على مدار الساعة

بين الجفاء والرّضا بالكفر متَّسعٌ للقول الحسن

27 ديسمبر, 2019 - 16:34
الشيخ إبراهيم أعمر كل

من المِحَن التي يشكوها مجتمعنا الإسلاميّ منذ قرونٍ تفخيمُ غير المفخَّم وتضخيم غير المضخَّم، فإنَّك ترى المؤلَّفاتِ المسطورةَ، والبحوثَ المنشورةَ، وتسمَعُ المُناظَراتِ المنعقدة في قضايا ومسائلَ قُصارى أمرها الندبُ أو الكراهة، وإن بلغت حدَّ التحريم حِينا فعلى شطرٍ من خلافٍ ليس فيه متمَسَّكٌ من دلائلَ قطعيَّةٍ ولا قريبة من ذلك، ومن أمثلة ذلك النقاش المحتدم كلَّ نهاية سنةٍ شمسيَّةٍ حول جواز تهنئة المسلم للمسيحي بهذه المناسبة وغيرها من المناسبات.

 

لا أريد أن تكون هذه الكلمات مثالا على تلك المحنة المنهجيّة المستعصية، ولكن أريد من خلالها أن أَلفِتَ الانتباهَ إلى منحى جديد يحسن النظر إلى المسألة من خلاله، ولست بأوّلَ من أثار البحث فيها، ولعلّ الله يفتح بالبيان والحقّ.

 

تحرير محلّ النزاع: 

من المُهمِّ أن ندركَ ابتداءً أنَّ من مقتضيات الإيمان الاعتقادَ الجازمَ ببطلان كلِّ دين أو معتقَدٍ غير ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ومخالفةَ أهل الشرك والكفر في أعمالهم واعتقاداتهم والبعدَ عن التشبه بهم فيما نهى الإسلام عنه، أو كان مخالفا لثوابته كالمشاركة في شعائرهم الدينيّة، وهذا أمرٌ لا يُقبَل الخلاف حولَه، ولا مجالَ للطَّعن فيه؛ فنصوصه من الكتاب والسنة الصحيحة كثيرةٌ معلومة.

 

وإن كان غيرُ المسلم معتدِيا يحارب المسلمين، وينتهك حُرُماتِهم فليس له إلّا السِّنان وعامله، قال الله جل وعلا: {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم، أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} [الممتحنة: 9].

 

أمّا القضيَّة محلُّ البحث فهي تهنئة المسالم من غير المسلمين بمناسباته الدينية والوطنيّة ونحوِها، ما حكمها؟ وهل هي تعبيرٌ عن الرضا والقبول أم هي من حسن المعاملة الذي يقتضيه ديننا، ومن القول الطيّب الذي أمرنا به؟.

 

مناقشة المانعين لتهنئة غير المسلمين:

يتمسّك بعض فقهاء السلفيَّة في الموقف المفْرِط من تهنئة غير المسلم غالبا بأقوال لبعض المتقدِّمين وخصوصا شيخ الإسلام ابن تيميّة في كتابه الموسوم بـ"اقتضاء الصراط المستقيم" وتلميذَه ابن القيم في كتابه "أحكام أهل الذّمّة" مع أنَّه رحمه الله نقل أقوالا وروايات أخرى في المذهب الحنبليّ الذي اقتصر عليه غالبا في سياق ما يذكر من أحكام وأقوال، وكان ينقل من أقوال الحنابلة الغثَّ والسمين، فقد نقل عن الإمام أحمدَ رواياتٍ ضعيفةً مردودةً بالنصوص الصحيحة الصريحة؛ كالقول بمنع عيادة المريض غير المسلم وغيره.

 

هذا وقد نقل ابن القيِّم رحمه الله عن عدد من العلماء جواز تعزيتهم وتهنئتهم بأولادهم وما يتجدَّد لهم من موجبات الفرح كالولد، فروى عن الأجلح أنّه "عزى نصرانيا، فقال: عليك بتقوى الله والصبر" (أحكام أهل الذمة: 1/ 438) ونقل عن الأثرم قال: حدثنا منجاب بن الحارث، ثنا شريك عن منصور عن إبراهيم قال: إذا أردت أن تعزي رجلا من أهل الكتاب فقل: أكثر الله مالك وولدَك وأطال حياتك (المصدر نفسُه).

