على مدار الساعة

10:53

ولد هارون: أمام غزواني فرصة لدخول التاريخ بتحويل بقية مأموريته لتحول انتقالي حقيقي (فيديو)

20 أبريل, 2022 - 21:15

الأخبار (نواكشوط) – قال منسق "نداء الثامن سبتمبر" أحمد هارون الشيخ سيديا إن أمام الرئيس محمد ولد الغزواني فرصة لدخول التاريخ، وذلك إذا قرر تجديد الوجه السياسي للبلاد، وتخصيص الباقي من مأموريته لتحول انتقالي حقيقي.

 

وأردف ولد الشيخ سيديا أن على ولد الغزواني أن يكلف سلطة مدنية توافقية لامعة بتسيير هذا التحول الانتقالي، والتحضير للانتخابات، وإعداد النصوص الكفيلة بخلق توازن في الجمهورية، وتوازن في المجتمع.

 

وأكد ولد الشيخ سيديا ضرورة إعلان الرئيس ولد الغزواني في خطاب تجديدي أن الرئيس لا حزب له، وكذا الدولة، وأنه لن تتم مضايقة أي كان لا من الأطر ولا رجال الأعمال ولا من الوجهاء التقليديين بسبب موقفه السياسي.

 

وأضاف ولد الشيخ سيديا في مقابلة مع وكالة الأخبار المستقلة أن ولد الغزواني إذا فعل هذا فسيدخل التاريخ إلى الأبد هو ونظامه ورفقاؤه العسكريون، مشيرا إلى أن أول ما سيقع هو نزول المجتمع إلى الشارع تأييدا له.

 

وقال ولد الشيخ سيديا إن هذا سيؤدي إلى ارتفاع الأمل والحماس الإصلاحي، وتحرر الطاقات، وانتعاش العمل السياسي والحزبي كما وقع 2005 و2006، حين حضرت كل الأحزاب لأن الدولة أعلنت أنه ليس لديها أي حزب، ولكن للأسف انتكس كل ذلك.

 

وأكد ولد الشيخ سيديا أن الدولة ستحظى بسبب هذا القرار بإمداد استراتيجي من المجتمع، يقوي أماكن القوة فيها، ويخفف الضغط عليها.

 

ولفت ولد الشيخ سيديا إلى أن دخول الرؤساء والأنظمة للتاريخ ليس أمرا سهلا، فأكثر ما شاهدناه هو ذهابهم إلى مزابل التاريخ.

 

وتحدث ولد الشيخ سيديا في المقابلة عن تقييمه للأوضاع العامة في البلاد، وكذا تقييمه للنصف الأول من مأمورية الرئيس غزواني، مستعرضا ما وصفها برهانات التغيير في البلاد، وكذا معالم المشروع السياسي الذي يدعو له.

 

وهذا نص المقابلة:

الأخبار: بصفة مفاجئة، اقتحمتم المجال السياسي، وبأسلوب جديد: مستشار وزير يصدر تسجيلات تنتقد النظام الذي ينتمي إليه – أو يفترض انتماؤه له -  وبحدة، كيف تفسرون للمتابعين هذا الاهتمام المفاجئ بالسياسة؟ وهل كنتم راضون عن الأوضاع خلال السنوات الماضية؟

 

أحمد هارون الشيخ سيديا:

لم أنتم يوما للنظام الحالي ولا إلى الذي سبقه، وإنما كنت أخدم إدارة بلدي مستشارا فنيا في وزارة العدل، وقبلها كنت رئيس مصلحة، ثم مدير ا مساعدا، ثم مديرا بالوكالة.

 

وأذكر أنه لما عرض علي معالي وزير العدل السابق، سيدي ولد الزين، مرافقته في الحملة التشريعية بنواذيبو، أجبته بأن الاتحاد من أجل الجمهورية ليس خياري. وبعد ذلك بسنوات سألني معالي وزير العدل إبراهيم ولد داداه المساعدة في حملة التعديلات الدستورية لسنة 2017، فأجبته بأني لا أستطيع مساعدته في تعديلات أوصت ضدها.

 

كنت دائما أواجه وزراء العدل برأيي في حالة القطاع، ومن الزاوية النقدية. وكان بعض الوزراء يتضايق من ذلك النقد إلى حد منعي من دخول مكتبه. وكان منهم من يتقبل النقد بصدر رحب مثل سيدي ولد الزين وإبراهيم ولد داداه. وقد حدثت في ذلك قصص طريفة، منها أن معالي الوزير سيدي ولد الزين عقد ذات يوم اجتماعا للديوان انتقد فيه بشدة نفسه وحصيلة أدائه بعد عام من توزيره. وعندما أعطى الكلام لأعضاء الديوان رد عليه كل من سبقوني للكلام بأن الوزير كان قاسيا مع نفسه وعددوا له عدة إنجازات. وعندما أعطيت الكلام قلت: يبدو أن هناك رأيين متباينين وأنا في صف الوزير! فضحك الوزير وتقبل النقد.

