمة السنغال والفرص الجديدة للتعاون الموريتاني الصيني

5 ديسمبر, 2021 - 01:43
د. يربان الحسين الخراشي

اختتمت بالعاصمة السنغالية داكار فعاليات المؤتمر الوزاري الـثامن لمنتدى التعاون الإفريقي - الصيني بمشاركة إفريقية شاملة، ولعل أحد أهم التطورات الجديدة لمستقبل التعاون الإفريقي الصيني مدى شمولية مجالاته، واتساعها، وكذلك الانتقال من التركيز على المساعدات إلى تعزيز الشراكات، وهذا ما يعكسه بجلاء اعتماد المؤتمر لعدة وثائق بدءاً بإعلان دكار، ومرورا بخطة عمل دكار للفترة (2022 - 2024)، والإعلان الإفريقي – الصيني بخصوص التعاون في مجال التغيرات المناخية، وانتهاءً برؤية 2035 للتعاون الإفريقي – الصيني، وتنص هذه الوثائق على العديد من التفاهمات السياسية والتنموية على رأسها دعم المشاركة الفاعلة لإفريقيا في مجال الحوكمة العالمية عبر تمكينها من لعب أدوار أهم في الشأن الدولي، كما تعد هذه الوثائق إطارا للتعاون الثنائي المثمر، الذي يكرس قاعدة  رابح - رابح، ويمهد الطريق أمام تعميق التعاون، وخلق فرص جديدة على المدى القريب والبعيد، مما يؤسس لإقامة شراكة أكثر تكافؤا، واتزانا، واستدامة  بين الصين وإفريقيا.

 

وفي هذا الصدد القمة تفتح ثلاثة مسارات رئيسية جديدة للتعاون الموريتاني - الصيني، أولها تعزيزالتعاون في إطار مبادرة "الحزام والطريق" التي أصبحت أكبر منصة للتعاون الدولي، حيث وقعت عليها أكثر من 140 دولة و32 منظمة دولية حول العالم من بينها 47 دولة إفريقية، و 18 دولة عربية، وتعزيز دور موريتانيا في مشروع القرن هذا إحياء طريق الحرير يتم عبر تفعيل دوراللجنة المشتركة للتعاون الثنائي، وتكثيف الاتصالات بين السلطات العليا للبلدين، وتعميق التفاهم المتبادل بين الشعبين الصديقين، والعمل معا على تلاقي الاستراتيجيات التنموية بين البلدين، وتوسيع التعاون مع المؤسسات المالية على سبيل المثال لا الحصر البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، الذي أصبح يضم 104 عضوا من بينهم 20 بلدا إفريقيا، وحتى الآن وفي غضون خمس سنوات فقط من تأسيسه، وافق على 153 مشروعا في أكثر من 40 دولة، باستثمارات تراكمية بلغت 31 مليار دولار أمريكي، وكذلك بنك التنمية الجديد لمجموعة "بريكس"، وصندوق طريق الحرير، وصندوق التنمية الصيني الإفريقي، وذلك من أجل ضمان الاستفادة ليس فقط من السيولة الكبيرة التي تتمتع بها هذه المؤسسات، والقدرة على التمويل بل أيضا من المفاهيم، والخيارات جديدة للتنمية الاقتصادية، التي قد تكون أكثر ملائمة لوضعية بلادنا سياسيا واجتماعيا.

 

أما المسار الثاني فيتمثل بدفع التعاون في مجال التكوين المهني و الفني، حيث التزمت الصين بمواصلة إنشاء  مراكز للتعليم الفني المتطورة في إفريقيا تحت إسم "ورشات لوبان" الحرفي الصيني المشهور الذي عاش قبل 2500 عام، هذا بالإضافة إلى تشجيع الشركات الصينية العاملة في إفريقيا على خلق ما لا يقل عن 800 ألف فرصة عمل محلية، وقد يلقى إنشاء مدرسة لمهن الصيد بمدينة نواذيبو قبولا وترحيبا صينيا خاصة مع بروز حاجة شركاتها العاملة في المجال إلى اليد العاملة المدربة والماهرة، هذا بالإضافة إلى تعويل موريتانيا الكبير على التكوين المهني والفني لخلق فرص عمل والتخفيف من معدلات البطالة المرتفعة جدا، مما سيقود في نهاية المطاف إلى مرتنة وظائف القطاع،  وتوطيين الخبرة اللازمة للانتقال إلى الصناعة التحويلية.

 

أما المسار الثالث فهو التعاون في مجال التنمية الخضراء، حيث تعهدت الصين بالتنفيذ مجانا لعشرة مشاريع في مجال حماية البيئة ومواجهة تغيرات المناخية في إفريقيا، بالإضافة إلى إنشاء مناطق نموذجية منخفضة الكربون، ومناطق نموذجية قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وموريتانيا تصنف ضمن الدول الأكثر عرضة لمخاطر التغيرات المناخية على المستوى العالمي، كما أنها تتصدر حركة التحول الطاقوي الذي تشهده إفريقيا نحو الطاقات المتجددة، و الهيدروجين الأخضر، وهذا ما يؤهلها لأن تكون منطقة نمودجية  لاستعراض التجربة الصينية الرائدة على صعيد تحقيق التنمية المستدامة، والحياد الكربوني، والمساعدة في تسريع تكيف إفريقيا مع التغيرات المناخية. إن التعاون الواعد بين الصين وموريتانيا في مجال التنمية الخضراء يمكن أن يرتكز على ثلاثة مجالات: محاربة التصحر، الطاقة النظيفة، والصناعة الخضراء، والتي على رأسها صناعة الصلب الأخضر، حيث تشير التوقعات إلى أنه إذا ما أراد العالم تحقيق أهداف اتفاق باريس في الحد من ارتفاع درجة الحرارة عالميا بمقدار درجيتين مئويتين فلابد من تخفيض انبعاثات الكربون في صناعة الصلب بنسبة 50٪ على الأقل بحلول عام 2050، هذا في ظل توقعات تشير إلى ارتفاع الطلب  العالمي على الصلب بمقدار 40% ليصل إلى 2.55 مليار طن سنويا مقارنة بالمستوى الذي كان عليه  في عام 2019 حوالي 1.85 مليار طن، وتوقيع موريتانيا لمذكرات تفاهم مع شركات غربية من أجل إنتاج الهيدروجين الأخضر يجب أن يصاحبه السعى إلى خلق الجو الملائم لاستقطاب صناعة محلية خضراء ، وتحول موريتانيا إلى منصة للتعاون الدولي ومع جميع الشركاء.

 

كانت قمة السنغال فرصة كبيرة لإعطاء دفعة قوية للتعاون الموريتاني الصيني، ونفض الغبار عن المشاريع المتعثرة خاصة  بعد إشادة وزير الخارجية الصيني القوية بموقف موريتانيا الثابت والداعم لقضايا الصين الجوهرية، والتي على رأسها الصين الواحدة لكن اقتصار التعاون على طلب تقديم المساعدة في مجال اللقاحات قد يفهم أنه رسالة غير مشفرة للبكين في ظل التكالب الدولي على القارة الإفريقية.