تخطى الى المحتوى

من الريع الغازي إلى الانتعاش النفطي: ديناميكيات تنويع الإيرادات الاستخراجية في موريتانيا

 الشيخ أحمد ولد محمد - مهندس، خبير ومستشار في مجال الطاقة

جدول المحتويات

بدأت البنية الهيكلية للاقتصاد الكلي في موريتانيا تشهد تحولا هيكليا عميقا. فمنذ شهر إبريل 2025، انضمت البلاد رسمياً إلى مصاف الدول المصدّرة للغاز الطبيعي المسال (LNG)، مما يمثل تحولا طاقويا بارزا بعد نحو ثماني سنوات من نضوب وتوقف حقولها النفطية البحرية الأولى بشكل نهائي. ومع أن نموذج التصدير الموريتاني ظل تاريخيا رهينا لقطاعي الذهب والحديد، إلا أن المبادرات الحكومية الأخيرة تؤشر على رغبة أكيدة في إعادة التوازن. إذ أن توقيع اتفاقيات استكشاف - إنتاج جديدة مع مشغل دولي رئيسي لاستغلال اكتشافات خام النفط التي كانت مجمدة، يعيد تسليط الضوء على إمكانات النفط الوطنية كرافعة لتنويع الاقتصاد الكلي.

 

التكوين الحالي للعائدات الاستخراجية: هيمنة قطاع المعادن

لا يزال الملف التصديري لموريتانيا مهيمنا هيكليا من قبل قطاع التعدين، مدفوعا بشكل رئيسي بخام الحديد المستخرج من قِبل الشركة الوطنية للصناعة والمناجم "سنيم"، والذهب المستخرج من موقع "تازيازت". وحسب المؤشرات المصادق عليها من قِبل مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (ITIE)، فقد ولّدت الصناعات الاستخراجية الصلبة 91% من الإيرادات القطاعية للبلاد خلال العام المالي 2024.

 

وقد تغير هذا المشهد المزدوج في عام 2025 بفضل بدء الإنتاج في مشروع " حقل السلحفاة الكبرى آحميم (GTA) " العابر للحدود، والذي يتم تطويره بالشراكة مع السنغال، مما أدخل الغاز الطبيعي كمكون جديد لتدفقات التجارة الخارجية وعرّض تركيبة الصادرات الوطنية لتعديل جوهرية.

 

استراتيجية الانتعاش النفطي: رهانات اتفاقية "ميرفي أويل"

تجسد الاتفاقية الثنائية المبرمة مع شركة "ميرفي أويل" (Murphy Oil) الأمريكية رغبة نواكشوط في تنشيط قطاع التنقيب والإنتاج النفطي (Upstream). وتشمل اتفاقيات الاستكشاف - إنتاج نطاقين بحريين استراتيجيين في الحوض الساحلي، وهما: المقطعان C10 وتيوف (المعروف أيضاً بولاته). يحتضن مقطع تيوف حقول خام نفط تم اكتشافها منذ مدة طويلة، وتوفر الاتفاقية الجديدة الإطار التقني والمالي اللازم لإجراء دراسات الجدوى الحتمية لتقييم جدواها التجارية.

 

أما بخصوص المقطع C10، والذي كان مرخصاً لشركة "شل" (Shell) منذ عام 2018، فإن إعادة منحه تهدف إلى تحفيز الاستثمارات في حملات الحفر البحري العميقة (Offshore). وبالنسبة للدولة الموريتانية، يهدف هذا النهج الشامل إلى تقييم الجدوى الاقتصادية للعودة إلى إنتاج النفط الخام، المتوقف منذ توقف استغلال حقل شنقيط في عام 2017 بسبب تراجعه المبكر.

 

الأثر على الاقتصاد الكلي وموازنة الموارد الغازية والنفطية

يقدم تحليل الثمار الأولى لقطاع الغاز فكرة واضحة عن المسارات المالية المحتملة للقطاع النفطي. واستناداً إلى بيانات البنك المركزي الموريتاني، فقد حققت صادرات الغاز عائدات بلغت 237 مليون دولار أمريكي (حوالي 211 مليون یورو) خلال عام 2025، لتشكل نحو 5.5% من إجمالي مبيعات السلع الخارجية.

 

مع ذلك، فإن المساهمة المباشرة لهذا القطاع في ميزانية الدولة تخضع لإطار زمني مغاير. ففي نفس العام، قدّر صندوق النقد الدولي (IMF) الإيرادات العامة القادمة من النفط والغاز بـ 1.7 مليار أوقية (أي ما يعادل 37.5 مليون يورو)، بينما ساهم القطاع المعدني بمبلغ 14.8 مليار أوقية. وتؤكد هذه المؤشرات أنه إذا كان الأثر على ميزان المدفوعات الجاري وتوفير النقد الأجنبي فورياً، فإن النضج الضريبي لمشاريع المحروقات يتطلب وقتاً أطول قبل أن يغير بعمق توازن المالية العامة.

 

آفاق التنمية والفوائد الخارجية غير المباشرة

يظل مستقبل الديناميكيات النفطية والغازية في موريتانيا مرهونا بخيارات تقنية، وظروف السوق، وتسويات السياسة العامة. ويبقى الانتقال إلى مرحلة التطوير من قِبل المشغل "ميرفي أويل" مشروطا باعتماد الأحجام القابلة للاستخراج، وتقييم تكاليف الهندسة البحرية، وتوقعات أسعار برميل النفط على المدى المتوسط. علاوة على ذلك، يتضمن جدول أعمال الحكومة توسيعا محتملا لرخص الاستكشاف؛ إذ استهدف المشروع الأولي المعروض على مجلس الوزراء في يوليو ثلاثة مقاطع منفصلة بالشراكة مع "ميرفي أويل" و"شاريوت إنرجي غروب" (Chariot Energy Group)، رغم أن الإعلان الرسمي لم يشمل سوى عقدين اثنين.

 

إلى جانب منطق التصدير، تراهن السلطات الموريتانية على التثمين المحلي للموارد لضمان الانتقال الطاقوي الوطني عبر مشاريع إنتاج الكهرباء من الغاز (Gas-to-Power). وقد جُهز المشروع الرئيسي لمحطة الطاقة الحرارية في N’Diago (انجاكو) بقدرة 230 ميجاوات هيكلياً ليعمل بالغاز المستمد من حقل "حقل السلحفاة الكبرى آحميم". وحسب التوجيهات الوزارية، يجب أن تُمكّن هذه البنية التحتية الشركة الوطنية الكهرباء (SOMELEC) من الاستعاضة عن الوقود الثقيل بالغاز، مما يقلص تكاليف التشغيل ويرفع كفاءة مزيج الطاقة الوطني.

الأحدث