جدول المحتويات
مقدمة:
تشكل الجاليات الموريتانية في الخارج أحد أهم المكونات الوطنية الداعمة لمسيرة التنمية، بما تقدمه من إسهامات اقتصادية واجتماعية وثقافية وعلمية.
وقد أثبت الموريتانيون المقيمون في مختلف دول العالم قدرتهم على تمثيل وطنهم خير تمثيل، ونجحوا في بناء حضور مشرف في مجالات التعليم والأعمال والإدارة والاستثمار والخدمات المختلفة، فضلاً عن مساهمتهم المستمرة في دعم أسرهم والاقتصاد الوطني من خلال التحويلات المالية والاستثمارات المباشرة.
ومع تزايد أعداد أفراد الجالية واتساع انتشارهم الجغرافي، أصبحت الحاجة ملحة إلى تبني سياسة وطنية متكاملة تعنى بشؤون المغتربين، وتعالج التحديات التي تواجههم، وتستثمر قدراتهم وخبراتهم في خدمة التنمية الوطنية. فالجاليات الموريتانية ليست مجرد مواطنين يقيمون خارج الوطن، بل هي امتداد طبيعي له، وشريك أساسي في مستقبله الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
أولاً: تطوير منظومة الحالة المدنية والخدمات الإدارية للمواطنين في الخارج
تعد الخدمات الإدارية والحالة المدنية من أكثر القضايا ارتباطاً بالحياة اليومية لأفراد الجالية، وتبرز بشكل خاص مشكلة تسجيل وإحصاء المواليد الموريتانيين في الخارج، حيث تواجه العديد من الأسر صعوبات في استكمال الإجراءات اللازمة، مما قد يؤدي إلى تأخر حصول الأبناء على الوثائق الرسمية وإثبات الجنسية والتمتع بحقوقهم المدنية( خاصة فئة المواليد).
وتتطلب هذه الإشكالية وضع حلول مستدامة من خلال رقمنة خدمات الحالة المدنية، وربطها مباشرة بالسجل الوطني للسكان، وتنظيم بعثات دورية للحالة المدنية وحلها جريا و اعتماد زيارة دورية للجنة الإحصاء والحالة المدنية إلى دولة قطر ، بالنظر إلى ما يمكن أن توفره من تقريب للخدمات وتسوية للملفات العالقة بشكل منتظم.
ثانياً: تعزيز فرص التشغيل والتمكين الاقتصادي لأبناء الجالية
تمثل البطالة أحد أهم التحديات التي تواجه شريحة واسعة من الشباب الموريتاني في الخارج، وخاصة في دولة قطر، حيث يتطلع العديد من الشباب إلى فرص عمل تتناسب مع مؤهلاتهم وخبراتهم المهنية.
ومن أجل معالجة هذه الإشكالية، تبرز الحاجة إلى تفعيل وإبرام اتفاقيات تشغيل بين موريتانيا ودولة قطر، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب الباحث عن العمل، خصوصاً في القطاعات التي تحتاج إلى اليد العاملة المؤهلة، وفي مقدمتها القطاع الأمني.
كما أن إنشاء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات الموريتانية بالخارج من شأنه أن يسهم في تسهيل الربط بين فرص العمل المتاحة والباحثين عنها.
ثالثاً: دعم تعليم أبناء الجالية وترسيخ الهوية الوطنية
يمثل تعليم أبناء الجالية أحد أهم التحديات الاستراتيجية التي تواجه الأسر الموريتانية المقيمة في الخارج، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على اللغة العربية والهوية الوطنية والقيم الثقافية الموريتانية لدى الأجيال الناشئة.
ومن هنا تبرز أهمية إدراج مشروع المدرسة الموريتانية النموذجية للجاليات ضمن الأولويات الوطنية، لتكون مؤسسة تعليمية رائدة تجمع بين المناهج الحديثة وترسيخ الهوية الوطنية. كما ينبغي دعم البرامج التعليمية والتربوية الموجهة لأبناء الجالية، وتوفير مبادرات نوعية تعزز ارتباطهم بتاريخ وطنهم وثقافته وقيمه الحضارية.
رابعاً: صون التراث الشنقيطي وتعزيز الحضور الثقافي الموريتاني في الخارج
تمثل الثقافة الشنقيطية إحدى أهم ركائز الهوية الموريتانية وأبرز عناصر إشعاعها الحضاري. ومن هذا المنطلق، تأتي أهمية إنشاء مركز شنقيطي ثقافي في دولة قطر يعنى بالتعريف بالتراث العلمي والحضاري لموريتانيا، وتنظيم الدورات العلمية والثقافية في اللغة العربية والعلوم الشرعية والمتون المحظرية.
