على مدار الساعة

يحق لنا أن نقول للرئيس

19 مارس, 2022 - 18:25
محمد يحيى ولد باب أحمد

لا أفهم لماذا يستاء البعض من مصارحة الرئيس لجاليتنا في أسبانيا بأن بلدنا فقير، ولا أفهم لماذا يقوم البعض ببتر ذلك الحديث عن سياقه، فقد جاء التصريح مجرد رد على بعض مطالب الجالية التي لم تكن واقعية، بالمقارنة مع حاجيات المواطنين داخل البلد لما هو أكثر استعجالا من تحقيق تلك المطالب، كما مهد الرئيس لذلك بأن قناعته بارتفاع مستوى الوعي في صفوف الجالية هو ما يسمح له بمثل تلك المكاشفة، وهو تبرير يجد مصداقا له في تصريح سابق للرئيس، عبر فيه عن نفس المضمون، ولكن بأسلوب أكثر دبلوماسية عندما قال (إن إمكانيات البلد محدودة، وإن شعبه في حاجة ماسة لكل فلس من تلك الإمكانيات)، فلا فرق بين التصريحين سوى في الأسلوب الدبلوماسي الموجه للعموم في التصريح الأول، وأسلوب المكاشفة لمن اعتبر الرئيس أنهم من الخاصة الذين تمكن مكاشفتهم الصريحة بالحقيقة دون بأس، وأردف مع ذلك بالقول (إنه ستتم الاستجابة لما يمكن تلبيته من تلك المطالب، وإنه يعول على تفهم الجالية فيما لا تمكن الاستجابة إليه من بقية المطالب)، فما الضير في هذا الكلام الصادق الصريح؟

 

يحق لنا كمواطنين أن نقول للرئيس لقد وضعتم الأصبع على الداء، ويجب عليكم تبعا لذلك أن تعالجوه بالعمل على تغيير هذا الواقع، بصفتكم المسؤول الأول حاليا عن هذا البلد.

 

يحق لنا أن نقول له إنما كان الفقر قدرنا بسبب سوء التسيير، فماذا حققتم بعد تسلمكم للسلطة من أجل ضمان حسن التسيير؟

 

ويحق لنا أن نحاسبه على تمسكه حتى الآن بكثير من المفسدين في بعض أهم مواقع التسيير، كوزارة المالية مثلا، وأن نحاسبه على كل عملية اكتتاب أو تعيين غير شفافة  تمت بعد أن أصبح رئيسا كما هو الحال فيما وقع بالأمس فقط عندما تفاجأنا بتأدية اليمين القانونية لمجموعة من المفتشين والمدققين الماليين للدولة دون أن نعرف كيف ومتى وعلى أساس أي معيار تم اختيارهم، وقد كان لازما أن يعلن عن اكتتابهم ويسمح لجميع من تتوفر فيهم الشروط من المواطنين بالمشاركة في مسابقة اكتتابهم إذا كان الاكتتاب خارجي، وأن يعلم ويسمح  لجميع الموظفين الذين تتوفر فيهم الشروط  بالمشاركة في تلك المسابقة إذا كان الاكتتاب داخليا، أي خاصا بالموظفين العاملين، سواء أكان معيار الاكتتاب على أساس المفاضلة بين الملفات أو تمثل فى  اختبار  شفهي أو كتابي، وذلك حتى لا تصبح مفتشية الدولة بدورها عاجزة عن القيام بمهامها، كما هو حال المفتشية العامة للمالية التي تعج بعشرات المفتشين والمدققين العاجزين تماما عن القيام بأي عمل في المالية، لأنه لا علاقة لهم بالمالية، بل ولا علاقة لهم - في كثير من حالاتهم - بأي مجال أصلا من مجالات الإدارة، وإنما استجلبوا جلبا من أي مكان وبأي مستوى على أسس زبونية محضة، وكأن ما يتوخى منهم - في أغلبهم - هو أن لا يكونوا أصلا قادرين على فعل أي شيء

 

يحق لنا توجيه كل تلك الانتقادات الموضوعية للرئيس.

 

ولكنه لا يحق لنا أن نحمل الرئيس مسؤولية الفساد الواقع قبل حكمه، أو ننكر كلما تحقق في ظل حكمه ففي ذلك تجاوز وظلم بين.

 

كما أنه لا يحق لنا أن نقلل من أهمية بعض الإنجازات مثل: بناء خمسين منزلا للفقراء  أو عشرات الكيلومترات من الشوارع أو من المدارس أو توفير مئات الآلاف من الضمان الاجتماعي للمواطنين...الخ لا يحق لنا التقليل من أهمية تلك المنجزات على أساس أنها منجزات عادية، لأنه ليس من المنطق في شيء أن نطالب السلطة بتحقيق المعجزات، وإنما غاية ما يمكن أن تطالب به السلطة هو إنجاز ذلك العادي ولكن باستمرار، فتراكم إنجاز ما هو طبيعي وعادى هو أساس بناء الدول، تماما كما أن تراكم الفساد فيها هو أساس التدمير والفشل.