على مدار الساعة

 

موريتانيا وتنظيم القاعدة: هل انتهت مرحلة المتاركة؟

12 أغسطس, 2018 - 19:39
أحمد محمد المصطفى - صحفي متابع لشؤون الأمن في الساحل والصحراء - ahmedou0086@gmail.com

صباح الجمعة 10 أغسطس 2018 تعرضت دورية موريتانية مكونة من سيارتين لهجوم مباغت في منطقة حدودية مع مالي، أدى لإحراق إحدى السيارتين بشكل شبه كامل، فيما أصيبت الأخرى إصابات أخرجتها عن العمل.

 

النقطة الحدودية التي وقع فيها الحادث، ونوعية الأسلحة المستخدمة فيه، وردة الفعل المترتبة عليه، فضلا عن سياق الأحداث الذي سبقها، كلها أمور توحي بأنه قد لا يكون أول حادث من نوعه يخرق صمت "المتاركة" التي كانت تحكم علاقة موريتانيا مع التنظيمات المسلحة في الشمال المالي عموما، وتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي بشكل خاص.

 

من المواجهة إلى المتاركة

انتقلت علاقات موريتانيا مع التنظيمات المسلحة الناشطة في منطقة الساحل خلال العقد الأخير من مواجهة دموية مفتوحة إلى "متاركة" شبه تامة، ولكل من الموقفين سياقه الداخلي والإقليمي الذي يجعل فهمه سهلا بالنسبة للمتابع لتطورات هذه الملف.

 

ولئن جرى الحديث – إعلاميا وسياسيا – عن اتفاق بين موريتانيا والقاعدة، أو هدنة موثقة، كانت وراء هذه "المتاركة" ووجد هذا الحديث ما يستند إليه هناك أو هناك من وثائق ومعطيات، فضلا عن واقع التهدئة الماثل للعيان، فإن نظرة أعمق في الأحداث على الجبهتين، ومراجعة أكثر تدقيقا للمعطيات تدفع للاعتقاد بحصول نقاش للموضوع لم يصل درجة الاتفاق، أسندته تطورات وظروف إقليمية وعالمية، وأنضجته التجربة الدموية بين الطرفين، لينتج الجميع هدوء حذرا وهشا في الوقت ذاته، وهامش تحرك لكل من الطرفين محكوم بخطوط حمراء كان حادث الجمعة أول وأخطر خرق لها.

 

وتتضح الصورة أكثر بالعودة إلى الفترة التي بدأ فيها مؤشر التوتر بين الطرفين في التراجع، وذلك في الفصل الأول من العام 2012، حيث كانت صفقة تحرير الدركي الموريتاني اعل ولد المختار يوم 10 مارس 2012 هي آخر تعاط مباشر بين الطرفين، بدأت بعدها مرحلة "المتاركة" بانشغال كل طرف بظروف داخلية ضاغطة، فضلا عن حصول تطورات دولية تركت أثرها في جدول أعمال الجميع.

 

لقد جاءت حادثة اختطاف الدركي اعل ولد المختار يوم 20 ديسمبر 2011 من داخل كتيبة الدرك في مدينة عدل بكرو في ختام مواجهات دموية بين الطرفين، حيث سبقتها عمليات داخل الأراضي الموريتانية (لمغيطي 2005 – مقتل سياح فرنسيين قرب ألاك، وعملية الغلاوية 2007، تورين  - مواجهات مسلحة داخل نواكشوط 2008، مقتل أمريكي رميا بالرصاص في نواكشوط - هجوم انتحاري على السفارة الفرنسية – اختطاف رعايا أسبان على طريق نواذيبو 2009، تفجير سيارة مفخخة في النعمة 2010 – الهجوم على مدينة باسكنو 2011)، وخارج الأراضي الموريتانية (حاسي سيدي 2010 – غابة وغادو 2011) لتأخذ الأحداث بعدها منعطفا آخر.