 

وأذكر أيضا أن معالي الوزير، الأستاذ إبراهيم ولد داداه، أمرني يوما بإعداد مشروع بيان أمام مجلس الوزراء خاص بإصلاح العدل. وعندما قرأته عليه قال إنه مقتنع به ويتبنى كل كلمة فيه، مع علمه أنه سيعرضه لكثير من المشاكل. وفعلا، قام الرئيس محمد ولد عبد العزيز بإسكات الوزير أثناء مجلس الوزراء ونهره، ليذهب الأستاذ إبراهيم إلى منزله مغاضبا ويقرر الاستقالة. لكن صديقه محمد ولد عبد العزيز اتصل به وسوى معه المشكل. وبعد ذلك بأيام انتشر البيان في الإعلام وزكاه موظفو القطاع، وخاصة القضاة.

 

ومع ذلك كله، كنت أحاول احترام تأويل الحكومة الموريتانية لمفهوم واجب التحفظ، على ما فيه من مصادرة لحق الموظف العمومي في إبداء رأيه السياسي، والنصوص الدولية الضامنة لذلك الحق. وأذكر أني سألت أول وزير عدل عملت معه رئيسا لمصلحة، وهو معالي الوزير الأستاذ محفوظ ولد بتاح، عن إمكانية مواصلة ما كنت أقوم به من حين لآخر من نشر آراء سياسية في الصحافة. فأجابني قائلا: "ألا حد ما يترك الكتبة ؤلا ينس عنو موظف"!

 

الأخبار: بعد نحو سنة من انتشار تسجيلاتكم الصوتية المشهورة، ما هو تقييمكم للأوضاع العامة في البلد؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

أحسن تقييم للوضع اليوم هو الرسائل البالغة والمؤثرة التي يرسلها المجتمع الموريتاني، بلسان حاله ولسان مقاله: ظروف معيشية غاية في الصعوبة، ثروة حيوانية وسمكية ومعدنية مهددة بالانقراض، خدمات عمومية في الحضيض، قطاعات حيوية تنهار  وتسير بطرق بدائية، منظومة سلطوية وتمثيلية ونضالية هشة متهالكة، تتراجع ثقة الناس فيها.

 

الحالة النفسية أصعب بسبب خيبات الأمل المتتالية وضبابية المستقبل، إذْ لم يعد الموريتانيون يعرفون وجهتهم، والشباب مسدودة أمامه الأبواب، ومعبأ للمجهول، من باسكنو إلى الركيز، ومن الركيز إلى نواذيبو!

 

القيادة الحالية لم تنزل إلى لميدان، ولم تهتد بعد إلى نقطة البداية. والحكومات الثلاث المتعاقبة في أقل من ثلاث سنوات فاشلة: سياسيا وإداريا واقتصاديا وتنمويا...

 

أذرع النظام و"حَوَّامتْ المخزن" منشغلون في المخزَنيات الخاوية والأسلوب القديم المصطنع: قراءة في مضامين خطاب رئيس الجمهورية، وأن على الإدارة أن تكون قريبة من المواطنين، وأن القيادة تنبهت لشيء ما كانت منتبهة له، والمفتشية ومحكمة الحسابات تلقوا تعليمات جديدة: أقالوا شخصا أو اثنين وعثروا على شيء من الوقود والسيارات. ولا أحد يسأل عن المليارات المبددة.

 

الأخبار: تابع الموريتانيون مؤخرا خرجات رئاسية، ومكاشفات للرأي العام، تبعتها تغييرات في الجهاز التنفيذي، ألا يشكل هذا إدراكا للواقع وسعيا في تغييره؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

نحن عندنا نظام حكم عمودي، وتقاليد سياسية أبوية. كل شيء يأتي من أعلى هرم في السلطة. وما قلتم الآن مندرج كله في إطار تحميل القيادة مسؤولية الأخطاء والتعثرات للإدارة والأعوان. ويبدو أيضا أن الأعوان بدأوا يحملون مسؤولية فشلهم لمؤسساتهم ولمرؤوسيهم، وهلم جرا.