 

وما نقل ابن القيّم من الاتفاق على منع تهنئتهم بشعائرهم الدينيَّة، هو اتِّفاقٌ لم يذكرْه غيرُه، ولم يورد رحمه الله عليه دليلا واحدا عليه، وكلّ ما نقل ابن تيميَّة في "اقتضاء الصراط المستقيم" من آثار عن عمر رضي الله عنه كانت كلّها متعلِّقةً بشهود أعيادِهم والمشاركة فيها، وعلّل عمرُ ذلك بتجنُّب السخطة التي تتنزَّل عليهم بما يرتكبون من فجور وعصيان.

 

والتحقيق أنّه ليس في المسألة نصٌّ من كتاب ولا سنّةٍ، والوقوف فيها مع رأيِ إمامٍ مهما كان علمُه وفضله دون مجاوزته مع الدّواعي والأسباب الكثيرة لذلك، ودون اعتبار لأدِلَّة كثيرةٍ تُعارضُ رأيّه جمودٌ غير لائق، ذلك أنَّ طبيعة العلاقة بين المسلم وغيره مختلفةٌ اليومَ اختلافا جوهريًّا عنها في عهد السلف الماضين، فلم يعُدِ التوَزُّع الجغرافيُّ قائما على نحوِ ما كان.. بل امتزجت ساكنة الأقطار مسلمُهم وكافرُهم، واشتبكت مصالح بعضهم ببعض تعليما واتِّجارا واستشفاء ومجاورةً في المسكن.. إلخ، حيث يقطن في أوربا وحدها عشرات الملايين من المسلمين، ومنهم ملايينُ مواطنون في هذه البلدان وُلِدوا فيها ولا يعرفون غيرَها، والقولُ إنَّ هذا التغيُّر الهائلَ في عرف التعايُش وطُرُقه لا اعتبارَ له في الحكم غيرُ سليم إن لم يكن مكابرةً.

 

ثمّ إنّ باب التهنئة عرفيٌّ يجري حكمه على المعروف بين الناس وقد نقل ابن حجر في تعليل قيام سيِّدنا طلحة لكعب بن مالك رضي الله عنهما في حديث توبته: "وإنما انفرد طلحة لقوة المودة بينهما على ما جرت به العادة أن التهنئة والبشارة ونحو ذلك تكون على قدر المودة والخلطة بخلاف السلام فإنه مشروع على من عرفت ومن لم تعرف" (فتح الباري: 11/ 52) فالمدار في التهانئ ونحوها من طرائق التعامل على العرف الشائع بين الناس.

 

وهو رأي عدد من العلماء؛ فليست التهنئة من باب القُرَب بل هي من قبيل المباحات كما نقل الرمليُّ من الشافعيّة، قال: "وقد قال القمولي: لم أر لأصحابنا كلاما في التهنئة بالعيد والأعوام والأشهر كما يفعله الناس، لكن نقل الحافظ المنذري عن الحافظ المقدسي أنه أجاب عن ذلك بأن الناس لم يزالوا مختلفين فيه، والذي أراه أنه مباح لا سنة فيه ولا بدعة" (نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج:2/ 401) ويشهدُ لهذا انعدام النصوص في المسألة مع قيام الأسباب له، وإذا تقرَّر أنّها من أمور العادات فالأصل في العاديَّات الإباحة.

 

وإن بحثتَ – رعاك الله - علَّةَ القول بالمنع في المسألة وجدتها مبنيَّة على سدّ ذريعة الرِّضَا بالكفر والقبول بما هم عليه، فما القول في ذلك؟.

 

هل تستلزم التهنئة الرضا؟:

يرى أغلب الذين يذهبون إلى تحريم التهنئة بأعياد غير المسلمين أنّها تستلزم رضا بما يصنعون أو قبولا لما يزعمون، وهي دعوى تحتاج بينةً؛ إذْ إنَّ معنى التهنئة يرجع إلى أن تبارك لشخص ما وتدعُو له بالخير، قال الزَّبِيديّ: "والتهنئة: خلاف التعزية، تقول: هنأه بالأمر والولاية تهنئة وتهنيئا، وهنَّأه إذا قال له: ليهنئك، والعرب تقول: ليهنئك الفارس" (تاج العروس: هنأ) والقول بارتباطها بالرضا والقبول غير مستقيمٍ، ولا سيَما في عرف المدنيَّة اليومَ؛ حيث تغلب على معاملة الناس المجاملة و"المداراة"، فتغيَّرت مفاهيم كثيرةٌ، وتبدّلت أعراف في التخاطب عديدة.

