على مدار الساعة

10:53

ذكرى وفاة عالم ضاع بها علم كثير

13 مايو, 2022 - 17:55
بقلم القاضي / عبد الله بن حمود بن امحمد

في مثل هذا اليوم من سنة 2013 انتقل إلى رحمة الله تعالى الألمعي القاضي/ محفوظ حمودي لمرابط فكان فقده مصيبة فاجعة أدت إلى أن يحزن عليه كأهله تلامذته ومريدوه ومن له به معرفة ولو لم تكن طويلة.

 

يمكن لمن عرفه عن قرب أن يصفه بما شاء من أوصاف التميز في العلم وإتقانه وجودة فهمه دون أن يبالغ في ذلك ولا أن يكون مساق كلامه إطراء بلا موضوع ولفظا بلا معنى.

 

يتميز العلماء بالإتقان وقوة الفهم، ولكن إذا انضاف إليهما عقل ذكي مفرط في الذكاء، وبديهة حاضرة متقدة، وحافظة واعية، كان - بهذا ولهذا - مبرزا على الأقران، ومن النادر أن يوصف عالم بهذا الوصف إلا إذا استجمع هذه الأوصاف.

 

ومن الدليل على ذلك أننا إذا اطلعنا على كتب الرجال - طبقاة المحدثين والففهاء والقراء والمفسرين والحفاظ - فقل أن يقال إن صاحب الترجمة كان مبرزا على أقرانه، لكن فقيدنا قد تحقق بهذه الصفة بعد أن استجمع تلك الأوصاف فهو في الفقه لا يجارى وزملاؤه يقولون: إن قريحته فيما لم ينص عليه أجود ما تكون.

 

هو في الأصول كابن السبكي، وفي التفسير - تفيسر القرآن ومقرئه - يبدي العجب العجاب، وفي الحديث ومصطلحه وباقي العلوم المرتبطة به يدهش بجودة التحصيل والاطلاع على مخبآت الأقوال في المتن دراية ورواية، وفي العلل والسؤالات وفي علوم الإسناد والثقاة والمجروحين كأنه لم يقرأ من العلم إلا علوم الحديث ولم يبرع إلا في فنونه.

 

وأما في النحو واللغة فهو كما يقال: جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، فلا يميل مع نحاة البصرة على حساب نحاة الكوفة، بل هو ينظر في الدليل على مثل منهج ابن مالك في اختيار أقوى الأقوال وترجيح بعضها على بعض.

 

وأما الحديث عنه في القانون ومجالاته فإن غباره في ذلك لا يشق وفهمه لا يلحق ولا يسبق، وتصرفاته في تأويل القانون من أبرع ما يكون فهو يستنط أصل القاعدة ويستوحي موطنها من مدارس القانون - فرنسية أو جرمانية أو غيرهما - لعمق فهمه وبعده عن السطحية وكلال الفهم، ومن شاء أن يستيقن مما نقول فليطلع على أحكامه، فإنه إن قرأها وقف على حق اليقين مما نقول وفوق الذي ندعي.

 

كان رحمه الله له غيرة على الإسلام لا تكل وليس يوجد مكتئبا إلا عندما ينال من الإسلام أو يزرى عليه من أعدائه، فهو قد قرأ مقالات المستشرقين وأتباعهم ولم يفته - فيما أرى - إلا القليل، وغالبا ما يستطرد في الرد عليهم ويشفي الغليل – كعادته - في ذلك.

 

 فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه بأحسن من عمله وبارك في خلفه فإننا لنجله - إذ هو أستاذنا وشيخنا وابن شيخنا وقدوتنا - وهو في ملحودة قبره كما كنا نجله وهو مقيم معنا لا نسمع منه إلا علما ولا نرى إلا خلقا وفضلا وذكاء ونبلا وجودا ودينا متينا ولسانا بليغا وأريا أصيلا ومحبة لنا خاصة صادقة ولإخوانه عامة.

 

ولسنا إلا في حالة عجز عن المزيد من ذكر خصاله الجمة وشمائله الثرة فإنه - والحق أقول - كان أمة بمفرده.

 

فما هو إلا كما قال ابن كثير في البداية عن القاضي الفاضل قال: فرحمه الله من وزير ما كان أنصحه ومن لسان ما كان أبلغه ومن عقل ما كان أرجحه..

 

اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه إنك سميع مجيب.

 

كيفه بتاريخ: 13/5/2022