على مدار الساعة

حرب أوكرانيا العالمية: أهلا بكم في عالم ما بعد نظام الأمم المتحدة (3)

10 أبريل, 2022 - 23:40
محمد يحيى ولد باب أحمد

اعتماد نظام الأمم المتحدة إذا على القوة (في مختلف مظاهرها العسكرية ، والاقتصادية) هو الذى سمح في النهاية للولايات المتحدة بالانتصار في الحرب الباردة على المنظومة الاشتراكية بقيادة السوفيت، مرحليا على الأقل، ولكن انشغال أمريكا بحروب الاستنزاف - خاصة في العراق وأفغانستان - بدل استثمار انتصارها في الحرب الباردة، بما يضمن استمرار تفوقها الاستراتيجي، وهيمنتها الاقتصادية، هو (أي ذلك الانشغال بالحروب) هو ما أتاح فرصة ذهبية لغريميها الأساسيين: الروس، والصين لالتقاط الأنفاس، وإعادة التخطيط للبناء (الاستراتيجي بالنسبة للروس، والاقتصادي بالنسبة للصين) بحيث لم يفق الأمريكان إلا وقد خرج العملاقان الروسي والصيني عن نطاق السيطرة، وأصبح تحالفهما يمثل تهديدا مباشرا للهيمنة التي أصبحت أمريكا معتادة عليها في العالم، ويصعب عليها قبول مشاركة الآخرين فيها بأية صبغة اتفاقية كما هو حال المنتصر في أغلب الأحيان (لمكمل ما يحمل الشريك).

 

ما يقع الآن إذا في أوكرانيا هو النتيجة الطبيعية لتناقضات نظام الأمم المتحدة الذى أسس في أعقاب الحرب العالمية الثانية الذى عنون بنظام حماية السلم الدولي في حين أن مضمونه الفعلي هو تكريس قوة الأقوى وهو ما يترتب عليه بالضرورة أن يسمح لكل من أصبح قويا بنصيبه من الكعكة العالمية أو أن  تقع الحرب بين الأقوياء مجددا ليحدد ميزان القوة العسكرية ما سيأخذه كل طرف من النفوذ والمصالح في الخارطة العالمية، وهذ بالضبط هو ما يقع الآن.

 

ما يقع في أوكرانيا  ليس عملية خاصة كما تسميه روسيا، وليس حربا باردة كما تصفه أمريكا  لواذا من المجاهرة بالحرب، وما هو بحرب روسيا على الديمقراطية كما تزعم بريطانيا (تكرارا لسمينفونية غربية عتيقة أصبحت ممجوجة بعد أزيد من عشرين سنة من احتلال العراق وأفغانستان والخروج منهما دون ديمقراطية ودون تنمية)، ما يقع في أوكرانيا هو صراع إرادات عالمي على النفوذ  والمصالح من أجل الهيمنة على العالم أو على الأقل المشاركة في قيادته.

 

إنها الحرب العالمية الثالثة فعلا، ولكن على طريقة القرن الواحد والعشرين، فعندما تستخدم أكثر من خمسين دولة في العالم من الطرفين أعتى ما تملك من سلاح  قابل للاستعمال، فإننا لا نملك أن نسمي ذلك سوى بالحرب العالمية، استعملت الروس السلاح العسكري لحل النزاع لأنها تدرك بأنه أقوى ما تملكه، وبالغت أمريكا والغرب في استخدام سلاحي الاقتصاد والإعلام لأنهم يدركون أنهما أقوى ما يملكان من سلاح في هذه المعركة، مع التأكيد أن الغرب يجعل من أوكرانيا حاليا مختبرا لتجربة فاعلية أغلب أسلحته العسكرية، استنزافا لقدرات خصمه الروسي، و تمهيدا - ربما - للإجهاز عليه إذا ما تأكد من احتمالية النصر عليه.

 

غير أن الصين - التي أدركت تدرج استراتيجية الغرب تلك في المعركة - ادخرت جهدها حتى الآن لمواجهة المستجدات.

 

يتبع