 

وليست التهنئة إلّا من قبيل "البرِّ" الذي أذن الله فيه في آية الممتحنة، بل إنّ الكلمة الطيِّبةَ من أدناه، فـ"البرّ" جامع لكلّ أصناف المعروف، يشمل عيادة المريض ومساعدة المحتاج وإكرام الجار والصديق في العمل، والأستاذ المدرّس، والزميل في الدراسة.. إلخ بأصناف الإحسان؛ ترغيبا لهم في الإسلام، وتقديما للصورة اللائقة بالمسلم ودينه ومجتمعه.

 

فلو قلت لمسيحيٍّ في نهاية عامه الشمسيّ: "سنة مباركة.. سنة سعيدة.. عام مليء بالخيرات لك ولأهلك.. إلخ" ونحو هذا فأيُّ رِضا عن أعماله تحملُه هذه العبارات؟ وأيُّ تصديق لمعتقداته تحويه؟ فهي كلمة باتت دارجة على ألسنة الناس يحَيّي بعضُهم بها بعضا دون قصدٍ لدعاء غالبا بل دون استحضارٍ لمعناها أصلا، فكيف تكون تصديقا بكفرٍ أو قبولا به؟، وهناك ملحَظ دقيق وقفت عليه لبعض أهل العلم ينبغي الانتباه له في الفرق بينَ التهنئة بالعيد، والتهنئة فيه، وما يخشاه المانعُ هو أن تكون التهنئة مباركةً للكفر والعصيان.

 

واعلم - وفَّقك الله - أنّ إقرارَ أهل الكفر على كفرِهم ليس رضا بالكفر إطلاقا، ومن يزعُم ذلك واهمٌ؛ فقد قرَّر الفقهاء في تعريف الجزية بأنّها "ما يُؤخَذ من أهل الكفر جزاء على تأمينهم وحَقْنِ دمائهم مع إقرارهم على كفرهم" (المقدمات الممهدات: 1/ 368) وكلّ ما كان لأهل الصلح والعهد من حقوق على المسلمين من عهد النبيّ صلى الله عليه وسلَّم إلى اليومِ فقد كان مع إقرارهم على ما هم عليه من كفرٍ؛ فقد فتح صلى الله عليه وسلم خيبَرَ عنوةً، وأقرَّ أهلها على معابدهم فيها ولم يهدمها، وكذا الصحابة رضي الله عنهم فتحوا كثيرا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئا من الكنائس التي كانت بها، وقد بقيت الكنائس والبِيَعُ في البلاد التي فتحت عنوة، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عُمَّاله أن "لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيتَ نار" (راجع أحكام أهل الذمَّة: 3/ 1199).

 

فهل يقتضي شيءٌ ممّا سلف رضا بالكفر أو تصديقا بمعتقدات أهله؟ معاذ الله أن يكون ذلك.

 

أدلَّة جواز التهنئة:

هناك جملةٌ من الأصول والأدِلّة العامّة والخاصّة ينبني عليها في رأيي جوازُ تهنئة غير المسلم بأعياده، منها:

1 – المنهج النبويُّ في معاملة المسالمين من غير المسلمين: إن المتتَبِّع للهدي النبويِّ في معاملة غير الحربيِّ لا يجِدُ إلّا ما يجدُه في معاملته صلى الله عليه وسلَّم للمسلم من حسن العشرة والوفاء والتواضع..، فقد قَبِل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم هداياهم، وعاد مرضاهم، واشترى منهم ورهن لهم، واستعان بهم في السلم والحرب.. وكان يعود مرضاهم ويردُّ الظلم عنهم، ويُعاملهم بالرفق واللين..؛ روى البخاري في الأدَب عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: "كان اليهود يتعاطسون عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله فكان يقول: يَهديكم الله ويُصلِح بالَكُم [الأدب المفرَد: رقم: 1114].