 

فبعد هذه الصفقة بأقل من شهر ستسيطر الجماعات المسلحة على الشمال المالي (بداية إبريل 2012) وتتصدر للحكم في مدنه الثلاث الكبرى، وسيتعزز عمقها المحلي الطارقي بانضمام الزعيم الطارقي الإيفوغاسي إياد أغ غالي، وذلك بالتزامن مع الثورة الليبية، وتطوراتها التي انتهت بمقتل القذافي، وتحول ليبيا إلى ساحة نموذجية بالنسبة لهذه الجماعات، حيث ينتشر فيها السلاح، ويسهل فيها التجنيد، وتمتلك ثروات هائلة، إضافة لواقع قبلي وعرقي معقد، فضلا عن موقعها على مشارف السواحل الأوربية.

 

أما في موريتانيا فقد تزامنت الصفقة مع بدايات الاحتجاجات المطالبة برحيل الرئيس، تساوقا مع أحداث الربيع العربي، بعد هروب بن علي من تونس، واعتزال الرئيس المصري حسني مبارك، وهي أحداث أثرت على أجندات كبرى الدول والقوى الإقليمية، فضلا عن الدول العربية، والمرتبطة ثقافيا حضاريا بسوح هذه الأحداث.

 

وخلال هذه الفترة تبادل الطرفان عدة رسائل متأرجحة، وغير مباشرة، فقد واصلت موريتانيا تصعيدها الإعلامي بالتزامن مع سيطرة هذه الجماعات على الشمال المالي، كما نهضت بدور استخباراتي استثنائي، لكنها رفضت في الوقت ذاته المشاركة الميدانية في عمليات القتال ضد هذه الجماعات والتي بدأت منذ يناير 2013، وذلك رغم الضغوط الفرنسية والإقليمية لدفعها نحو ساحة المعركة، وهي الضغوط التي أثمرت مشاركة كل الدول الإقليمية بشكل مباشر، أو غير مباشر.

 

كما كان لموريتانيا دورها البارز في إنشاء مجموعة دول الساحل الخمس، وفي الدفع باتجاه إنشاء قوة مشتركة، قبل أن يتراجع حماسها في ظل المعارضة السياسية الشرسة التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية على مستوى مجلس الأمن، والتي منعت هذه من اعتمادها وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يحول دون الحصول على مورد مالي دائم، كما تواجه القوة المشتركة لدول الساحل عقبة تأخر وفاء الجهات المانحة بالتزاماتها المالية، وعدم تجددها. 

 

وكما كان موقف موريتانيا ورسائلها ثنائية الأبعاد، جاءت رسائل الجماعات المسلحة مشابهة لها، فقد أعلنت أكثر من مرة عن إعدام أشخاص تتهمهم بالتخابر لصالح موريتانيا، فيما أعلن القيادي يحي أبو الهمام في مقابلة حصرية مع الأخبار بداية 2016 أن هذه الجماعات "ستعامل بالمثل دول المنطقة التي لم تشارك بجنودها فيما وصفه بالحرب الصليبية، وتعاملت معنا بالحياد".

 

كما بعثت جماعة أنصار الدين بقيادة زعيمها إياد اغ غالي رسائل تهدئة لموريتانيا من خلال نفيها مرتين إلى ثلاث لبيانات أو أنباء تتحدث عن نيتها تنفيذ عمليات داخل الأراضي الموريتانية. وعلى العموم فقد ظلت عمليات هذه الحركات طيلة السنوات الماضية بعيدة عن الحدود الموريتانية باستثناء حالات قليلة.

 

مؤشرات وسياقات

وبالعودة إلى حادث الجمعة الماضي، يمكن تلمس العديد من المؤشرات على أن "العنصر المعادي المتسلل" – حسب توصيف بيان الجيش – لم يكن سوى مسلحين ينتمون لأحد التنظيمات الناشطة في الشمال المالي، والمرتبطة بتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وأن توصيف رئيس الحزب الحاكم في تغريده عبر اتويتر لهم بأنهم "عناصر إرهابية"، لم يأت من فراغ.

 

ولعل من المؤشرات الدالة في هذا المجال نوعية الأسلحة المستخدمة في الهجوم، فقد بات من المؤكد أن الدورية الموريتانية كانت من سيارتين وأن إحداهما تم تدميرها بشكل كامل بعد استهدافها بسلاح "أربيجي"، ومعروف أن الأربيجي لا يمتلكه في المنطقة سوى الجيوش النظامية، أو الجماعات المسلحة، كما تعرضت السيارة الأخرى لإصابة متعددة من بينها ثقب في خزان الوقود.