 

ولم ينتج بعد من كل هذا إلا تعديل حكومي مخيب للآمال، وتبادل بين جماعة من الموظفين، منهم المتقاعدون، ومنهم محدودو الذهن، وفيهم من لا علاقة له بالشأن العام. ومنهم من ولي تسيير قطاعات فنية حساسة لا علاقة لهم بها ولا دراية. ومن من سبق أن تولى تسيير قطاعات عديدة ونتائجهم كارثية. ومن يرفضه المجتمع بسبب الفساد أو تهم الفساد. كيف نتحدث والحالة هذه عن الإصلاح والنهوض بالدولة؟ طبعا هناك دائما استثناءات قليلة في التعديلات المذكورة.

 

الأخبار: تجاوز الرئيس محمد ولد الغزواني نصف مأموريته، كيف ترون أداءه خلالها؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

إن التقييم بسيط جدا. وأنا أحبذ دائما الرجوع إلى ما في قلوب الناس وما يقولون. إن أكثر الموريتانيين تفاؤلا يقول اليوم إنه لم ير جديدا يذكر. والمؤشرات تدل على أن الباقي من المأمورية أصعب. طبعا ليست هذه أول مرة يخيب فيها ظن الموريتانيين في نظام جديد وتحول سياسي علقوا عليه آمالا. لكن الرئيس الحالي استثمر فيه المجتمع السياسي، وبذل جهودا مضنية في سبيل إقلاعه.

 

الأخبار: ألا ترون أن في هذا الطرح الكثير من التشاؤم والتثبيط؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

لا. أبدا! ليس هذا تثبيطا ولا تشاؤما. لكن مما يحز في النفس أن ترى دولتك تتدهور أمام عينيك، والمجتمع يعاني، والسلطة تتخبط، والنخب جامدة، والفرص تضيع يوما بعد يوم رغم المقدرات الطبيعية والبشرية. وما قلته للتو ليس إلا تشخيصا وفحوصا، والحلول موجودة. وسنرى في الشق الخاص بالحلول أن الرئيس الحالي عنده، هو ونظامه، فرصة لدخول التاريخ وتغيير وجه البلد ومساره.

 

الأخبار: ما الذي كنتم تنتظرون من الرئيس محمد ولد الغزواني ونظامه؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، كان يُتنظَر منه عندما تسلم السطلة أن يمسك الأمور بيديه: اليد اليسرى ينظف بها الساحة السياسية والإدارية والمالية ويصحح أخطاء سلفه، أو أسلافه جميعا. وهذا تكفيه اليد اليسرى. أما اليد اليمنى فأخصصها للاعتناء ببلدي عناية قصوى: أسس جماعة سياسية عالية المستوى، واستدعى الكفاءات، وأكون فريقا لامعا لإصلاح الإدارة، وفريقا خاصا بالاقتصاد والمالية والمحاسبة، وآخر للتنمية والطاقة، وفرق أخرى مكلفة بالنظر في قطاعات العدل والتعليم والصحة والنقل... وأخلق الثروة وأطلق المشاريع الاستراتيجية، وأجلب الأموال... إلخ

 

الأخبار: لكن واقعيا، أليس من الإنصاف استحضار أن نظام غزواني اصطدم منذ استلامه للسلطة بمشاكل قديمة موروثة، وملفات حساسة، وظرفية عالمية معروفة؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

"ايگولو البيظان عن لشفه ما تنصر !" إنهم دقيقون في التعبير! الإرادة والمنهج الصحيح والفريق الصالح لا يمكن إخفاؤهم وتغطيتهم! لا تستطيع كورونا ذلك، ولا محمد ولد عبد العزيز، ولا حرب أوكرانيا. والعالم فيه دائما حروب: شاهدنا منذ وعينا حروب البلقان، وحروب الخليج، والقرن الإفريقي، وتيمور الشرقية... لم يخل العالم يوما من حرب، أو أزمة سوق، أو أزمة طاقة! لكن هنا يتميز الرجال والأنظمة.

 

الأخبار: لكن ماذا عن غلاء الأسعار وانتشار البطالة المرتبطين بالأزمات المذكورة؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

أول شيء ينبغي للحكومة الكف عنه هو مغالطة المواطنين وكلام العوام. فالأسعار لا تستطيع الدولة تحديدها. وإنما تحددها السوق بالموازنة بين صاحب العرض وصاحب الطلب. والذي تستطيع الدولة القيام به في هذا المنحى أمران: أحدهما مهدئ مؤقت جدا، وهو تخفيض الضرائب والجمركة على البضائع، وتشجيع المنافسة، والضغط على الشركات والتجار المضارِبين. أما الحل الحقيقي فهو توفير الدخل ودعم القوة الشرائية للمواطن ليستطيع شراء حاجاته. والدخل لا يمكن توفيره إلا بواحد من المصادر الأربعة التالية: التوظيف، والاستثمار، أو الهِبة والسرقة. وعليه ينبغي التركيز على التوظيف والاستثمار وخلق فرص عمل بالجملة وتشجيع المبادرات. وهذا مما لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق القطاع الخاص.