كما أن إشراك أبناء الجاليات في الأنشطة والمسابقات الوطنية، وعلى رأسها جائزة رئيس الجمهورية لحفظ وفهم المتون المحظرية، من شأنه أن يعزز ارتباطهم بهويتهم الثقافية ويسهم في نقل هذا التراث العريق إلى الأجيال الجديدة.
وفي السياق نفسه، يمكن لمبادرة "الصالون الثقافي الموريتاني بالخارج" أن تشكل منصة حوارية تجمع الكفاءات والمثقفين والمستثمرين والمسؤولين، بما يعزز التواصل الفكري والثقافي بين أبناء الوطن في الداخل والخارج.
خامساً: تشجيع الاستثمار العقاري والاقتصادي للمغتربين
يمتلك المغتربون الموريتانيون قدرات مالية واستثمارية مهمة يمكن أن تساهم بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الوطني وخلق فرص العمل.
ولتحقيق ذلك، تبرز الحاجة إلى إطلاق برامج استثمارية مخصصة للمغتربين، تتضمن مبادرات عملية مثل برنامج "بيتك في بلدك"، الذي يهدف إلى تمكين المغتربين من الحصول على أراضٍ سكنية واستثمارية بشروط تفضيلية، إضافة إلى برنامج القروض الميسرة لتسهيل تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبرنامج "الوفاء للمغتربين" الذي يشجع الاستثمار والارتباط الاقتصادي المستدام بالوطن.
سادساً: تطوير منظومة الحماية الاجتماعية والتقاعد للمغتربين
رغم سنوات العطاء والعمل التي يقضيها الموريتانيون في الخارج، ما تزال الحاجة قائمة إلى إيجاد آليات تضمن لهم الاستقرار والأمان الاجتماعي في مرحلة ما بعد العمل.
ومن هنا يبرز مقترح إنشاء صندوق تقاعد للجالية الموريتانية في الخارج، يوفر للمغتربين وعائلاتهم مظلة اجتماعية مستدامة، ويساعدهم على الادخار والاستثمار الآمن، بما يضمن حياة كريمة لهم بعد سنوات الخدمة والعمل.
سابعاً: تعزيز الشراكة المؤسسية والتواصل مع الجاليات الموريتانية
إن نجاح أي سياسة موجهة للمغتربين يتطلب وجود أطر مؤسسية قادرة على تمثيلهم والتعبير عن تطلعاتهم ومتابعة قضاياهم.
وفي هذا الإطار، يبرز مقترح إنشاء مجلس أعلى للجاليات الموريتانية في الخارج ليكون إطاراً دائماً للحوار والتشاور بين الدولة والمغتربين، كما يمكن أن يضطلع بدور أساسي في متابعة تنفيذ البرامج والمبادرات الخاصة بالجالية وتعزيز مشاركتها في التنمية الوطنية.
ثامناً: تحسين الربط الجوي وتيسير تنقل أفراد الجالية
يعد النقل الجوي من أهم العوامل المؤثرة في تعزيز ارتباط المغترب بوطنه، وتسهيل تنقل الأفراد والاستثمارات والتبادل الاقتصادي.
ولذلك، فإن فتح خط جوي مباشر بين نواكشوط والدوحة يمثل مطلباً مهماً لأفراد الجالية، لما يوفره من اختصار للوقت والجهد والتكاليف.
وفي حال تعذر تحقيق ذلك في المرحلة الحالية، فإن اعتماد إجراءات تشجيعية لتخفيض تكاليف السفر وتحسين الربط الجوي سيشكل خطوة مهمة نحو تعزيز التواصل بين الوطن وأبنائه في الخارج.
تاسعاً: نحو استراتيجية وطنية شاملة للجاليات الموريتانية في الخارج
إن معالجة قضايا الجالية بصورة فعالة تتطلب الانتقال من الحلول الجزئية إلى تبني استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على عدة محاور أساسية، تشمل تطوير الخدمات الإدارية، وتعزيز التشغيل، ودعم التعليم، والمحافظة على الهوية الوطنية، وتشجيع الاستثمار، وتوفير الحماية الاجتماعية، وتعزيز المشاركة الثقافية والوطنية.
كما ينبغي أن تكون هذه الاستراتيجية مصحوبة بخطة تنفيذية واضحة، تتضمن أهدافاً محددة، وجدولاً زمنياً، ومؤشرات للمتابعة والتقييم، بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
عاشراً: مقترحات عملية ذات أولوية
يمكن تلخيص الأولويات المستعجلة للجالية الموريتانية في الخارج فيما يلي:
ملخص مقترحات عامة لحل مشاكل الجالية
1- حل مشكلة احصاء المواليد أو اعداد برنامج دوري (نصف سنوي) لتسجيل المواليد وتسوية ملفات الحالة المدنية في بلدان الإقامة
2- تفعيل وإبرام اتفاقيات تشغيل بين موريتانيا ودولة قطر تستهدف استيعاب الشباب الموريتاني العاطل عن العمل، مع التركيز على القطاعات التي تحتاج إلى اليد العاملة المؤهلة، وفي مقدمتها القطاع الأمني، بما يسهم في الحد من البطالة، وتحسين أوضاع الشباب، وتعزيز مساهمة الجالية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
3-إشراك أبناء الجاليات في المسابقات الوطنية ، وخاصة مسابقة جائزة رئيس الجمهورية لحفظ وفهم المتون المحظرية.