 

ويشهد لذلك أن الجيش الموريتاني دخل في 5 مواجهات على الأقل مع عصابات التهريب والمخدرات، ولم يسجل خلالها سقوط أي قتيل في صفوفه، ولم يتم استخدام الأسلحة سوى في حالات محدودة منها، وكانت محصورة في الأسلحة الخفيفة.

 

وذلك بدءا من عملية "لمزرب" 26 فبراير 2010، والتي كانت نتيجتها 3 قتلى و18 موقوفا، مرورا بعملية أخرى شمال لمغيطي يوم 08  ديسمبر 2010، وتم توقيف أفراد العصابة دون أية مواجهة، ثم عصابتي الحنك، وعرك إكيدي بولاية تيرس الزمور في مايو 2016، كما سجل العام الماضي عمليتين في المنطقتين ذاتهما؛ وهما: "عرك إكيدي" يوم 24 يناير 2017، ومنطقة الحنك يوم 26 سبتمبر 2017.

 

والملاحظ في كل هذه العمليات هي أن الخسائر البشرية المسجلة فيها كانت في صفوف أفراد العصابات، كما لم تتم مصادرة أي سلاح غير خفيف خلالها.

 

ومع أن هذا المعطى لا يشكل دليلا قطعيا على انتماء منفذي العملية لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي أو الحركات المرتطبة به، إلا أنه إذا انضاف لمؤشرات أخرى، كنوعية السلاح المستخدم، وامتلاك جرأة بدء الهجوم، وطريقة التنفيذ، فإنها تشكل مؤشرات متضافرة تدفع لاستبعاد فرضية عصابات التهريب.

 

ورغم مضي ثلاثة أيام على الحادث فقد اكتفى الجيش بإصدار إيجاز من 52 كلمة، أكد فيه وقوع الحادث، وقدم روايته للحصيلة، وأعلن عن الدفع بتعزيزات من القوى البرية والجوية لتمشيط المنطقة، دون الإعلان عن نتيجة عملية التمشيط، وما إذا كان منفذو العملية قد وصلوا مأمنهم، أم تم قتلهم أو القبض عليهم.

 

كما التزمت الجهة المنفذة للهجوم الصمت، ولم يتم تبني العملية من أية جهة إلى الآن.

 

أما السياق، فلا شك أن الحادث يأتي في ظل تطورات متسارعة في الموقف الموريتاني – بعد فتور خلال الأشهر الماضية رصده تقرير للأمم المتحدة عن تحضيرات القوة – وتجلى هذا التسارع في دفع موريتانيا بقائد أركانها المساعد الفريق حننا ولد سيدي إلى قيادة القوة المشتركة، وفي تنفيذ التزامها بتعيين ممثليها في قيادة القوة المشتركة، وفي تحديد القوة المنتدبة للانضمام لهذه القوة.

 

كما عرف التنسيق الفرنسي الموريتاني تقدما ملحوظا خلال الأشهر الأخيرة، وشمل هذا التنسيق تقديم فرنسا لمعدات وتجهيزات عسكرية للجيش الموريتاني، وزيارات قام بها الرئيس الفرنسي، وقائد أركان الجيوش الفرنسية، وقائد عملية برخان لنواكشوط، وإجراء لقاءات مع المسؤولين الموريتانيين.

 

ولا شك أن تولي موريتانيا لقيادة القوة المشتركة، وهي على أبواب مرحلة الدخول العملي لتنفيذ إستراتيجيتها (كان مقررا أن يبدأ تنفيذها يوليو الماضي قبل أن يتم تأجيلها لحين انتهاء موسم الأمطار) يفرض عليها أدوارا أكثر ضمن مهام هذه المجموعة، ويجعلها تغادر مقعد الداعم إلى الفاعل، ومربع العمل الاستخباراتي والتخطيطي المكتبي إلى العمل الميداني، وهو موقع يفرض استحقاقات كانت البلاد بمعزل عنها طيلة السنوات الماضية.