 

علينا أن نتخلى عن الأحلام والأوهام ونعلم أن الدولة لا يمكنها توفير فرص عمل تذكر. ليس ذلك مهمتها. لكن عليها أن تدخل في شراكة حقيقية مع القطاع الخاص وإزالة العقبات وتشجيع الاستثمار والمبادرة الخاصة: الكبرى والصغرى والمتوسطة.

 

المستثمر الأجنبي عندما يرى واجهة موريتانيا على الإنترنت أو يأتي هنا إلى الإدارات سيفر ، ورجال أعمالنا يعانون يوميا من التحيز الجائر في الضرائب والجمركة والصفقات وانعدام الضمانات والتشجيع... مع أنهم يستطيعون بناء الكثير من المصانع وزراعة الكثير من الأراضي.

 

الأخبار: هل من حلول سياسية ومقترحات عملية لما ذكرتم؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

الحل الجامع هو التغيير! ورهانات التغيير السياسي في موريتانيا تتلخص اليوم في ثلاثة رهانات:

 

الرهان الأول هو استيعابنا جميعا - قمة وقاعدة - للوضع ودواعي التغيير الملحة، من عجز السلطة والنخبة السياسية، إلى مخاطر الانهيار والفوضى المطلقة. لا سمح الله.

 

والرهان الثاني هو مراجعة الأشكال والمفاهيم السياسية السائدة، ونظام الحكم القائم منذ 1991، والذي أصبح ضار ا بالدولة والمجتمع، وصار يلتهم نفسه ويلتهم أعوانه.

 

أما الرهان الثالث - وهو مربط الفرس - فهو خط سياسي جديد، جدير بأن يستثمر فيه المجتمع ويعلق عليه آمالا. وقال إن هذا الأخير في الطريق سيظهر منه قريبا نموذج جديد، وربما نماذج متعددة.

 

الأخبار: قلتم إن من بين رهانات التغيير استيعاب الوضع ومخاطر الانهيار والفوضى؟ ألهذا الحد تقلقون؟

حمد هارون الشيخ سيديا:

نعم. ولست وحدي في ذلك. الأغبياء يظنون أن الدول لا تفشل ولا تسقط، أو أن موريتانيا معصومة في الوحي. بينما نرى الدولة الفاشلة تتبختر بجوارنا، في دول الساحل وغيرها. وسبق أن انهارت دول أقوى من كل هذا وأعرق. دولة مالي المجاورة لنا ونرتبط بها كثيرا، لم تزل طبقتها السياسية تضعف وتتراخى. ولم يزل العسكريين يحتقرون المدنيين ويتلاعبون بهم وبالسياسة ومصير البلد وخيراته حتى انهار الاقتصاد والحكومة والرئاسة. وعندما تنهار الرئاسة ينهار الجيش. وبعد أن لم يغنهم التدخل الفرنسي والغربي، استنجدوا بقوات فاغنير الروسية، اقتداء بجمهورية وسط إفريقيا التي جعلت رئاستها وسيادتها وخيراتها تحت رحمة فاغنر. حتى رئيسهم لا ينام إلا تحت كاميرات فاغنير!

 

وعندنا دولة هايتي التي تأست قبل موريتانيا بمائة وستين سنة. ولم تشهد حروبا أهلية، وليست مصنفة أنها دولة مخدرات كما هو حال كولومبيا والمكسيك و‌غينيا بيساو. وعندهم نخبة مثقفة رائعة. لكن الإهمال والفساد أدوا انهيار الدولة، وضارت كل هزة تودي بهم، سواء كان زلزالا أوانقلابا عسكريا أو فَلَتَانا أمنيا. وصارت العصابات تعيث في الأرض فسادا، والناس يتخطفون في الشوارع. ولم تغن عنهم أكثر من 15 مليار دولار التي أمدتهم بها الدول الغنية والمؤسسات الدولية بعد زلزال 2010. لم تستطع إدارتهم واقتصادهم استيعابها فاختلسوها.

 

أما موريتانيا فإنها، لطفا من الله، ليست بها زلازل أو براكين أو حروب أهلية أو فوضى اجتماعية، رغم الغبن والتفاوت الطبقي الفظيع بين سكانها. ويدل ذلك على أمرين: أولهما أن الشعب الموريتاني مسالم ومتأخ، خلافا لم يروج البعض. والثاني أن الأكثرية لا تريد الترفا والغنى الزاءد، وإنما يريدون الغذاء والمسكن والملبس والمأمن، وتدريس أطفالهم وعالجهم إذا سقطوا مرضى.