 

وهذا أعظمُ أصل يُركَن إليه في المسألة؛ لما يقتضيه من المسلم من حسن الخلق في الخطاب والتعامل، وقد كان صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي.

 

2 – آية الممتحنة الجامعة الفاذَّة في هذا الباب المبينة أروع البيان منهج التعامل مع غير المحارب من الكفَّار: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة: 8].

 

3 – الأوامر العامة بحُسن الخُلُق، والقول الحسن مثل قوله تعالى: {وقولوا للناس حسنا}، فالأمرُ مطلَقٌ، و"الناسُ" عامٌّ يشمل سائر الخلق، و"حسنا" مطلق غيرُ مقيَّد.

 

4 – الوفاءُ الجميل وردُّ التحيَّة بأحسن منها: وقد جرت عادة غير المسلمين أن يُهَنّئوا المسلمين بأعيادهم ومناسباتهم، بل يُشاركونَهم في احتفالات العيد ويَحْضُرُون صلَواتِه في بلدان كثيرة، والله سبحانه يقول: {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:86]، وروى البخاريُّ في الأدب المفرد بسنَدٍ لا مطعنَ فيه عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: "لَوْ قَالَ لِي فِرْعَوْنُ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ قُلْتُ: وَفِيكَ، وَفِرْعَوْنُ قد مات" [رقم الحديث: 1113] وروى أيضا عن عُقبَة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه مرَّ برجل هيأتُه هيأة مُسْلِمٍ فَسَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فقال له الغلامُ: إِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ، فَقَامَ عُقْبَةُ فَتَبِعَهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ فَقَالَ: "إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهُ عَلَى المُؤمِنِينَ لكِن أَطَالَ اللَّهُ حياتَك وأكثر مالك وولدك" [رقم الحديث: 1112].

 

وما ثبت في الحديث من أنَّ اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول: السام عليك، فقولوا: وعليك فعلَّتُه ظاهرةٌ، فلو قالوا: السلام عليكم، وجب الرّدّ بالمثل: وعليكم السلام.

 

وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق في قصَّة جبلةَ بن الأيهم الملك الغسَّاني الذي أسلمَ ثمَّ ارتدَّ وتنصَّر أنَّه أرسل إلى حسّانَ رضي الله عنه هديّة فدفعها الرسول إلى أمير المؤمنين عُمَرَ، فأرسل إلى حسّان، فلما دخل عليه وكان ضريرا ومعه قائده، قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين إني لأجد روائح آل جفنة عندك قال: نعم، قد أتاك الله من جبلة بمعونة، قال: فأخذها وولّى وهو يقول:

إن ابن جفنة من بقيَّة معشر *** لم يغذُهم آباؤهم باللُوم

لم ينسَني بالشام إذ هوَ ربُّها *** كلّا، ولا متنصِّرا بالرُّوم

 

في أبيات جميلة تنضح رقةً ووفاءً، وأحسَب أنّه لو وقع هذا بحضرة بعض ضيِّقي الأفُق في الفهم والنّظر لعدُّوه ماهرةً لعدوِّ الله، وخيانة لله ورسوله والمؤمنين..

 

والقِصص في الباب لا تكادُ تنتهي فنكتفي بما سلف.

 

5 – الدعوة إلى الإسلام بحسن المعاملة: فإنّ كثيرا من المحتفلين بـ"لكريسماس" مثلا جاهلون بحقيقة أنّه ليس مذكورا في أيّ من الأناجيل ولا التعاليم المسيحيّة، بل هو عادة توارثوها عن قومهم، وإحسان المعاشرة مؤثِّرٌ في النفوس، ومن يزعُم أنّ الإقبال الكبيرَ في أورُبَّا وأمريكا على دين الإسلام لا يرجع جزءٌ كبيرٌ منه بعد الله إلى حسن المعاملة والمجاورة والأمانة التي عرف القوم بها آلاف الطلَّاب والأساتذة والتجَّار.. المسلمين فهو مُخطِئٌ.

 

وختاما: فإنّ بين الجفاء والخشونة في المعاملة، وبين الرضا بالكفر والمشاركة في شعائره متَّسعا للقول الحسن والمعاملة اللائقة، فاختر الأحسن والأرفقَ والأرقى.