4- تأسيس مركز شنقيط الثقافي بدولة قطر: ويستمد هذا المقترح أهميته من المكانة التي تحتلها المحظرة الشنقيطية بوصفها إحدى أعرق المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي، وما تمثله من رصيد علمي ومعرفي في مجالات اللغة العربية والعلوم الشرعية والآداب والفنون التقليدية، فضلاً عما تمثله موريتانيا من مرجعية علمية وثقافية متميزة في محيطها العربي والإفريقي...
5-إدراج مشروع المدرسة الموريتانية النموذجية للجاليات ضمن الأولويات الوطنية الخاصة بالمغتربين، لما له من دور محوري في إعداد جيل متمسك بقيمه وهويته الوطنية، وقادر على تمثيل موريتانيا ثقافياً وعلمياً في بلدان الإقامة، مع دعم برامج تعليم أبناء الجاليات باعتبارها استثماراً طويل المدى في مستقبل الوطن وأبنائه.
6-إنشاء مجلس أعلى للجاليات الموريتانية في الخارج بشكل دائم
7-استحداث برامج استثمارية مخصصة للمغتربين.
8-وضع برنامج وطني لرعاية أبناء الجالية والمحافظة على هويتهم الثقافية واللغوية.
9- إنشاء صندوق تقاعد للجالية الموريتانية في الخارج
10- برنامج وطني لتعزيز الهوية الوطنية واللغة العربية لدى أبناء الجالية الموريتانية بالخارج
11- مبادرة "الصالون الثقافي بالخارج" كمنصة حوارية دورية تجمع أبناء الجالية الموريتانية مع كبار المفكرين والأكاديميين والمستثمرين والمسؤولين الحكوميين.
12- إطلاق مبادرة "بيتك في بلدك" لفائدة المغتربين الموريتانيين، برنامج وطني سكني واستثماري يهدف إلى تمكين المغتربين الموريتانيين من الحصول على أراضٍ سكنية واستثمارية في مواقع متميزة وبأسعار تفضيلية.
13- مقترح بفتح خط جوي مباشر بين نواكشوط والدوحة: وفي حال تعذر ذلك في المرحلة الحالية، فإننا نلتمس النظر في اعتماد إجراءات تشجيعية من شأنها تخفيض تكلفة السفر على الخط المباشر من نواكشوط الى جدة بما يسهم في رفع الطلب عليه وزيادة جدواه الاقتصادية.
14- مقترح برنامج القروض الميسرة للمغتربين وأبناء الجالية الموريتانية: إنشاء برنامج وطني للقروض الميسرة يهدف إلى تسهيل حصول المغتربين وأبناء الجالية على التمويل بشروط مناسبة وآليات مبسطة.
15- مقترح برنامج الوفاء للمغتربين: منح الأراضي السكنية والاستثمارية بأسعار رمزية للمغتربين الموريتانيين
خاتمة وتوصيات:
لقد أثبتت الجاليات الموريتانية عبر العقود أنها كانت ولا تزال شريكاً حقيقياً في دعم الوطن والدفاع عن صورته ومصالحه في مختلف أنحاء العالم. كما أثبت أبناؤها قدرتهم على النجاح والتميز والإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لموريتانيا، رغم ما يواجهونه من تحديات وصعوبات.
وانطلاقاً من ذلك، فإن الاستثمار في الجالية الموريتانية بالخارج يجب أن يُنظر إليه باعتباره خياراً استراتيجياً للدولة، وليس مجرد استجابة لمطالب فئة من المواطنين. فكل إجراء يسهم في تسهيل حياة المغترب، وتعزيز ارتباطه بوطنه، وتمكينه من التعليم والعمل والاستثمار، سيعود بالنفع المباشر على موريتانيا ومستقبلها.
وعليه، فإننا نوصي باعتماد استراتيجية وطنية شاملة للجاليات الموريتانية في الخارج، ترتكز على الشراكة والتواصل والاستثمار في الإنسان الموريتاني أينما وجد، بما يحفظ حقوقه، ويعزز مساهمته في التنمية، ويجعل من الجالية رافعة وطنية حقيقية تواكب طموحات الجمهورية الإسلامية الموريتانية في التنمية والازدهار.
بقلم: سيد احمد الطالب سيدي - الأمين العام لمكتب الجالية بدولة قطر