 

ثم إن الكثير من هذه الطبقات الفقيرة التي نعدها عالة هم في الحقيقة منتجون كُلاًّ أو جُلاًّ. الفتاة منتجة: عاملة منزل أو مساعدة أطفال. الأم تنتج وتبيع الكسكس والمساويك والنعناع. والجزار وبائع الرصيد والحمال والصناع التقليديون والفنيون وتجار نقطة ساخنة... كلهم منتجون. لكن أين هي الدولة؟ أين من يخلق لهم دورة اقتصادية فيما بينهم ويوجه لهم قروضا وصناديق ويخلق منهم رجال أعمال وسيدات أعمال، ويدخلهم في الدورة الاقتصادية الوطنية ويزيد بهم الدخل القومي والوعي العام؟ لا ينقصهم جميعا إلا التمويل والتكوين والتشجيع ليكون كل واحد منهم مقاولة ومؤسسة ويكتتب أقرباء وأصدقاء ويدربهم.

 

أين من يصلح لهم التعليم العمومي ويؤوي أطفالهم جنبا إلى جنب مع إخوانهم من الطبقات الأخرى؟ أين هي المدرسة الجمهورية؟

 

الأخبار: هل تظنون أن المدرسة الجمهورية قابلة للتحقيق أصلا؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

ليس أمامنا من خيار غير المدرسة الجمهورية. إن بلدا فيه طبقة "كافيه امراجنهَ" كي تعلم أبناءها في المدارس الحرة، وفي كل صباح يتقاطعون مع إخوانهم من أبناء الطبقات الأخرى يتمشون نحو مدارس الدولة التي يرثى لحالها، وطبقة ثالثة تدرس بلغة مغايرة. عالَمَان، أو ثلاثة عوالم، في دولة واحدة لا يلتقون أبدا. أليس هذا هو الدمار بعينه؟! إغلاق المدارس خير من هذا. لما أراد ماو اتسي تونغ إصلاح التعليم أمر بإغلاق المدارس أربع سنين لا يدرس إلا الصغار! أما نحن فننظم يوما أو يومين من المنديات ونكتتب عقدويين بسبعين ألف أوقية قديمة ونقول إننا سنصلح التعليم.

 

وعندما أراد الخليفة الموحدي أن يصلح التعليم في القرن السادس الهجري، كلّف العبقري العظيم ابن رشد الحفيد بالمهمة. وأول ما قام به هو تأليف المختصرات الضرورية للتعليم: الضروري في أصول الفقه، الضروري في المنطق، الضروري في السياسية، الضروري في صناعة النحو الذي كانت نسخته الأصلية مفقودة يبحث عنها العالم شرقا وغربا، ليُعثر عليها أواخر القرن العشرين، هنا في إحدى مكتباتنا المحلية بأبي تلميت.

 

الأخبار: يرى البعض أن المدرسة الجمهورية تحتاج إلى أموال طائلة قد لا تكون متاحة لنا في الوقت الحالي.

أحمد هارون الشيخ سيديا:

جميع الأسر الموريتانية مستعدة لبذل أكبر ميزانية للتعليم. وعندنا في موريتانيا كلها نحو 6000 أستاذ و 12000 معلم و 3000 عقدوي. والميزانية العامة زادت من 560 مليار سنة 2019 إلى 885 مليار هذه السنة. لو خصصنا للمدرسين أقل من 50 مليار من 325 مليار التي زادت بيها النفقات خلال الثلاث سنوات الأخيرة، لحصل كل مدرس على زيادة تقدر بمائة ألف شهرية، ليتضاعف راتبه وتتحسن وضعية 21000 ألف أسرة موريتانية.

 

التعليم – كغيره من القطاعات - لا يمكن إصلاحه إلا بإرادة ورؤية سياسية قوية. واستقالة نبغوهَ بنت حابه من رئاسة المجلس الوطني للتهذيب فيها درس كبير. وهو أن لا فائدة من وجود فنيين وتكنوقراط مميزين في منظومة سياسية وحكومية لا تمتلك إرادة ورؤية للإصلاح.

 

تلقينا كثيرا من المساعدات والقروض. أين هي؟ وأين آثارها الاجتماعية والعمرانية والبشرية؟ وزير الصحة قال قبل أيام إنهم أنفقوا 75 مليار على التعبئة والتحسيس. إنه شيء محير! من رأى طابور المرضى المؤمَّنين وغير المؤمنين عند المستشفيات، لا يستطيعون الحصول على حقنة بمائة أوقية. ومن رآهم في مستشفيات تونس وأحيائها الشعبية ورحلاتها الجوية يدرك مدى فساد هذا القطاع.

