على مدار الساعة

استثمار المساجد

29 أكتوبر, 2017 - 13:37
أحمد يعقوب أحمد بزيد - أستاذ جامعي

أدركتني صلاة العصر قبل يومين قرب واحد من أضخم وأفخم المساجد في المنطقة، فلم أتمالك نفسي من رجع البصر في مساحته الشاسعة التي تحار فيها العيون، ومن التأمل في روعة هندسته التي تخطف القلوب، ومن التفكر في حسن نظامه الصوتي الذي تطرب له الآذان، ومن العجب من جودة تجهيزاته وإضاءته التي تجعل كل مصل أو زائر يشعر بالراحة والهدوء، ثم تفاجأت لما وجدت أن كل هذا العالم الفسيح الجميل لم يصلّ فيه سوى إمام ضخم ومؤذن نحيل ومصليان آخران تعززا بثالث ثم برابع في آخر الصلاة.

 

ومن المفارقات أنك لا تجد مؤسسة عامة أو خاصة تعليمة أو غير تعليمية إلا وعندها أزمة في المساحات والمكاتب والفصول، بل إن الحاجة في كثير من البلدان قد تصل إلى درجة العجز عن توفير المساحة الكافية لتسيير مهامها العلمية والإدارية، في الوقت الذي تشكل فيه المساجد مساحات جاهزة مجهزة مهدرة لا يتم استغلالها في أحسن الحالات إلا لمدة ساعتين طيلة ساعات الأعمال الرسمية.

 

فقلت في نفسي لم لا يتم استثمار هذه المباني والمساحات والتجهيزات بشكل ينفع الناس ويوفر الموارد الخاصة والعامة، مثل أن يتم التعاون والتنسيق بين وزارات التعليم والمدارس والجامعات وبين وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية بحيث تنقل المؤسسات المستفيدة بعض أعمالها وأنشطتها ودروسها ومحاضراتها إلى المساجد بطريقة إدارية منظمة تكفل مصالح الجميع، وترفع نسبة الإشغال في المساحات والتجهيزات التي تعتبر أحد أهم مؤشرات الأداء المالي والإداري لكثير من المؤسسات.

 

إن استثمار المساجد بهذه الطريقة - وإن كان أمرا لم نعتده - فإنه في واقع الأمر ليس بدعة في الدنيا ولا أمرا خارقا للعادة، فهو أمر مقبول في مؤسسات أخرى وبشكل اعتيادي لا يثير الاستغراب ولا يفتح باب التساؤل؛ فهناك مؤسسات كثيرة تقوم باستثمار منشآتها مع أنها غير ربحية بطرق تجعلها وغيرها يستفيدان من النواحي المعنوية والمادية؛ فقد رأيت نوادي رياضية كبرى تتعامل مع مؤسسات وأفراد من أجل الاستفادة من ملاعبها وتجهيزاتها في الفترات التي لا يكون فيها نشاط رياضي، ودرست بنفسي محاضرات في إحدى الجامعات في قاعات تابعة لغرفة التجارة والصناعة لكن بعد انتهاء الدوام الرسمي فتحصل الفائدة للطرفين.

 

واستثمار المساجد - مع أنه ليس بدعة في الدنيا – فهو أبعد الأمور من أن يكون بدعة في الدين؛ فلم تزل المساجد منذ عصر النبوة وعبر التاريخ الإسلامي منارة إيمان وعلم وعمل تدور حوله كل المؤسسات التعليمية والمهنية في مختلف أصقاع المعمورة، ولعل استثمار المساجد بهذه الطريقة أو غيرها يعيد فتح إشعاع الإسلام الحضاري من جديد. ولن أنسى ولن ينسى العالم فتح المساجد أبوابها للمتضررين من إعصار "إيرما" و"هارفي" في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو فتح تذكرنا معه وعلم الآخرون أن في ديننا فسحة من الرحمة والأمل.