 

عامة القطاعات الأخرى فاسدة وعاجزة: الشؤون الإسلامية، العدل، الخارجية، الداخلية، الصيد... وقد تعهد لنا النظام الحالي بإصلاح الجميع، وبأشياء أخرى كثيرة وجميلة. أين هي؟ وكثيرا ما نسمع بإنشاء مؤسسة أو آلية أو مكتب دون أن نرى نتيجة أو متابعة، أو نرى لها اكتتابا.

 

خلاصة القول، أن البلاد تتجه نحو مستقبل خطر ولا يوجد قطاع سليم يمكن الاعتماد عليه، ولا برق يلوح في الأفق. لكن لا توجد مرحلة من السوء إلا والتي ويوجد الأسوء منها. كما أن كل خطوة إصلاحية جدية مفيدة للبلد وتظهر في الدولة وتفتح المجال لخطوات أخرى.

 

الأخبار: هذا عن الرهان الأول. ماذا عن رهان التغيير الثاني المتعلق بمراجعة الأشكال السياسية السائدة؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

تعاقبت على حكم موريتانيا ثلاثة أنواع من الأحكام: حكم مدني يتحكم فيه فرد مدني، بواسطة حزب مدني ونصوص مدنية. بدأ هذا الحكم بإقرار النظام الرئاسي يوم 20 مايو 1961، وتوطد باعتماد نظام الحزب الواحد يوم 22 أغشت 1961، وانتهى بانقلاب العاشر يوليو 1978.

 

والثاني عسكري تتحكم فيه لجنة عسكرية ونصوص عسكرية. امتد من 10 يوليو 78 إلى 20 يوليو 1991.

 

والثالث، هو نظام الحكم الهجين القائم من 20 يوليو 1991 إلى اليوم. يحكم فيه فرد عسكري، بواسطة حزب مدني، ونصوص مدنية. مع احتفاظ العسكريين فيه برئاسة الأجهزة الأمنية والمخابرات.

 

أنماط الحكم الثلاثة هاذي كانت - في المجمل - فردية، رغم سياقاتها الزمنية المختلفة وكفاءاتها التسييرية وآثارها التدميرية والتعميرية المتباينة.

 

إنصافا للجيش، علينا أن نعلم ثلاثة مسائل: أولاهما أن الجيش لم يحكم، بصِفته المؤسسية الجماعية، إلا 13سنة الممتدة من 1978 إلى 1991. كل ما تبع ذلك كان حُكما فرديا، ليس للأجهزة والقادة العسكريين فيه من الأمر إلا ما يمنحه لهم مرسوم رئاسي، أو إرادة شخصية من رئيس الجمهورية.

 

المسألة الثانية، أنه إذا كان جيل الاستقلال من المدنيين قد وُفِّق إلى حد كبير في تطوير دولة بمؤسساتها وخدماتها وسمعتها في الخارج، فإن أجيالا من الضباط وُفِّقوا، هم أيضا، في تطوير جيش محترف، من أقوى جيوش شبه المنطقة، حافظ البلد من خلاله على سيادته واستقراره وأمنه.

 

المسألة الثالثة، أنه قبل ديمقراطية 1991 المشوهة، لم يتَّهم رئيس واحد، مدنيا كان أو عسكريا، بالفساد وجمع المال. وكانت الإدارة والقوى البيروقراطية، محافظين على حد من الاحترام والهَيبة والإبعاد عن الأمزجة الشخصية.

 

الأخبار: تحدثم سابقا عن ضرورة إقرار نظام دستوري جديد، ماذا تنقمون على النظام الدستوري القائم في البلاد منذ 1991؟ وما هي مبررات دعوتكم لإقامة جمهورية جديدة؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

هذا التقليد المعمول بيه منذ 1991، والمتمثل في استقالة ضابط من الجيش وترشحه بعد أسابيع لانتخابات رئاسية، تعددية شكلا وعبثية مضمونا، ليُنَصَّب إلـٰها يعبد بغير حق، هذا صارا ضارا بتوازن الدولة وضارا بتوازن المجتمع. ولكل شيء أجل وفترة صلاحية ينتهي بعدها ويطوى.

 

ومن أخطر الظواهر اللي انتشرت في ظل هذا النظام القائم منذ 1991، مسألتان: الأولى هي تكديس طاقات المجتمع من موظفين وأطر ورجال أعمال ووجهاء ووسطاء تقليديين في هذا الجسم الرِّخو المسمى حزب الدولة والأغلبية والموالاة. صاروا فاقدين للإرادة والمبادرة والحرية، ينتظرون الغنيمة والجولات الرئاسية والحزبية. ومن لم يتكدس منهم هناك لا يستطيع الظهور في خيار آخر، خوفا من مضايقة النظام لهم أو لأقاربهم.

 

وكم من شخص قال لي أنا معك لكني لا أستطيع الظهور خوفا على تجارتي أو وظيفتي أو قريبي.

 

الظاهرة الثانية أخطر، وهي إقحام قادة الجيش الوطني وقادة قوات الأمن في معارك جانبية تافهة، من قبيل إنشاء وحدات للاتحاد من أجل الجمهورية، أو الحزب الحاكم أيا كان، ومنافسة الأهالي المحليين على بلديات ريفية ومناصب انتخابية وتنفيذية بسيطة. والقاعدة الاستراتيجية التقليدية تقول إنك إذا رأيت نفسك في معارك جانبية متكررة، دليل على أن وضعنا الاستراتيجي في خطر! ولا شيء أكثر جانبية من إقحام قادة الجيش في مستنقع الصراعات المحلية. لكن شيئا من ذلك لم يتم إلا بإرادة شخصية من رؤساء الجمهورية. وعندما يأمرون بوقفه سيتوقف.

 

إذاً، هذه الأشكال السياسية السائدة والبنية السلطوية التي عندنا، لم تعد - حقيقة - تشكل مستقبلا. لا للدولة ولا للمجتمع، والقطاعات الحيوية والتنمية... وحتى "حَوَّامتْ المخزَن السطحيين، صارت مطالبهم أكبر من عروض الأنظمة, بل أكبر من هِبات الدولة نفسها.

 

الأخبار: أي نظام للحكم تقترحون؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

لا أظن أن عندنا اليوم خيار غير مراجعة حقيقية، وتقاسم للسلطة بين مؤسسات دولة قوية، ومؤسسات مجتمع ناضجة. وهذا مما يمكن للرئيس الحالي ونظامه أن يدخلوا به التاريخ. مع أن دخول الرؤساء والأنظمة للتاريخ ليس هينا، بل نراهم يوميا يذهبون إلى مزابل التاريخ.

 

لكن، إذا نظر السيد الرئيس إلى المستقبل وقرر تجديد الوجه السياسي للبلد، وخصص الباقي من مأموريته لتحوُّل انتقالي حقيقي، يكلف سلطة مدنية توافقية لامعة بتسييره وتحضير الانتخابات والنصوص الكفيلة بخلق توازن في الجمهورية وتوازن في المجتمع... ويقول في خطاب تجديدي إن الرئيس ليس عنده حزب، والدولة لا حزب لها، وأن الموظفين ورجال الأعمال والوسطاء التقليديين والمجتمع لا يستطيع أحد مضايقتهم بسبب خياراتهم السياسية. عندما يقوم هذا سيدخل التاريخ إلى الأبد، هو ونظامه ورفاقه العسكريون. وأول ردة فعل عليه ستتمثل في نزول المجتمع للشارع تأييدا له. وأول من سيخرج مؤيدا له هو أنت وأنا.

 

وعندها سينتشر الأمل والحماس الإصلاحي، وتتحرر الطاقات وينتعش العمل السياسي والحزبي، كما وقع سنة 2005 و 2006، حين الصارت الدولة بلا حزب. وستحظى الدولة بإمداد استراتيجي من المجتمع يقوي مراكز القوة فيها ويخفف عليهم الضغط.

 

الأخبار: لننتقل إلى الرهان الثالث، أو إلى الملامح العامة للخط السياسي الذي تتحدثون عنه؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

لا شيء أقوى من فكرة حان وقتها. لا شيء أقوى من فكرة حان وقتها! هذه القاعدة العجيبة تعزى لفكتور هوغو، أحد عباقرة القرن التاسع عشر. ولا شيء في هذه البلاد أشد حيْنُونة وإلحاحا من التغيير. وإذا أراد الله أمرًا، هَيّأ له أسبابه وأزال عواقبه وأتمّه. ولذلك نطالب بالتغيير وساعون فيه. والشرط الوحيد في النجاح وتحقيق المفاجأة، بعد إذن الله تعلى، هو دعم المجتمع الموريتاني لهذا التوجه!

 

لا شك أن هناك مبطلين، وآخرين يطيلون علينا الطريق. وهناك نظام دستوري يحتاج للمراجعة، وتقاليد سياسية لا يصلح معها شيء. لكن اليأس والإحباط المخيمين على المجتمع الموريتاني وقواه الحية، أخطر من كل هذا. وقد قال لي أحد الشباب المتنورين الذين يريدون أن يعطوا معنى لحياتهم عن طريق خدمة البلد والمجتمع، إن المعدل العام للخيبات السياسية لدى الشباب تقدر بخمس خيبات. هذا بالنسبة للشباب والمراهقين. ناهيك عن الكبار.

 

الخط الجديد لن يأتي بوحي سماوي، ولا خوارق العادات. ولا يستطيع القضاء - بين عشية وضحاها - على الإحباط والرداءة والتخلف والفساد والفقر... كما قال مؤلف رواية البؤساء في خطابه التاريخي أمام الجمعية الوطنية الفرنسية يوم 9 يوليو 1849: أنا لست من الذين يؤمنون بإمكانية القضاء على البؤس، لأن البؤس قانون إلهي. لكني ممن يؤكد أن البؤس يمكن تدميره. لأن البؤس مرض يصيب جسم المجتمع، كما أن الجذام مرض يصيب جسم الإنسان ويمكن تدميره.

 

كذلك التخلف والرداءة والإهمال والارتجال والفساد… كلها عاهات ذات بنية تحتية وقواعد ذهنية ضعيفة يمكن أن تُحطَّم. إن كيد الشيطان كان ضعيفا.  

 

هذا الخط الجديد، وباختصار شديد، يعرف مشاكل موريتانيا، ويعرف أعداء موريتانيا، وعنده لذلك القدرات! وكلما يحتاجه هو ثقة المجتمع ودعمه. والنتيجة ستكون - بإذن الله - أكبر وأسرع مما نتصور! وليس هذا تفاؤلا زائدا، وإنما هي رؤية.

 

هذا المشروع السياسي، الذي سيظهر قريبا، إن شاء الله تعلى، يمكن للجميع أن يلتقي فيه، بجميع أيديولوجياتها وثقافاتها. لأن المشروع ميني على فكرة مرحلية وهي أن هذه الخيمة المسماة موريتانيا، والتي نجلس تحت ظلها، لا نتركها تسقط. وأن نقويها بعد ذلك ونظيد من ريعها ونوزعه بين المجتمع... وهذا مما يمكن للجميع أن يلتقي عليه. ولن يجتمع ثلاثة أشخاص على مشروع سياسي إلا وظهر فيهم أكثر من تيار أو جناح. لكن استيعاب ذلك لن يطرح مشكلة لمن هم في هذا المستوى!

 

السلطة تُنال بثلاثة أشياء: القوة العسكرية، والمال، والفكرة. وهذه الأخيرة نهملها كثيرا، مع أنها هي أهمهم وأخطرهم. حتى الأنظمة العسكرية في العالم الثالث تولي أهمية كبيرة للفكرة لعلمهم أنها تنفع وتضر. والذي يظهر من حال الإنسان الموريتاني هو أنه غير عاجز ذهنيا. أما الوسائل فإنه لا ينبغي انتظارها. ولم يوجد في التاريخ صاحب مشروع ورؤية ينتظر الوسائل. الوسائل تأتي بعد ذلك. وعندما يثق المجتمع الموريتاني في المشروع ويدعمه، بعدها لن يعدم الوسائل.

 

المسألة إذاً تتلخص في شيأين: الأمل والمصداقية!

 

الأخبار: حدَثَ استئناف فعلي للحوار، بعد تعثر طويل، هل دعوكم له؟ وإذا دعوكم هل كنتم ستجيبون؟

أحمد هارون الشيخ سيديا:

الحوار، سبق أن تحدثت عنه مرارا. وأكبر إشكال فيه هو قرب الأطراف المتحاورين بعضهم من بعض! والطرف المحسوب على المعارضة أغلبهم متفق مع السلطة الحالية وراضون بالوضع أو ساكتون عنه مهما بلغ. والباقي من المعارضة لا يستطيع التأثير في سلطة تتحاور مع نفسها حيلة وتمويها. لكن أليس عندنا رئيس ومؤسسات؟ ماذا ينتظرون في اتخاذ القرارات المناسبة لحل المشاكل؟

 

إذا كان الهدف من الحوار حل المشاكل الحقيقية لموريتانيا، فإن قسما كبيرا منها يكفيه قرار من رئيس الجمهورية الذي فوضه المجتمع اتخاذ القرارات وتحمُّل مسؤوليتها. والقسم الثاني يحتاج إلى رؤية لامعة وفريق قوي وإرادة... وليس شيء من هذا بحاجة إلى حوار. صحيح أنه قد يؤدي هذا الحوار إلى بعض المجاملات والتنازلات الجزئية المتعلقة بالعمليات الانتخابية... وعلى كل حال، هناك أناس محترمون عندهم تجربة طويلة، نتمنى لهم التوفيق والخروج بنتائج مفيدة للبلد.

 

أما فيما يخص مشاركتنا في الحوار، لم نتلق دعوة. وفي حال ما إذا تلقيناها سيكون عندنا من العبثيات ما يغنينا عن مثل هذا الحوار!